اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

أسعار المنازل ترتفع عالميًا.. وشبح الأزمة المالية يعود

كتبت – ولاء عدلان

شهدت أسعار المنازل والعقارات عمومًا خلال العام الماضي والنصف الأول من العام الجاري أكبر طفرة سعرية منذ أكثر من عقدين، إذ سجلت ارتفاعات غير مسبوقة في غالبية بلدان العالم مع توسع الحكومات في إجراءات التحفيز النقدي لإنقاذ الاقتصاد من تداعيات جائحة كورونا، ما عزز الجدل بشأن احتمالات أن تشكل هذه الطفرة  تهديدا لاستقرار النظام المالي العالمي سواء على المدى المتوسط أو البعيد.

طفرة غير مسبوقة في الأسعار

بحسب تقرير صادر عن مؤسسة “نايت فرانك” البريطانية للاستشارات العقارية – والتي تملك 523 مكتبا فى 60 دولة- نهاية يوليو 2021، ارتفع مؤشر أسعار المنازل العالمية “GHPI” بأكثر من 7.3 % فى المتوسط خلال المدة من مارس 2020 إلى مارس الماضي، أي في الفترة التي سخرت فيها اقتصادات العالم كافة إمكانياتها لمواجهة جائحة كورونا، وأكدت المؤسسة أن المؤشر الذي يضم 15 دولة حول العالم سجل منذ مارس 2020 إلى نهاية الربع الأول من 2021 أعلى مستوى له منذ نهاية 2006، وكانت تركيا في صدارة المؤشر، إذ سجلت ارتفاعات بنسبة 32% في أسعار المنازل على أراضيها تليها نيوزيلندا بنحو 22%.  

فيما أفادت “فايننشال تايمز” في تحليل نشرته أمس الأحد، أن معدل النمو السنوي لأسعار المنازل في 40 دولة تغطيها بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قدر بنحو 9.4% خلال الربع الأول من العام الجاري، في أسرع وتيرة له منذ 30 عاما.   

على سبيل المثال، تسجل أسعار المنازل فى بريطانيا منذ مارس 2020 ارتفاعات شهرية “على أساس سنوي” بنسبة 10% على الأقل، وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الوطني ارتفعت أسعار المنازل خلال الـ12 شهر المنتهية في مارس الماضي بنسبة 10.2% وهي أكبر زيادة تشهدها منذ 2007 أي قبل الأزمة المالية العالمية، وفي مايو الماضي ارتفعت بأكبر وتيرة لها منذ 7 سنوات، ومازالت مستمرة في الارتفاع.  

بالانتقال إلى دول الاتحاد الأوروبي، سنجدها أيضا تشهد زيادة في أسعار المنازل منذ ظهور الوباء، فخلال الربع الأول من العام الجاري سجلت هذه الأسعار زيادة بأكثر من 6% مقارنة بالربع الأول من 2020، وهي أعلى وتيرة منذ 2007، وكانت في صدارة الدول التي سجلت ارتفاعات لوكسمبورج بنسبة 17% تليها الدنمارك بـ15.2%.

أما في أمريكا صاحبة أكبر اقتصاد بالعالم، فبحسب بيانات مؤشر “كيس- شيلر” لأسعار المنازل الأمريكية التابع لمؤسسة “ستاندرد أند بورز”، ارتفعت أسعار المنازل خلال أبريل بنسبة 14.6% على أساس سنوي، في أعلى قراءة للمؤشر منذ ما يزيد عن 30 عاما، وفي يونيو الماضي قفزت مبيعات العقارات بنسبة تقارب الـ30% مقارنة بالفترة المماثلة من 2020.

أمام هذا سجلت قارة آسيا أقل معدلات تقلب في أسعار المنازل حتى اللحظة، فعلى سبيل المثال معدل الزيادة في أسعار المنازل في سنغافورة لم يتجاوز سقف الـ6% طوال عام الوباء، فيما كانت الزيادة في اليابان بنسبة 5.7%، أما الصين فبرغم من تسجيلها زيادة في أسعار الشقق السكنية بأكثر من 6% في يناير الماضي، إلا أنها تمكنت تدريجيا من العودة إلى مربع الاستقرار فبحلول مايو الماضي بدأت الأسعار تستقر وتسجل ارتفاعات هامشية لا تتجاوز الـ1%.

ما هي أسباب هذا الارتفاع؟

ربما في السابق كان يمكن أن تختلف أسباب ارتفاع أو تراجع أسعار المنازل من دولة لأخرى لكن في ظل الجائحة الأسباب في العموم واحدة يمكن إيجازها فيما يلي:

– انخفاض أسعار الفائدة.

-زيادة مدخرات الأسر في ظل فترات الإغلاق طوال العام الماضي.

 -الحاجة إلى الاستثمار الآمن في فترات الركود التي فرضتها “كورونا”.

-ارتفاع تكاليف البناء نتيجة تعطل سلاسل التوريد عالميا وارتفاع أسعار المواد الخام كالحديد والأسمنت والأخشاب.

كلاوديو بوريو رئيس القسم الاقتصادي لدى بنك التوسيات الدولية يقول –في تصريح نشرته “فايننشال تايمز”، أمس الأحد- إن تكاليف الاقتراض المنخفضة جعلت شراء المنازل مهمة ميسورة التكلفة مقارنةً بإيجارها أو الاستثمارات الأخرى، كما أن فترات الإغلاق طوال العام الماضي وأجزاء من هذا العام جعلت الأسر تحديدا من أصحاب الدخل المرتفع تتجه إلى زيادة مدخراتها واستثمارها في القطاع العقاري، حيث إدت عمليات الإغلاق إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

 آدم سلاتر كبير الاقتصاديين في “أكسفورد إيكونوميكس” يقول أيضا في تصريح لـ”فايننشال تايمز”: من العوامل التي أدت إلى ارتفاع الأسعار الحوافز الضريبية التي قدمتها بعض الحكومات لتحفيز النمو الاقتصادي، وأيضا هناك الاضطرابات الاقتصادية المرتبطة بالوباء بما في ذلك تعطل سلاسل الإمدادات.   

هل تشهد سوق العقارات “فقاعة” تهدد التعافي الاقتصادي؟

كلاوديو بوريو يرى أن نمو أسعار المنازل يمكن أن يكون أمرًا جيدًا لحركة الاقتصاد باعتبار أن الأشخاص الذين يمتلكون منازل يشعرون بأنهم أكثر ثراءً وبالتالي يمكنهم إنفاق المزيد مع ارتفاع قيم هذه الأصول العقارية، لكن في حال استمرار هذا النمو فقد يتحول إلى ما يشبه الفقاعة ويدفع النمو الاقتصادي إلى الاتجاه المعاكس لاسيما مع استمرار سياسات التيسير النقدي.

ورغم أن آدم سلاتر قال لـ”فيننشال تايمز”: إن أسعار العقارات في الاقتصادات المتقدمة حاليا مبالغ فيها بنحو 10% عن المستويات الحقيقية، إلا أنه يرى أنها لا تشكل تهديدا لاستقرار الاقتصاد العالمي كما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية، عندما وصل نمو معدلات القروض عالميا إلى أعلى مستوياته على الإطلاق في 2006 و2007.

بحسب تقرير مؤسسة نايت فرانك سالف الذكر، تتحرك بعض الدول الآن لتهدئة أسواق العقار، فعلى سبيل المثال قررت نيوزيلندا إلغاء التحفيزات الضريبية التي كان يتمتع بها المستثمرون في مجال العقارات، بينما قررت الصين خفض قروض البنوك لقطاع العقارات، وفي الاتحاد الأوروبي طلب البنك المركزي من وكالة إحصاءات الاتحاد تضمين أسعار المنازل في حساب معدل التضخم الرئيسي.

لا شك أن الأوضاع اليوم تختلف كثيرا عما كانت عليه في 2007-2008 عندنا انفجرت فقاعة الرهن العقاري في أمريكا وأدت إلى أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الكبير، فالبنوك التي ضربتها الأزمة المالية باتت أكثر يقظة وتعي جيدا المخاطر المتعلقة بسوق الإسكان والرهن العقاري، كما أن الحكومات بدأت تتحرك لاحتواء طفرة الأسعار بهذه السوق، أضف إلى ذلك أنه مع إعادة فتح أغلب الاقتصادات حول العالم والتقدم في برامج التطعيم ضد كورونا ستزيد معدلات الإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي ستتراجع وتيرة زيادة المدخرات، ومع بداية الربع الثاني من العام المقبل نتوقع أن تشهد أسعار المنازل تراجعا ملحوظا مع توجه غالبية البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة، لكبح التضخم الذي طال كل شيء.. لكن تبقى كافة التوقعات رهينة استقرار الوضع الوبائي والقدرة على احتواء متحورات كورونا دون العودة إلى إجراءات الإغلاق العام.   

blank
blank

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى