التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

«جبل صبيح».. قمة جبل جليد في مشروع الاستيطان بالضفة

رؤية – محمد عبدالكريم

21 شابا من بلدة بيتا أصيبوا فجر اليوم الاثنين بالاختناق وكسور ورضوض، خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لجبل صبيح جنوب بلدة بيتا المهدد بالاستيطان، هم آخر جرحى المدافعين عن الجبل لكن للبلدة قصة طويلة في التصدي لمشاريع الاستيطان.

فمع بداية العام الجاري كان “جبل العُرمة” شرق بلدة بيتا محطة أولى لمقاومة أهالي البلدة لمشاريع الاستيطان حيث كان الآلاف منهم يبتون ليلهم لحماية الجبل من مشاريع الاستيطان، ويقع الجبل إلى الشرق من بلدة بيتا، على ارتفاع 843 مترا عن سطح البحر، وتظهر بقايا قلعة قديمة، وخزانات مياه ضخمة محاطة بقاعدة دائرية، كشاهد على حضارات سالفة عاشت في المكان منذ قرون، ويطل الموقع الأثري على السلط الأردنية شرقا، وشاطئ البحر الأبيض المتوسط غربا، وعلى قرى جنوب وشرق محافظة نابلس.

وشهدت بداية العام دعوات استيطانية لتنظيم مسارات للمستوطنين للجبل، لكن مقاومة أهالي البلدة أفشلت المخططات الاستيطانية في الجبل، حيث كان الفتى محمد عبدالكريم حمايل (15 عاما) آخر الشهداء المدافعين عن الجبل بداية العام، إلى جانب مئات الجرحى، حيث أفشلو إقامة مستوطنة جديدة في جبال: العرمة وجبل النجمة في أراضي قصرة وجوريش وعقربا، بهدف تشكيل بؤر استيطانية متتالية تربط مستوطنة “ايتمار” شرق المدينة بمستوطنة “تفوح” و”أرئيل”، لترسيم خطوط صفقة القرن.

عقب ذلك أعاد المستوطنين المحاولة ثانية قبل شهرين، وهذه المرة كانت جبل صبيح جنوب البلدة فأقاموا بؤرة استيطانية على قمة جبل صبيح وأطلقوا عليها اسم “أفيتار” مقاومة أهالي القرية خلال هذين الشهرين لهذه البؤرة نجم عنها استشهاد 5 شبان وإصابة المئات، للحفاظ على عروبة الموقع الاستراتيجي، تنشط فيه أعمال التجريف وتعبيد الطرقات وتواجد جيش الاحتلال لحماية 35 عائلة (إسرائيلية)، تسرق  جبلا تقدر مساحته بـ 840 دونما.

في إطار معركتهم ضد الاستيطان لم يكتف أهالي بيتا بالمواجهات التقليدية مع الاحتلال بل استنسخوا تجربة قطاع غزة في المقاومة الليلية في ما بت يعرف بـ”الإرباك الليلي” للاحتلال ومستوطنيه، على وقع الهتافات ومكبرات الصوت التي تصدر أصواتا عالية تزعج المستوطنين، وأبواق المركبات، وإشعال الإطارات ليلا، ، واستخدام الإضاءة القوية والليزر، لتشتيت انتباه جنود الاحتلال الذين يقومون بحماية المستوطنين، واستخدام البراميل المتفجرة، ومنذ أسابيع تشارك فيه مختلف الفئات العمرية، من خلال عمل منظم مستمر على مدار الـ24 ساعة، وبتنسيق من “حراس الجبل” الذين يعملون من خلال 10 وحدات، كل وحدة توكل إليها مهام معينة؛ بحيث تتكامل فيما بينها لتشكيل حالة من الإرباك للمستوطنين الذي يقطنون البؤرة الاستيطانية.

الفرقة الأخطر، هي تلك التي تغامر وتحاول الاقتراب أكثر من بيوت المستوطنين، يتسللون بين الأشجار ويصعدون بهدوء تام لعدم لفت أنظار جنود الاحتلال المنتشرين بكثافة في محيط البؤرة من كلّ الاتجاهات، وعندما يصلون إلى نقطة قريبة جداً من البيوت، يشعلون النار في الأعشاب هناك لتعلو ألسنة اللهب، وفي إحدى المرّات، تمكنوا من حرق بيت متنقل (كرفان) يعود لأحد المستوطنين”. وللتغطية عليهم، يعمد شبّان إلى قطع أسلاك الكهرباء ليحل الظلام الدامس في الموقع برمته. وبالتزامن، يبدأ فريق ثالث بتسليط أشعة الليزر على البيوت البعيدة، لتشتيت انتباه المستوطنين والحراس.

ما يميز أسلوب المقاومة في بيتا هو الزخم الكبير في حجم المشاركة، وبروز دور المرأة في النضال بشكل مباشر وغير مباشر، من خلال تقديم الدعم المعنوي والمساندة وتقديم الوجبات للمشاركين في المقاومة وتشجيع الأبناء على الخروج للدفاع عن أراضيهم”.

يشار إلى أن المستوطنين حاولوا السيطرة على جبل صبيح في العام 2013 من خلال إقامة بؤرة استيطانية عقب مقتل مستوطن عند حاجز زعترة، وأطلقوا عليها اسم “جفعات أفيتار”، على اسم المستوطن الذي قتل عند الحاجز، كما حاولوا إحياء البؤرة عام 2018، عقب مقتل حاخام يهودي قرب مستوطنة “أرئيل” شمال سلفيت، لكن المحاولتين فشلتا إثر المقاومة التي خاضها أهالي البلدة.

اليوم الاثنين، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن رفض قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي لاعتراض المستوطنين المقدم على قرار إخلائهم من البؤرة الاستيطانية “جفعات افيتار”.

حيث نقلت القناة السابعة الإسرائيلية المقربة من المستوطنين، أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية رفضت الاستئناف المقدم ضد الاعتراض على استمرار البناء في البؤرة الاستيطانية، وهذا يعني إخلاء عائلات المستوطنين من البؤرة الاستيطانية عاد ليخيم عليهم من جديد”، حسب وصف القناة العبرية.

ومنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 لم تخسر بلدة “بيتا” التي يسكنها نحو 16 ألف فلسطيني، من أراضيها أي قطعة أرض لصالح الاستيطان.

بالنسبة لأهالي بيتا، فإن تلك الخطوات ليست عفوية، بل تندرج في إطار مخطط استيطاني مدروس، يتم تنفيذه بدقة بالغة،فالسيطرة على الجبل جزء من خطة واضحة المعالم، تتمثل في فصل نهائي لشمال الضفة الغربية عن جنوبها، من خلال ما يعرف بـ”الحزام الاستعماري”، أي استكمال ربط المستوطنات من منطقة رأس العين الواقعة على حدود العام 1967، إلى مستوطنة “بركان” في محافظة سلفيت، ومنها إلى إحدى أكبر مستوطنات شمال الضفة الغربية، وهي “أرئيل”، ومنها إلى مستوطنة “تفوح” المقامة بالقرب من حاجز زعترة، ومنها إلى جبل صبيح، الذي يشكل موقعاً استراتيجياً مطلاً على معظم قرى وبلدات جنوب وشرق نابلس، وصولاً في المحصلة إلى مستوطنات أريحا والأغوار، وهذه خطة استيطانية ستقضي كلياً على أي فرصة لتواصل جغرافي فلسطيني.

وسجّل العقد الماضي، تسارعاً غير مسبوق في عمليات الاستيطان والتهام أراضي المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، وفق إستراتيجية إسرائيلية ممنهجة تهدف لترحيل الفلسطينيين وسرقة ما تبقى من أراضيهم.

ووفق إحصائيات لمركز “بتسيلم” الإسرائيلي لحقوق الإنسان، فإنّ الزيادة السكانية في مستوطنات الضفة الغربية كانت أعلى خلال العام 2020 بنسبة 68 في المائة منها في الأراضي المحتلة، في ظل زيادة إقامة بؤر استيطانية جديدة، وتوسعة رقعتها، على حساب أراضي المواطنين في الضفة الغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى