التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

السلطة الفلسطينية تتحاشى «الحريق»

رؤية – محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – “غابة جافة تنتظر من يشعلها” هكذا وصف المبعوث الأمريكي لعملية السلام، هادي عمرو، قبل حوالي الشهر وضع السلطة الفلسطينية، عقب لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين في كل من تل أبيب ورام الله، لإعادة بناء الثقة، وفرص تحقيق السلام.

قال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبوردينة، أول أمس السبت، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيطلق في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة الشهر المُقبل «مبادرة فلسطينية تدعو إلى إلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها ضد شعبنا، وتوفير الحماية الدولية لشعبنا، في ظل استمرار حكومة الاحتلال بارتكاب جرائمها بحق شعبنا الفلسطيني، رامية بعرض الحائط كافة الأعراف والمواثيق الدولية بهذا الشأن”.

هذه الخطوة وصفها محللون بأنها قفزة إلى المجهول بسبب أولا الوضع الفلسطيني المتردي من فقدان السلطة الفلسطينية لشعبيتها في الضفة الغربية وحتى “الشرعية” بسبب اتهامات بالاستبداد والفساد وغياب المساءلة، وبسبب الرفض الإسرائيلي لأي اتفاق مع الفلسطينيين من شأنه أن يحد من الاستيطان وممارسة اقتحاماتها اليومية للمدن والبلدات.

وقال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير: إن إسرائيل ماضية بتنفيذ مشاريعها الاستيطانية في الضفة الغربية، بما في ذلك مكان مطار القدس الدولي (مطار قلنديا).

وجاء في التقرير الذي صدر السبت أن «الحكومة الإسرائيلية أقرت الأسبوع الماضي الموازنة العامة للأعوام 2021-2022، بما في ذلك ميزانية خاصة للاستيطان. وتفاخرت وزيرة الداخلية، إيليت شاكيد، بنجاحها في مضاعفة الموازنات الخاصة بالاستيطان في وزارتها بأكثر من 50 في المائة».

وتابع التقرير: «في الوقت نفسه، تواصل آليات سلطات الاحتلال العمل في منطقة مطار القدس التاريخي في قلنديا، وإنشاء بنى تحتية أساسية، بعدما بات المطار هدفاً لتنفيذ مخططات إسرائيلية توسعية بعد قرار الحكومة تحويله إلى منطقة صناعية، وقد اعتبرت اللجنة المحلية للتنظيم أن أرض مطار قلنديا، شمال مدينة القدس، تقع في الأراضي التابعة لها، وقررت هدم المطار المهجور، وتحويله إلى منطقة صناعية».

وكانت إسرائيل قد استولت على المطار بعد احتلالها الضفة الغربية عام 1967، وأغلقته عام 2000، قبل أن تقرر في عام 2012 تحويله إلى منطقة صناعية، في خطة تم تجميدها لاحقاً بسبب المعارضة الأميركية والدولية.

وقال التقرير إن «بلدية الاحتلال بالقدس بدأت منذ مدة العمل في البنية التحتية، وشق عدة شوارع في معبر قلنديا، والترويج للخطة الاستيطانية الهادفة إلى إقامة حي استيطاني في المنطقة على مساحة 1240 دونمًا من أراضي المطار، كانت أقرته اللجنة اللوائية للبناء والتنظيم عام 2020».

ويشمل الحي الاستيطاني بناء 9 آلاف وحدة استيطانية لإسكان اليهود المتدينين (الحريديم)، بالإضافة لإقامة أماكن ترفيهية وتجارية ومنطقة صناعية، وفندق يضم 20 طابقاً، وعدة بنايات عالية، وغيرها من المنشآت.

قال نائب رئيس حركة «فتح» محمود العالول، إن القيادة الفلسطينية بعثت رسائل واضحة إلى العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي، تقول فيها «إن استمرار الحالة الراهنة مستحيل ولا يمكن القبول به».

وأضاف العالول للإذاعة الفلسطينية الرسمية: «الأيام المقبلة ستكون حاسمة، في ظل عدم القدرة على تحمل جرائم الاحتلال الإسرائيلي».

وأوضح أن «هناك ارتفاعاً كبيراً في أعداد الشهداء والجرحى، نتيجة تكثيف الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين من اعتداءاتهم على أبناء شعبنا، وعلى الجنائز والمشيعين، في صورة تعكس مدى إجرامهم، بالتزامن مع تصعيد ممنهج ضد مدينة القدس المحتلة، ومحاصرة أحياء سلوان والشيخ جراح».

وجاءت رسالة الفلسطينيين إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الرغم من تدشين مرحلة جديدة مع إسرائيل، بعد إطلاق حوار ثنائي حول تعزيز السلطة.

وبدأ الطرفان، في الأسبوع الماضي، لقاءات ثنائية على مستوى الوزراء، بعد سنوات طويلة من القطيعة.

وجاءت الاجتماعات وسط اتصالات متزايدة رفيعة المستوى بين تل أبيب ورام الله، في ظل الائتلاف الحكومي الجديد في إسرائيل.

ويتوقع أن تدعم اللقاءات إعادة تشكيل لجنة فلسطينية إسرائيلية مشتركة، كانت أعطت لها الاتفاقية الأصلية مكانة كبيرة لنقاش كل شيء.

لكن مصدراً فلسطينياً مطلعاً إن هذه اللقاءات متعلقة بالحياة المدنية الفلسطينية، وليست مخولة مناقشة قضايا سياسية أو أمنية.

وأضاف: «اللقاءتا بدأت، لكنها بطيئة، والطلبات الفلسطينية لم يتحقق منها إلا القليل… أقل القليل».

وتريد السلطة، من بين أمور أخرى، إعادة فتح مؤسساتها في القدس، وإطلاق سراح دفعة من الأسرى الفلسطينيين، ووقف توسيع المستوطنات وعمليات الهدم، ووقف عمليات توغل الجيش الإسرائيلي في المدن الفلسطينية، وتسليم قوات الأمن الفلسطينية أسلحة إضافية، واستئناف لم شمل العائلات، وإعادة أفراد الشرطة والموظفين وضباط الجمارك إلى معبر اللنبي الإسرائيلي، وتشغيل معبر البضائع في جسر دامية، وإقامة مطار دولي ومنطقة تجارة حرة قرب أريحا، وإقامة مصانع ومحطة توليد كهرباء ومشاريع سياحية، ومد أنابيب وقود، ومد سكة حديد للقطارات، وتعديل اتفاقية باريس الاقتصادية، استعادة الوضع السابق في المسجد الأقصى بالحد من نشاط الشرطة الإسرائيلية في الأقصى، ووقف اقتحامات المستوطنين، وقف إخلاء منازل الفلسطينيين في القدس، لا سيما حي الشيخ جراح.

قيادي فلسطيني: لا مجال لأن ترعى واشنطن وحدها عملية السلام‎‎

وفي مؤشر على حالة من التخبط في المستوى السياسي الفلسطيني، وفي تصريحات تتنافى مع ما تقوم به السلطة على الأرض قال قيادي فلسطيني، إنه لا مجال لأن ترعى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها عملية السلام، مشيرا إلى تحركات لعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة.

جاء ذلك في حديث لعزام الأحمد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” لتلفزيون فلسطين الرسمي.

وأضاف الأحمد: “لا مجال لأمريكا وحدها، أو دولة واحدة أن ترعى عملية السلام، لا، (بل) كل المجتمع الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة على مرجعية قرارات الشرعية الدولية، وتوسيع دائرة المؤتمر ليشمل: الرباعية، الصين، اليابان، ألمانيا، دولا عربية، الأردن، مصر، السعودية أيضا -إذا كان ممكنا-، جنوب أفريقيا”.

وتابع الأحمد: “نريد للمجتمع الدولي الذي أقر قرارته أن ينفذها ويتمسك بها، وأهمها القرار 2334، عدم شرعية الاستيطان، القدس الشرقية العاصمة (لدولة فلسطين)، الدولة (فلسطين) التي أخذت الأمم المتحد قرارا بقبول عضويتها في الأمم المتحدة”.

أوروبا تراقب

اعتبر مسؤول في الاتحاد الأوروبي أن إجراءات إسرائيل ضد الفلسطينيين «لا تسهم» في خلق مناخ إيجابي بين الجانبين. وقال مسؤول الإعلام في مكتب الاتحاد الأوروبي في القدس شادي عثمان لإذاعة (صوت فلسطين) الرسمية، إن «عمليات القتل للفلسطينيين ومواصلة البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية لا تسهم في خلق مناخ إيجابي ولا وضع أي رؤية سياسية لإنهاء الصراع».

ودعا عثمان، الحكومة الإسرائيلية برئاسة نفتالي بنيت إلى «تغيير النهج الذي كان سائداً لفترة طويلة والتعاطي مع الملف الفلسطيني بطريقة مختلفة عبر المفاوضات وصولاً لحل الصراع بين الجانبين».

ولم يُخفِ المسؤولون الأوروبيون أن بعض المنظمات الحقوقية في بلادهم طالبت بوقف المساعدات المالية للفلسطينيين بعد تصاعد قمع الحريات، لدرجة أن أي مسؤول أوروبي لم يعد يجرؤ على طلب توجيه الدعم المالي والسياسي لسلطة «لا تؤمن بالانتخابات، وترفض تداول السلطات، وفقاً لقولهم.

ويرى الوزير الفلسطيني السابق غسان الخطيب، أن تأجيل الانتخابات وما تلاه من تداعيات، أضعف مصداقية السلطة الفلسطينية إلى حد بعيد، وأفقدها الكثير من ثقة الشعب، مبيناً أن أسباب تأجيل الانتخابات معروفة بالنسبة للأوروبيين، وأن غياب دعم الاتحاد الأوروبي سيمس قدرة السلطة على إدارة شؤون شعبها، معتبراً رضا الشارع من «سلطة غير مُنتخبة» بأنه في غاية الأهمية بالنسبة لها.

وليس أدل على صحة كلام الخطيب، من أن السلطة الفلسطينية باتت على أبواب أزمة مالية جديدة، بعد تراجع الدعم الدولي، الأمر الذي قد يجعلها غير قادرة على دفع كامل رواتب موظفيها عن الشهر الجاري.

فلتان امني

لم تكن مهاجمة مسلحين الليلة الماضية مقر مقاطعة جنين، شمال الضفة الغربية المحتلة، وإطلاق النار عليها احتجاجا على مصادرة مركبة غير قانونية تعود لأسرة الشهيد جميل العموري، الحالة الأولى التي يتم فيها استهداف مجمع الأجهزة الأمنية في المحافظة.

ويتعرض مقر المقاطعة بجنين لإطلاق نار من قبل مسلحين لأسباب مختلفة مرتبطة بحالات احتجاج فيما يسهم تراخي متابعة تلك القضايا وطريقة حلها من خلال الواسطات سببا في نظر كثيرين لتجرؤ مسلحين على القيام بذلك.

وتقول المصادر إن غالبية حالات إطلاق النار على مقر المقاطعة مرت دون متابعة أمنية وباتت تعتبر حدثًا أمنيًا عاديًا لأن تلك الحالات تتم عادة من قبل مسلحين محسوبين على تيارات في حركة فتح ما يجعل التسوية سهلة والعقوبة غير رادعة.

وكان محافظ جنين اللواء أكرم الرجوب أصدر تصريحا صحفيا عقب الهجوم الأخير على مقر المقاطعة قال فيه “أصدرنا تعليماتنا للأخوة  في الأجهزة الأمنية بملاحقة المتورطين بهذا العمل الجبان وتقديمهم للعدالة، كما سيستمر في الوقت نفسه العمل الأمني المستدام في محاربة كل الظواهر الخارجة عن القانون ومن بينها المركبات غير القانونية التي لا زال أصحابها يعبثون بسلامة المواطنين وأمنهم دونما خجل”.

وقال مصدر أمني: إن قيادات أمنية تقر في لقاءاتها الداخلية بأن سبب الفلتان الأمني وظاهرة المركبات غير القانونية وتجارة السلاح وإطلاق النار الليلي الذي يرهب المواطنين, هم أشخاص محسوبون على تنظيم فتح ويتلقون غطاءا منه وليس أشخاص من تنظيمات أخرى.

وبحسب المصادر فإن حملة أمنية كانت أقرت قبل أيام لملاحقة الدراجات النارية غير القانونية سرعان ما ألغيت في بداياتها بعد بيانات تهديد قاسية وجهت من أصحاب تلك الدراجات لأن جهات نافذة وفرت الحماية لهم.

ويثير تحرك الأمن بشكل صارم ضد أي ظاهرة مسلحة لتنظيمات سياسية معارضة مقابل تراخيه مع هذه الظواهر انتقادات واسعة سيما وأن إطلاق النار في المناسبات وغيرها تحول إلى معضلة حقيقية مستفحلة.

أزمة اقتصادية

تواجه الحكومة الفلسطينية أزمة مالية حادة في ظل غياب المساعدات الخارجية وتصاعد أزمة الضرائب مع إسرائيل، حسبما حذر مسؤولون فلسطينيون.

وصرح مسؤولون فلسطينيون، بأن الحكومة تعاني من أزمة مالية خانقة وقد واجهت صعوبات كبيرة في تأمين رواتب شهر يونيو (حزيران) الماضي. وأرجع المسؤولون الصعوبات إلى ثلاثة أسباب رئيسية: انخفاض الضرائب المحلية نتيجة أزمة جائحة «كورونا»، وانخفاض المساعدات الخارجية، وارتفاع القروض من البنوك المحلية.

وتتوقع السلطة الفلسطينية عجزاً بقيمة مليار دولار في نهاية العام الجاري، استناداً إلى معطيات رسمية. ومؤخراً قدّرت الحكومة الفلسطينية إجمالي نفقاتها للعام 2021 بنحو 6.‏5 مليار دولار، مقابل إيرادات بنحو 6.‏4 مليار دولار. ورغم أن السلطة توقعت أن تبلغ المساعدات الخارجية 210 ملايين دولار في النصف الأول من العام الجاري، فإنها تسلمت فعلياً 30 مليون دولار فقط وفق ما أعلنت مؤخراً.

وذكرت صحيفة «الحياة الجديدة» الرسمية، أن العائدات الضريبية الفلسطينية تعرضت لمزيد من «القرصنة» من إسرائيل التي اقتطعت الشهر الماضي نحو 35 مليون دولار، بذريعة دفع مخصصات الأسرى وعائلات القتلى. وبدأت إسرائيل عمليات اقتطاع من الضرائب التي تجبيها نيابةً عن السلطة الفلسطينية منذ عام 2019 بموجب قانون أقره الكنيست الإسرائيلي إبان إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

وأشارت الصحيفة إلى التوقف شبه التام في المساعدات الدولية المقدمة للحكومة الفلسطينية، في ظل غياب للمساعدات والمنح الدولية بشكل لم يسبق له مثيل منذ قرابة عقدين.

وأفاد تقرير سلطة النقد الفلسطينية حول «تطورات مالية الحكومة»، بأن «السلطة لم تتلقَّ خلال الربع الأول من العام الجاري أي منح أو مساعدات خارجية تقريباً». ووفقاً للتقرير ذاته، فإن أموال الضرائب غطّت خلال الربع الأول ما نسبته 56% من النفقات المستحقة، و116% من فاتورة الرواتب والأجور المستحقة. وبدا لافتاً أن المساعدات المعتادة للسلطة الفلسطينية متوقفة من دول عربية، كان الدعم الذي تقدمه تقليداً ثابتاً في سياستها الخارجية. وعانت السلطة الفلسطينية مؤخراً من تدهور في علاقاتها الخارجية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي الممول الأكبر لها في ظل انتقاده الشديد لعدم إجراء انتخابات فلسطينية عامة منذ عام 2006.

عادت أزمة رواتب السلطة الفلسطينية لتطفو على السطح مجددًا بعد خمسة أشهر من الانتظام، تلقى خلالها الموظفون رواتب كاملة، خاصة في قطاع غزة، عقب معاناتهم من عقوبات استمرت أربع سنوات.

ويبلغ عدد موظفي السلطة في الضفة وغزة نحو (136) ألف موظف، من المثبتين، ويرتفع الرقم إلى (210) ألف مع إضافة المتقاعدين، والمخصصات الاجتماعية، ومخصصات الأسرى والمحررين، وذوي الشهداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى