التقاريرثقافة

في القاهرة للكتاب.. جراحات الأوطان التي لا تلتئم

من الحاضر إلى التاريخ، ومن الحب إلى الجريمة، ومن الغربة إلى السكينة، ومن الذاكرة إلى الواقع؛ تتنوع الكتب والروايات الجديدة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يسدل أستاره غدا 15 يوليو الجاري.

الأوضاع التي باتت عليها العديد من الدول العربية، تحضر بقوة داخل العديد من الأعمال. في رواية “سم في الهواء”، للكاتب جبور الدويهي، نتعرف على قصّة شاب ينحدر من ضيعة نائية، مراهق جميل، وحيدُ أهله، تبدو حياته في ذلك المصيف البعيد هانئة وسعيدة إلى أن تزحف به الحياة إلى محطّات أخرى، تنزلق به نحو القاع حتى يبلغ نهايته، تتبعثر سنواته الأربعون بين الفرح المبكر والحزن اللامفهوم فيما بعد، يأكله الخواء الذي يقصف تجاربه، فلا الكتب ملأته ولا الحب، ولا حتى النضال من أجل المبادئ السامية.

يرصد الكاتب الحالة اللبنانية من خلال بطله، ينتقل من بيت إلى بيت ولا يحظى بالاستقرار، ينتهي به الأمر إلى السجن، يدخله طواعية، ولا يتغيّر شيء في أمره، تمتد يد خفية لتقص جذوره في كل مرة، لا ثبات في حياته، لا العائلة، ولا الزواج، ولا النضال السياسي، ولا حتى تجربة الثأر الإجرامية منحته ما تاق إليه، يقف على قاعدة مهتزة، حتى حانت لحظة الانفجار العظيم، كارثة المرفأ التي طمست معالم الشاب الجميل الذي عجز عن استعادة زمنه السعيد.

ينتشر السم في الهواء إثر الانفجار، ونقف على خراب بيروت، وواقع شديد المرارة، لإنسان تعذر عليه ترميم نفسه بعد أن طالها الدمار.

جروح العراق

blank

“زيارات لجروح العراق”، يقوم بها الكاتب غسان شربل، ففي العراق لا تلتئم الجروح. تختبئ وتكمن ثم تعاود الالتهاب. جروح التاريخ المثقل بجثث الحكام والمحكومين. وجروح الجغرافيا الشائكة التي جعلت العراق الحلقة الأصغر والأضعف في المثلث الذي يضمه مع إيران وتركيا. إنها خطوط تماس مع دول تعتبر خرائطها الحالية عقاباً لماضيها الإمبراطوري. لهذا بدا القلق في صورة المواطن الأول في بغداد.

جروح الداخل صعبة المراس هي الأخرى. يغطيها القمع الشديد لفترة، لكنها تطل في أول فرصة فتفوح رائحة الثأر. ساد الاعتقاد أن اقتلاع نظام صدام حسين قد يفتح باب الاستقرار والازدهار في هذا البلد الذي بدد الكثير من ثروات النفط والدم. لكن الجروح أطلت مجدداً. الجروح الشيعية-السنية والجروح العربية-الكردية فضلاً عن شجون الإدارة الإيرانية لعراق ما بعد صدام.

أما “البحث عن وطن.. سيرة مواطن عماني عاش الغربة والاغتراب”، فهو كتاب لزهران زاهر الصارمي.. يقول عنه الناشر: “ولأن كاتب هذه السيرة ثوري التكوين والمسلك والتطلعات، في فهمه للحياة والوجود، وليس ثائراً على وضع عابر أو حرمان ضيّق، لأنه الثوري هذا لا الثائر ذاك، جاء المحصول وفيراً في كل شيء: في الوجع كما في الأمل، في الدم كما في الرماد، في الخسارة كما في العشق”.

الحكاية الفلسطينية بمنظور إنساني، يستعرضها الكاتب همام الخالدي في روايته “حصار.. حياة قصيرة طريق طويل”، وهي رواية تاريخية تبدأ أحداثها في النكبة عام 1948 وتنتهي صباح اليوم الثاني من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.. تتناول الرواية ظاهرة المستعربين واستخدام الدين لتحقيق غايات دنيوية، والجانب النضالي في حياة الفلسطينين، والهجرة واللجوء، وقضايا الهوية والوطن والمصير.

عودة للتاريخ

blank

من لندن إلى القسطنطينية مرورا بباريس وصولا إلى القاهرة، يصحبنا الكاتب هشام الخشن، في روايته “بالحبر الأزرق”، ويشاركنا قصة ليديا ستون، المربية البريطانية التي التحقت في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر بقصر الأمير المصري مصطفى بهجت فاضل. نعيش معها مجريات العصور الخديوية وما حملته من أحداث. مزيج من شخصيات تاريخية كانت علامات في تاريخ مصر، وأخرى من خيال الكاتب، لنعيش فترة ثرية شهدت نهضة للوطن.

يعيد المستشار أشرف العشماوي التنقيب فى صفحة مطوية من تاريخ مصر، من خلال أحدث رواياته “صالة أورفانيللي”، التي تدور حول سلسلة من الجرائم الغامضة المتلاحقة، رسائل غريبة، فاعل مجهول، تشابُك معقد بين كواليس صالة المزاد وكواليس المشهد المصرى اجتماعياً وسياسياً، وصولاً لخبايا كواليس الحكم نفسها فى خمس حقب من السلطة، يشملها زمن روائي شاسع وممتد من أوائل القرن العشرين وحتى سبعينياته فترة حكم السادات.

يعود أخر ملوك مصر في رواية جديدة بعنوان “فاروق الأخير”، للكاتب منتصر أمين.. “في فترة عصيبة من فترات تاريخنا المعاصر، فوجئ الفتى الصغير – في سن السابعة عشر – بنفسه ملكًا على مصر.. في ذلك الحين انحنى له كبار رجال الدولة، تملقه الجميع.. عاش ضحية قهر الأب والخلافات الأسرية والمرض، وقع فريسة لمستشاري السوء وطالبي المناصب الرفيعة.. فقد عرشه قبل أن يعتليه حين قبل المُلك وهو في طراوة الصبا وضحالة العلم”.

تكشف الرواية صورة واضحة عن أحوال مصر في ذلك الوقت، توضح الصراع العنيف بين الطبقة السياسية الحاكمة، والذي كان محوره المصالح الشخصية. تبرز المرض الأساسي الذي أطاح بالملكية دون رجعة، وهو البعد عن الشعب والاقتتال حول المناصب والثروات، حتى وإن كانت البلاد غارقة في المحن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى