اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

شهادة «باول» أمام الكونجرس.. لحظات حبست أنفاس أسواق العالم

كتبت – ولاء عدلان

الأسواق العالمية، أمس الأربعاء، كانت تترقب كلمة محافظ أهم بنك مركزي في العالم بأنفاس محبوسة، وسط توقعات متضاربة بشأن توجهات المركزي الأمريكي فيما يتعلق بمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، لكن متغيرات عدة أهمها جائحة كورونا وضبابية التعافي الاقتصادي على المدى القريب والمتوسط في ظل متحورات الفيروس ومخاطر العودة إلى مربع الإغلاق العام، جعلت جيروم باول أكثر حذرا فيما يتعلق بقرار رفع أسعار الفائدة الأمريكية لكبح جماح التضخم.

ماذا قال “باول” عن أسعار الفائدة والاقتصاد الأمريكي؟

خلال جلسة استماع افتراضية استمرت لنحو ثلاث ساعات، سعى باول لتهدئة مخاوف أعضاء مجلس النواب الأمريكي بشأن استجابة الاحتياطي الفيدرالي لارتفاع معدلات التضخم، حيث أظهرت الأرقام الأمريكية الرسمية أخيرا أن التضخم قفز بمعدل سنوي قدره 5.4% خلال يونيو، وذلك بعد زيادته خلال مايو الماضي بأسرع وتيرة منذ أوائل التسعينيات “3.4%”، ما عزز المخاوف بشأن قدرة أكبر اقتصاد في العالم على التعافي.

قال باول: إن الاحتياطي الفيدرالي مستعد للتحرك إذا لزم الأمر لترويض الأسعار، مضيفا: “أعرف أن الناس قلقون للغاية بشأن التضخم، نسمع ذلك بصوت عالٍ وواضح من الجميع، ونتوقع أن يواصل التضخم ارتفاعه خلال الأشهر المقبلة قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيا، فالزيادة الراهنة مؤقتة ولا تعني بالضرورة أن البلاد ستدخل في دوامة تضخمية”.

وأضاف: اقتصادنا بحاجة إلى المزيد من التحسن قبل أن يتخلى البنك المركزي عن تشديد سياسته النقدية، ما زلنا نعتقد أنه سيكون من المناسب إبقاء معدلات الفائدة عند مستواها الحالي حتى تصل ظروف سوق العمل إلى مستويات مطابقة للتوظيف الكامل، لافتا هنا إلى أن سوق العمل الأمريكي ما يزال أقل بكثير مما كان عليه قبل الجائحة، ما يعني الحاجة إلى استمرار الدعم من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

منذ العام الماضي والاحتياطي الفيدرالي يحافظ على معدلات فائدة تتراوح بين صفر و0.25 في المائة، ويشتري شهريا سندات خزانة وأوراقا مالية ضمن برنامج لدعم التعافي الاقتصادي، وفي هذا الصدد أكد باول أن “المركزي” سيواصل مناقشاته في وقت لاحق من الشهر الجاري بشأن تخفيض مشترياته الشهرية من الأصول البالغة 120 مليار دولار.

ردود أفعال على شهادة باول من داخل الكونجرس

لم يقدم “الجمهوري” باول جديدا فيما يتعلق بالسياسة النقدية لـ”المركزي”، واكتفى بتقديم وعود بأنه في غضون 6 أشهر من الآن سيكون لدى المركزي رؤية أوضح لمسار مخاطر التضخم وسوق العمل بما سيساعده على اتخاذ قرارات جديدة، هذه الوعود لم تلق استحسانا من قبل العديد من نواب الكونجرس بما فيهم الجمهوريون.

النائبة الجمهورية آن واجنر -من ولاية ميسوري- وجهت انتقادات حادة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي وقالت – بحسب ما نقلته “فايننشال تايمز”، مساء أمس الأربعاء- “لا أشعر أن ارتفاعات الأسعار هذه مؤقتة كما تقولون”.

من جانبه قال فرانك لوكاس النائب الجمهوري عن ولاية أوكلاهوما: “أرقام التضخم تدفعنا للتوتر، لن نشعر بالارتياح قبل أن نشاهد هذه الأرقام وهي تنخفض، وإذا لم يحدث ذلك قريبا يتعين على “باول” اتخاذ الإجراءات اللازمة”.

من المعسكر الديمقراطي، قال ديفيد سكوت عضو الكونجرس من جورجيا: سيكون من المفيد أن نتحرك لكبح جماح معدلات التضخم، فأي زيادة في الأجور لن تواكب زيادتها الراهنة، مما يخلق صعوبات حقيقية للأشخاص ذوي الدخل الثابت والمنخفض، والمتقاعدين”.

فيما دعت زميلته ألكساندريا أوكاسيو كورتيز -من نيويورك- “باول” إلى رفض أي ضغوط لتشديد السياسة النقدية قبل أن يصل سوق العمل إلى إمكاناته الكاملة.

لماذا اهتمت الأسواق بشهادة “باول”؟

باول ليس رجلا عاديا هو محافظ المركزي الأمريكي، الذي يتحكم في سياسة أقوى عملة بالعالم “الدولار” التي تسيطر على نسبة 70% من الاحتياطات العالمية، وأكثر من 87% من حجم المبادلات التجارية بين بلدان العالم، كما أنه يرسم السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم، فعندما يتكلم لابد أن ينصت الجميع، بحثا عن مؤشرات عن مسار هذه السياسة مستقبلا التي تمتلك تأثير “الدومينو” فما يحدث في أمريكا في زمن اللا حدود والعولمة بات من الصعب ألا يؤثر على أقصى بقاع الأرض، لاسيما في ظل ظرف استثنائي مثل “الجائحة”، فالمستثمرين حول العالم ينتظرون أشارة فقط من الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الكبرى في العالم على التعافي لمعرفة أين تكون خطوتهم المقبلة ولا نبالغ إن قولنا أن العالم كله ينتظر تعافي الاقتصاد الأمريكي وكذلك اقتصاد الصين واقتصادات أوروبا ليخرج الاقتصاد العالمي من دائرة الركود التي سقط فيها العام الماضي بفعل “كورونا”.

بالنسبة لحركة أسعار الدولار شهادة باول “النصف سنوية” لم تبشر برفع قريب لأسعار الفائدة يعيد للورقة الخضراء جاذبيتها، لذا كان من الطبيعي أن تتراجع في مستهل تعاملات اليوم الخميس، فسجل مؤشر الدولار- الذي يقيس أداء العملة المريكية أمام ست عملات- بنسبة 0.1% ليسجل 92.32 نقطة، في تمام الساعة 10:28 صباحا بتوقيت جرينتش.

في المقابل استفاد الذهب من شهادة باول وتراجع الدولار واستمرار تراجع عوائد السندات الأمريكية، ليرتفع خلال التعاملات المبكرة اليوم، بنحو 0.3% إلى 1831.70 دولار للأونصة، بعدما سجل أعلى مستوياته منذ 16 يونيو في مستهل التعاملات، كما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنسبة 0.4%، ما يعني أن الذهب ما زال ملاذا آمنا للتحوط ضد مخاطر التضخم، في ظل سياسة الاحتياطي الفيدرالي الحذرة.

أسواق الأسهم بالطبع تأثرت غالبيتها سلبا بشهادة باول كونها لم تحمل أي مؤشر على تعافي قوي للاقتصاد الأمريكي أو رفع أسعار الفائدة في الأجل القريب، فتراجعت الأسهم الأوروبية في مستهل تعاملات اليوم، وسجل مؤشر “ستوكس يوروب 600” انخفاضا  بنسبة 0.4% في تمام الساعة 08:10  بتوقيت جرينتش، كما تراجعت مؤشرات “فوتسي 100″ البريطاني، و”داكس” الألماني و”كاك” الفرنسي بنسب 0.17%، و0.5% و0.4% على الترتيب.

 يعتقد كثيرون في أمريكا أن “باول” يعتمد على حدسه أكثر من أي شيء لاتخاذ قراراته الحاسمة فيما يتعلق بسياسات الاحتياطي الفيدرالي، وهو أمر يبدو واضحا فمع استمرار معدلات التضخم في الزيادة على مدار شهرين متتالين، من البديهي أن يتم التحرك باتجاه رفع أسعار الفائدة، لكن باول يبدو محقا في حذره الذي يصر عليه في التعامل مع التضخم برد فعل سريع في ظل استمرار مخاطر كورونا – فبعد شهر من التراجع عادت أمريكا لتسجل قفزات قوية في معدلات الإصابة فالإثنين الماضي سجلت 23600 حالة جديدة- فلا يمكنه التضحية بدعم الاقتصاد من أجل التضخم فالظرف استثنائي ويحتاج للمخاطرة قليلا، بحسب تقرير “بيج بوك” الصادر عن الفيدرالي الأمريكي أمس، الاقتصاد الأمريكي شهد نموا جيدا خلال الفترة من مايو إلى يوليو، إلا أن  الشركات تواجه صعوبة في اللحاق بالطلب المتزايد، وسط عدم القدرة على توفير الإمدادات المطلوبة في موعدها وتعيين عمالة جديدة بالإضافة إلى ارتفاع التكاليف، ما يهدد بعرقلة الأداء الإيجابي للاقتصاد خلال الفترة المقبلة.. ما يعني أن المركزي الأمريكي لن يقدم هذا العام على رفع أسعار الفائدة، كونه يحتاج إلى توفر عوامل عدة قبيل هذه الخطوة أهمها تحسن واستقرار الوضع الوبائي وهو أمر مستبعد في ظل متحورات كورونا سريعة الانتشار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى