اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

حرب باردة لا تهدأ.. الصين تشهر سلاح العقوبات بوجه أمريكا

كتبت – ولاء عدلان

مرة أخرى عاد الكباش بين أكبر اقتصادين بالعالم، وسط رغبة كل طرف في الهيمنة على الساحة الدولية اقتصاديا وسياسيا، الجمعة الماضية أعلنت الصين فرض عقوبات “مضادة” على عدد من الكيانات الأمريكية ومسؤولين أبرزهم وزير التجارة السابق ويلبور روس، في أول تطبيق لقانون مواجهة العقوبات الخارجية الذي أقرته في يونيو الماضي، وكرد فعل سريع على فرض الإدارة الأمريكية في 16 يوليو الجاري لعقوبات جديدة على 7 من المسؤولين الصينيين في هونج كونج.

حرب العقوبات والعقوبات المضادة

الخارجية الصينية قالت -في بيان صدر يوم 23 يوليو الجاري- إن هذه العقوبات الأولى من نوعها تأتي ردا على نظيرتها الأمريكية على مسؤولين صينيين من مكتب الاتصال الصيني في هونج كونج.

وأضافت: إن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بوعظ الصين أو إصدار “تعليقات طائشة”، وأن الصين تؤمن دائما بأن العلاقات مع واشنطن يجب أن تتطور على أساس الاحترام المتبادل والمساواة والمنافع المتبادلة، بدلا من منفعة طرف واحد فقط.

بيان بكين كان يحمل ضمنيا ردا على تصريحات سبقته بأسبوع واحد فقط لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن جاء فيها: أن مسؤولي الصين وهونج كونج قوضوا بشكل ممنهج خلال عام عمل المؤسسات الديمقراطية بهونج كونج، وتسببوا في تأجيل الانتخابات، واستبعاد نواب منتخبين من مناصبهم وإجبار مسؤولين على حلف يمين الولاء للاحتفاظ بوظائفهم، هذا فضلا عن اعتقال الآلاف من المعارضين والصحفيين.

وحذرت الحكومة الأمريكية يوم 16 يوليو الشركات من العمل في هونج كونج وقالت “إنه أمر ينطوي على مخاطر أمنية”، الأمر الذي اعتبرته حكومة هونج كونج محاولة لتشويه سمعة الإقليم كمركز مالي عالمي.

قبل ذلك قررت إدارة جو بايدن في يونيو الماضي، توسيع قائمة أعدت في عهد دونالد ترامب تضم شركات صينية ممنوعة من الحصول على استثمارات أمريكية بسبب احتمال ارتباطها بالجيش الصيني، وتم إضافة 28 شركة جديدة لهذه القائمة ليرتفع عدد الشركات المدرجة عليها إلى 59 شركة صينية.

وتسمح هذه القائمة بحظر الاستثمارات الأمريكية في الشركات الصينية التي “تمس بالأمن والقيم الديمقراطية للولايات المتحدة وحلفائها”، ومن أبرز الأسماء المدرجة عليها عملاق الهواتف “هواوي” وعملاق النفط الصيني “سي إن آو آو سي” ومجموعة السكك الحديد الصينية.

كانت الصين ردت في سبتمبر 2020 على هذه القائمة بـ”قائمة الكيانات غير موثوقة” التي تستهدف الحد من أنشطة الشركات الأجنبية وتحديدا الأمريكية منها، وقالت وزارة التجارة الصينية وقتها إن هذه القائمة ستضم الشركات التي تقوم بنشاطات تسيء إلى السيادة الوطنية أو إلى مصالح الصين على صعيد الأمن والتنمية أو تنتهك القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية، لافتة إلى أن الشركات هذه ستكون عرضة لعقويات وقيود على استثماراتها في الصين.

حرب العقوبات بين بكين وواشنطن جزء من حربهما التجارية التي أطلق شرارتها ترامب منتصف 2018 عندما فرض رسوم جمركية “لأول مرة” على 360 مليار دولار من الواردات الصينية، لترد عليه بكين بإجراءات مماثلة وتشتعل الحرب التي لم تحسم بعد، وساهمت في دخول الاقتصاد العالمي دائرة الركود مع نهاية 2019، وطالت الجميع بالتشويه فكما فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين صينيين فرضت بكين عقوبات مماثلة طالت في عهد ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو.

بايدن في موقف صعب

كان بايدن قبيل الفوز بالانتخابات الرئاسية يعتبر الصين ليست في موقع منافسة مع أمريكا، لكن يبدو أنه غير وجهة نظره ربما بناء على نصيحة كبار مستشاريه، إذ سمعناه الشهر الماضي، وهو يحث دول مجموعة السبع على التصدي لنفوذ الصين المتزايد، والتصدي لمبادرة الحزام والطريق الصينية التي اعتبرها تثقل كاهل البلدان النامية بمزيد من الديون، وفي المقابل دفع المجموعة باتجاه تبني خطة “منافسة” لدعم البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في بناء بنية تحتية أفضل.

وفي نهاية مايو الماضي، حذر بايدن -في خطاب من قاعدة عسكرية بولاية فيرجينيا- من محاولات الصين لـ”امتلاك أمريكا”، دون أن يفسر ما يقصده على وجه التحديد، لكنه قال “لقد أمضيت وقتا مع الرئيس الصيني أكثر من أي زعيم آخر، وخلال 24 ساعة من الاجتماعات الخاصة، تبين أن “شي” يعتقد اعتقاد راسخا بأن الصين قبل عام 2035 ستمتلك أمريكا”.

كان واضحا من خلال متابعتنا لرحلة بايدن الأولى إلى أوروبا خلال يونيو الماضي أنه يسعى إلى ترميم العلاقات مع بلدان الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بعد حالة الفتور التي أصابتها خلال حقبة ترامب، والهدف الأساسي من ذلك هو استعادة التحالف القوي بين أمريكا وأوروبا لمواجهة النفوذ الصيني وكذلك الروسي، فالرجل لم يخف الأمر بل قالها صراحة: إن هدف رحلته هو تحقيق التزام أمريكا المتجدد تجاه حلفائها، وإظهار قدرة الديمقراطيات على مواجهة التحديات بما فيها الجائحة وتغير المناخ والأنشطة الضارة من الحكومتين الصينية والروسية.

ساكن البيت الأبيض حاليا في موقف صعب ربما داخل نفسه يريد هدنة مع بكين إلا أنه لا يستطيع أن يتراجع للوراء كثيرا، فمن جهة نسف ترامب له كافة جسور التهدئة برفعه لسقف المواجهة وأي تراجع سيحسب ضده، ومن جهة أخرى الصين فعليا تسعى لتوسعة نفوذها بلا هوادة ففي نوفمبر الماضي أعلنت توقيع أكبر اتفاقية للتجارة الحرة في العالم مع رابطة “آسيان” بدون أمريكا، وهي لا تخفي رغبتها في خلق قوة وازنة أمام أكبر اقتصاد بالعالم، خلال الأسبوع الجاري يفترض أن تجري نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان زيارة إلى الصين، في زيارة تعد الأولى من نوعها التي يجريها مسؤول أمريكي للصين منذ شهور، وينتظر أن تسهم في تهدئة الأجواء وتفتح الباب ثانية للمحادثات التجارية بين البلدين، والتي وصلت لطريق مسدود في نهاية عهد ترامب بعد أن علق تنفيذ الاتفاق التجاري الموقع بين البلدين في يناير 2020.. وأمام رغبة أمريكا في عالم أحادي القطبية كلمتها هي المسموعة فيه ورغبة الصين في لعب دور أكبر على الساحة الدولية، من المستبعد أن تنطفئ نار الحرب بينهما قريبا.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى