التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

بعد مسيرة عامرة بالإنسانية.. وداعًا شهبندر التجار المصري «محمود العربي»

أحبته الناس في حياته وبكت حزنًا على وفاته

كتبت – أميرة رضا

نادرون أولئك الذين يكون العطاء هو أحد سماتهم الشخصية، يعطون بلا حساب، يتصارعون من أجل فعل الخيرات، ويبادرون دائمًا وأبدًا بمد يد العون لفك كرب كل محتاج تحت شعار “أعط و أنفق و الله يرزق”.

السر في العطاء لا يكمن في مجرد العطاء فحسب، بل في إحساس بني البشر بأنهم يتحولون إلى أشخاص أفضل، إذ يستطيعون بمعادلة “أعط من أموالك إذا كان لديك الكثير، وأعط من قلبك إذا كان لديك القليل” أن يأسروا القلوب، ويصبحون هم الأكثر إنسانية والأشد عطاءً.

هكذا أسدلت السيرة العطرة والمسيرة المليئة بالعطاء والإنسانية ستارها على حياة رجل الأعمال المصري محمود العربي، الشهير بشهبندر التجار، والذي وافته المنية مساء أمس الخميس عن عمر يناهز 89 عامًا، وشيعت جنازته اليوم الجمعة، بمسقط رأسه بقرية أبورقبة في أشمون بمحافظة المنوفية، في مشهد مؤثر للغاية، إذ حزن عليه الصغير قبل الكبير نظرًا لما قدمه طوال حياته من حب، خير، كرم وأعمال لا تنسى.

مسيرته

blank

وُلد الحاج محمود العربي عام 1932 بمحافظة المنوفية، وبدأ حياته في أسرة بسيطة، واستطاع عبر سنوات من الكفاح والمثابرة والعرق أن يؤسس قلعة صناعية ضخمة وأن يترك بصمة ويصنع اسمًا كبيرًا في عالم الاقتصاد المصري.

أسس مجموعة شركات العربي لتصبح واحدة من أكبر شركات صناعة الأجهزة الكهربائية في مصر، وأصبح من أبرز رجال الأعمال العصاميين وأحد أعمدة ما عرف بالرأسمالية الوطنية، حيث كانت حياته مثالًا للكفاح، وجمع ثروته التي تجاوزت مليارًا و500 مليون جنيه من مبلغ بسيط، بدأ به حياته وتجارته.

وكان للراحل دور مؤثر ومحوري في تطوير أداء اتحاد الغرف التجارية المصري، كما ساهم في تطوير وتوطين الصناعة الوطنية.

وعن تفاصيل سيرته الذاتية، فقد قال العربي في كتابه “سر حياتي” أن والده توفي وهو في سن صغيرة، وانتقل بعدها إلى القاهرة، ليعمل بائعًا في محل صغير لبيع الأدوات المكتبية، ثم بدأ العمل في التجارة بالتعاون مع شقيقه الأكبر، وادخر مبلغًا بسيطًا 40 قرشًا وأعطاه لشقيقه ليأتي ببضاعة من القاهرة قبل عيد الفطر، وكانت هذه البضاعة عبارة عن ألعاب نارية وبالونات، وقام العربي ببيعها وحقق منها ربحًا قيمته 15 قرشًا ثم جمع الربح ورأس المال وتوسع في بضاعته حتى بلغ العاشرة من العمر.

انتقل العربي بعد ذلك للعمل في القاهرة براتب كبير، حيث عمل بمصنع روائح وعطور، وكان ذلك في عام 1942 لكنه تركه بعد شهر فقط، لعدم قناعته بالعمل لدى آخرين أو العمل الروتيني.

وبعد وقت من الزمن، افتتح محمود العربي محلًا للأدوات المكتبية ضم 10 عمال، بجانب عمله في تجارة التجزئة، ثم تجارة الجملة، وظل يتوسع حتى زادت تجارته، ورأس ماله لينتقل بعدها للخطوة الأهم في مسار حياته، إذ قرر العربي أن يحصل على توكيل إحدى الشركات اليابانية الكبرى في صناعة الأدوات المنزلية “توشيبا”.

وفي عام 1974 سافر لليابان للحصول على التوكيل، وحين اطلع وتفقد مصانعهم هناك طلب منهم إنشاء مصنع في مصر، على قطعة أرض يملكها في طريق مصر-إسكندرية الزراعي، ووافق اليابانيون، وتم إنشاء أول مصنع للشركة في مصر تحت رئاسته.

بعد ذلك، أصبح مصنع العربي مجموعة من الشركات التي توسعت في إنتاج كافة الأجهزة المنزلية، وضمت أكثر من 40 ألف عامل ومهندس وإداري يقدمون منتجات يتم تصديرها لأكثر من 60 دولة حول العالم وتحمل شعار “صنع في مصر”.

أدار العربي حياته العملية بطريقة الاقتراب من الناس والمستهلكين، عبر التعفف والسيرة الطيبة والأمانة واليد العطوفة، ومن ثم تم إجباره على أن يدخل البرلمان المصري، فضلًا عن تقلده منصب رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية فيما بعد، وأصبح لقبه “شهبندر تجار مصر”.

حصل العربي في عام 2009 على وسام الشمس المشرقة، وهو واحد من أرفع الأوسمة في اليابان، وسلمه له رئيس الوزراء الياباني آنذاك، لدوره في تحسين العلاقات المصرية اليابانية من بداية تعاونه مع توشيبا.

نهر للخير والعطاء

لم يكن العربي يسعى لبناء ثروة ضخمة تؤمن حياته وحياة أسرته فحسب، بل عاش للناس وأصبح محل حب وتقدير من عماله وموظفيه وأهل بلدته، للمساته ومواقفه الإنسانية معهم.

إذ كان العربي دائمًا ما يحب تيسير الحياة على الشباب، وكان يسعد بتوفير فرص عمل لهم لتعينهم على مصاعب الحياة وتضمن لهم حياة كريمة، حيث كان يأمل أن يعمل معه ألف موظف جديد كل عام.

وأحبه عماله وموظفوه بشكل منقطع النظير إذ كان يقوم بتوزيع المكافآت والهدايا عليهم خلال المناسبات الدينية والاجتماعية، ومع دخول المدارس، كما لم ينسوا له قيامه باستمرار صرف رواتبهم كاملة خلال فترة سريان قرار الحكومة ببقاء العمال في منازلهم أثناء تفشي جائحة كورونا.

كما ساهم العربي في العديد من الأعمال الخيرية الكبري في كافة أنحاء مصر، حيث كان يسعد الفقراء عن طريق عمل مرتبات شهرية لهم، ومساعدة الغير قادرين سواء في توفير الرعاية الصحية أو الزواج، كما أكد الأهالي أنه قام ببناء مجمع معاهد أزهرية، وكتاب لتحفيظ القرآن الكريم، وكان يهدي رحلات عمرة لكل من يحفظ القرآن الكريم كاملًا.

كذلك قام العربي ببناء مقابر منذ عدة سنوات للرجال والسيدات في قريته، بإجمالي 400 مدفن لوجه الله، كما ترك وراءه إرثًا كبيرًا من المجمعات التعليمية، ومستشفيات العربي ومؤسسات العمل الخيري.

مصر تتشح بالسواد

blank

إثر خبر صادم، اتشحت جميع محافظات مصر، مساء أمس الخميس الموافق الـ9 من سبتمبر بالسواد، بعد أن أعلن محمد محمود العربي نجل رجل الأعمال المصري، وفاة والده عن عمر يناهز 89 عامًا، وكتب على صفحته الشخصية بـ”فيس بوك”: “ننعى بمزيد من الحزن والأسى وفاة الوالد محمود العربي، والجنازة بعد صلاة الجمعة من مسجد العربي بقرية أبورقبة مركز أشمون بمحافظة المنوفية” ليسطر بذلك آخر صفحات كفاح شهبندر التجار كما يُلقب.

إلى ذلك نعى الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر “العربي”، وأكد على أن الراحل كان محبًا لوطنه مسارعًا في الخير، وأنه عمل بجد ومثابرة، ونفذ عددًا من المشروعات الخيرية والتنموية المهمة، كذلك نعى الدكتور أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية، الفقيد قائلًا: “بمزيد من الحزن والأسى أنعى الحاج محمود العربي رجل الصناعة ومؤسس مجموعة العربي، صاحب الكثير من الأعمال الخيرية الكبرى في كافة أنحاء الجمهورية”.

كذلك نعى محمد معيط، وزير المالية، رجل الأعمال الراحل، مؤكدًا على أن مصر فقدت برحيل العربي، أحد رموز الصناعة والتجارة والاقتصاد الوطنيين الذين تركوا بصمة بارزة في السوق المصرية، مشيرًا إلى أن التاريخ سيتذكره بأحرف من نور، حيث كان للفقيد إخلاصه ووفاءه وعطاءه الوطني، ودوره المتعاظم في توطيد العلاقات التجارية بالأسواق الخارجية.

وأوضح أن الفقيد ترك تجربة ثرية لإسهامات القطاع الخاص في تعزيز بنية الاقتصاد القومي، وتحقيق التنمية، وتوفير فرص عمل للشباب، من خلال التوظيف الأمثل للتكنولوجيا الحديثة في النهوض بالصناعة الوطنية.

وبجانب العديد من برقيات التعزية لكثير من الشخصيات الهامة والمشهورة، نعى السفير الياباني في مصر ماساكي نوكي، أيضًا وفاة رجل الأعمال محمود العربي، في بيان نشرته السفارة على موقعها بـ”فيس بوك”، مشيرًا إلى أن الفقيد هو أول من قام بشراكة غير مسبوقة مع الشركات اليابانية لإنتاج وتعميم الأجهزة الكهربائية في مصر وتصديرها، وقدم مساهمات كبيرة للعلاقات الثنائية المثمرة بين مصر واليابان”.

مواقع التواصل تشتعل حزنًا

اليوم ووسط أجواء حزينة، شيعت جنازة الفقيد، وشهدت احتشاد الآلاف من محبيه والعاملين في مصانعه وشركاته وأهالي قريته لتشييع جثمانه إلى مثواه الأخير، إذ حضر الجنازة نحو أكثر من 20 ألف شخص في مشهد مهيب.

وعلى الفور، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي حزنًا على رجل الأعمال الراحل، وتداول المغردين عشرات الصور والفيديوهات للجنازة المهيبة، مع تعليقات تمدح سيرته وحسن خاتمته التي جعلت الآلاف يهرولون وراء نعشه محبة له، وتقديرًا لكل أعماله التي أسعد بها الجميع وطبطب بها على كل محتاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى