اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

الرموز غير القابلة للاستبدال.. هوس جديد في عالم الأصول الرقمية

كتبت – ولاء عدلان

أعلنت منصة “NIFTY Souq” الخميس الماضي، عن إطلاق أول سوق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعمل في مجال تقنية الرموز غير القابلة للاستبدال، وقبل ذلك تحديدا في أبريل الماضي كشفت منصة تبادل العملات المشفرة الشهيرة “باينانس” عن خطة لتدشين سوق جديدة تمكّن المستخدمين من إنشاء وشراء وبيع الرموز الرقمية غير القابلة للاستبدال، وخلال الشهر الجاري أعلن نجم الكرة الأرجنتيني ليونيل ميسي عن إطلاق مجموعته الخاصة من هذه الرموز لتوثيق نجاحاته بالتعاون مع منصة “تشين إثيرنيتي”، هذه مجرد نماذج لموجة عالمية بدأت تتسارع منذ العام الماضي لحيازة وتداول ما يعرف بـ”NFT” أو الرموز غير القابلة للاستبدال نظرا للتغيرات الكبرى التي أحدثتها في قطاع الفنون الرقمية وارتفاع عوائدها منذ بداية العام الجاري.. فما هي هذه الرموز وكيف يمكن الاستفادة منها وهل تقدم قيمة حقيقية أم أنها مجرد مخاطرة؟.

ما هي تقنية “NFT؟

تقنية “NFT” أو NON FUNGIBLE TOKEN هي نوع من الأصول الرقمية التي تستند على تقنية البلوك تشين، ويمكن تعريفها بأنها أصل رقمي فريد يمكن شراؤه وبيعه مثل الأعمال الفنية الرقمية كـ”الأيموجي أو صور GIF” والأعمال الموسيقية وحتى التغريدات الشهيرة لكبار الفنانين أو المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتميز هذه التقنية بالحفاظ على حقوق النشر لصالح الفنان صاحب العمل الأصلي فحتى بعد بيعه يستمر في جني أرباح “عمولة” نتيجة تكرار عملية البيع “التداول” بين المستخدمين لمنصات NFT، ويحمل كل رمز قيمة مميزة خاصة به ولا يمكن استبداله بغيره، ومن هنا جاء لفظ “غير قابلة للاستبدال”.

بمعنى آخر هذه الرموز وإن كانت تشبه العملات الرقمية باعتمادها على تقنية البلوك تشين، إلا أنها لا تستبدل بغيرها كما في حالة “البيتكوين” أو “الإيثريوم”، إذ لا يمكن استبدال رمز بآخر، ويتم التعامل معها كما لو كانت مقتنيات فنية حقيقية “فريدة” من نوعها لا يسمح بتزويرها.

ظهرت NFTs لأول مرة عام 2014 عندما قدم رجل الأعمال Anil Dash والفنان الرقمي Kevin McCoy عرضًا حيًا في حدث أقيم في متحف الفن المعاصر في نيويورك، تضمن إطلاق ما سمي وقتها بـ”الرسومات الرقمية النقدية” وهي عبارة عن عمل فني رقمي قابل للتداول، لكن الأمر وقتها لم يحظ بالاهتمام، وفي عام 2017 أطلقت لعبة باسم “كريتبوكيتيز” المعتمدة على تقنية بلوك تشين وتقوم فكرتها على تداول القطط الرقمية والمتاجرة فيها ووقتها حظي الأمر برواج جيد وتسبب في أبطأ شبكات الإنترنت في الولايات المتحدة.  

كيف تعمل هذه التقنية وكيف تصنع الأموال؟

هناك منصات لإنشاء وبيع وشراء الرموز غير القابلة للاستبدال مثل NIFTY Souq، وNifty Gateway، وتتم معاملات NFTs عبر العملات المشفرة وبشكل أساسي الإيثريوم، وعند شرائك أحد الرموز غير القابلة للاستبدال أنت في الأساس تشتري أصلا رقميا “النسخة الأصلية من عمل فني ما” موثقا بتقنية البلوك تشين، وهذا لا يعني أنك المالك الرئيسي لهذا العمل بل سيكون هناك نسخ مجانية منه لكن ستبقى النسخة الأصلية حق أصيل لك ويمكنك الاستفادة منها عبر بيعها لمستخدم أخر.    

إذا كنت فنانا لديك عمل رقمي خاص بك يمكنك بيعه عبر المنصات المشار إليها سلفا، لكن يجب عليك أولا دفع رسوم بعملة الإيثر أو 100 دولار كحد أدنى، لإنشاء الرمز الخاص بعملك الفني بتقنية البلوك تشين متضمنا تفاصيل العمل الفني مثل هوية الفنان وتاريخ البيع وهوية المشتري، وإذا كان العمل معروضا عبر الإنترنت أو تلك المنصات فإنه لا يمكن لأحد أن يدعي ملكيته لكونه محمي بتسلسل البلوك تشين الخاص به.

وبمجرد حصول الفنان على الرمز الخاص بعمله الفني يمكنه تحديد السعر أو عرضه في مزاد، ويبقى أن نذكر بأن المتعاملين على منصات NFT  يكون لهم محافظ خاصة سواء للعملات المشفرة أو للرموز غير القابلة للاستبدال لتخزينها بعد الشراء أملا في ارتفاع سعرها لاحقا أو عرضها في مزاد ما.

نماذج للرموز غير القابلة للاستبدال

استفادت الرموز غير القابلة للاستبدال من رواج العملات الرقمية والمكاسب الضخمة التي حققتها في عام الوباء، حيث تضاعفت قيمة تعاملات NFT أربع مرات خلال 2020، من 63 مليون دولار إلى 250 مليون دولار، وزاد عدد مشتري هذه الرموز بنسبة 66%، وخلال الربع الأول من العام الجاري وصل حجم هذه السوق إلى 500 مليون دولار، ليرتفع إلى 750 مليون دولار بالربع الثاني، ومنذ بداية العام تم ضخ استثمارات جديدة بـ 90 مليون دولار في رموز NFTs  وشركات المقتنيات الرقمية.

أصبحت أصول NFT الرقمية تحظى بشعبية واسعة بين مشاهير الفن والموسيقى ورجال الأعمال أيضا، على سبيل المثال في أكتوبر الماضي باعت دار المزادات الشهيرة كريستيز أول عمل فني قائم على هذه التقنية مقابل 131,250 دولاراً، للوحة تحمل اسم بلوك 21، وتمثل تصور الفنان “بن جينتيلي” لشخصية مؤسس عملة البتكوين ساتوشي ناكاموتو المجهولة.

وفي مارس الماضي تم بيع مجموعة صور للفنان الرقمي الأمريكي مايك وينكلمان المعروف باسم Beeple مقابل 69 مليون دولار – ما يجعلها أغلى مجموعة NFT تم بيعها حتى اليوم- وفي الشهر نفسه تم بيع تغريدة مؤسس موقع تويتر جاك دورسي الأولى مقابل 1.630.58 إيثيريوم أو ما يعادل نحو 2.9 مليون دولار.

مخاطر الرموز غير القابلة للاستبدال

إذا كانت أبرز مميزات الرموز غير القابلة للاستبدال مساعدة فناني الأعمال الرقمية على جني الأموال وتحقيق قدر كبير من الاستقلالية مع الحفاظ على حقوق النشر لصالحهم، فإن الأمر يحتوي على قدر كبير من المخاطرة، فليس شرطا أن يتم بيع العمل وقد يخسر الفنان الرسوم التي دفعها لإنشاء الرمز الخاص به.

وفي حين يرى البعض هذا المجال فرصة جيدة للاستثمار وجني الأرباح وسط حرية أكبر لنقل وتحويل الرموز دون المساس بحقوق النشر أو الملكية، يرى البعض الآخر أنه ينطوي على مخاطرة وقد يفتح أبوابا للاحتيال أو يشكل مستقبلا فقاعة تشفير، ويمكنا تلخيص أهم مخاطر هذه التقنية فيما يلي:

-تعتمد على العملات المشفرة وتحديدا “الإيثريوم” ما يجعل المستفيد الأكبر من رواجها هم كبار مستثمري هذه العملة على حساب المستثمرين الجدد، فالطلب عليها يعني بالتبعية زيادة رواج للعملة وزيادة في أسعارها ومكاسب أكثر لأصحاب الريادة في حيازتها عالميا.

– تعتمد على تقنية غير مفهومة للكثيرين حول العالم ولا يمكن التنبؤ بمستقبلها بشكل قاطع.

– تعمل في سوق تفتقر للرقابة والتنظيم.

-قد تقرر الحكومات كبح جماحها عبر فرض رسوم على تعاملاتها مستقبلا.

– تسهم “NFTS” في ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث تعتمد على العملات المشفرة التي ترفع من عمليات التعدين واستهلاك الطاقة حول العالم.

-قد يقع بعض المشترين ضحايا لعمليات احتيال بشراء عمل فني مسروق، ففي أبريل الماضي، قام محتالون بإنشاء عمل فني للفنانة الرقمية تشينغ هان باعتباره NFT، بعد أكثر من عام على وفاتها.

-المستوى الحالي لتعاملات سوق NFT قد يكون مجرد “فقاعة”، خلال الشهر الجاري ارتفعت أسعار غالبية المنتجات بأكثر من 100%، وتوقعت منصة “OpenSea” – وهي أكبر سوق للرموز غير القابلة للاستبدال في العالم- أن يرتفع حجمم التعاملات بنهاية هذا الشهر إلى مليار دولار، ارتفاعا من 8 ملايين في يناير الماضي.

ساهمت جائحة كورونا إلى حد كبير في رواج الرموز غير القابلة للاستبدال مع اختفاء المتعة والحاجة إلى المكوث في المنزل لفترات طويلة وزيادة المدخرات، والأهم من كل ذلك رواج العملات الرقمية واعتبارها أحد المصادر السريعة لتكوين الثروات، وبالتالي بدأت الأنظار تتجه إلى كل ما له علاقة بها بما في ذلك “NFT”، لكن رغم قدرة هذه الرموز على تحقيق فوائد مالية مرتفعة للفنانين ومتداولي الأعمال الرقمية، إلا أن المخاطرة ستكون عالية للمستثمرين الجدد في سوق العملات الرقمة كما ذكرنا، وقد يجني المتعاملون في هذه الرموز أموالا طائلة لفترة لكن مع الوقت ستبدأ تنحصر تدريجيا، لعدة عوامل لعل أبرزها المضاربة وارتفاع الأسعار بشكل كبير يتجاوز القيمة الحقيقة للسلعة المعروضة.

blank
نماذج لأعمال بتقنية الرموز غير القابلة للاستبدال
blank
صورة مجموعة الفنان مايك وينكلمان التي بيعت بسعر 69 مليون دولار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى