اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

كرواتيا على أبواب «منطقة اليورو».. التحديات والآمال

كتبت – ولاء عدلان

بريطانيا ما زالت تعاني من تداعيات الانسحاب التاريخي من الاتحاد الأوروبي ما بين مشكلات تتعلق بإمدادات السلع الغذائية وأخرى تتعلق بنقص العمالة وتنافسية صادراتها إلى دول أوروبا، ومن جهة أخرى يكافح الاتحاد الأوروبي للحفاظ على وحدته وتماسكه فمع دخول “البريكست” حيز التنفيذ في يناير الماضي، ظهرت أصوات كثيرة تتحدث عن احتمالات الانهيار وخروج بلدان أخرى حتى ولو كانت أصغر من بريطانيا فالأمر يشكل تحديدا لسمعة بروكسل، والأهم لسمعة “اليورو” العملة الموحدة التي رسخت نفسها أخيرا كمنافس للورقة الخضراء الشهيرة رمز الاقتصاد الأمريكي الأكبر عالميا، وربما يفهم إعلان المفوضية الأوروبية، أمس الثلاثاء، عن احتمالات انضام كرواتيا إلى منطقة اليورو في 2023، ضمن مساعي دول المنطقة للحفاظ على جاذبية اليورو.

كرواتيا على أبواب “اليورو”

قال نائب رئيسة المفوضية الأوروبية، فالديس دومبروفسكيس والمفوض لشؤون التجارة: إن كرواتيا قد تنضم إلى منطقة اليورو – لتكون العضو العشرين بالمنطقة- اعتبارًا من الأول من يناير 2023، وذلك في حال تم استيفاء جميع المعايير المطلوبة للعضوية، لافتا إلى أن الانضمام إلى “اليورو” سيسهم في جعل النظام المالي في كرواتيا أقوى وأكثر مرونة.

“منطقة اليورو” خرجت إلى النور عام 1999 ووقتها كانت مكونة من 11 دولة أما الآن فهي 19 دولة – من أصل 27 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي- تتعامل بالعملة الموحدة كعملة وطنية وتلتزم بسياسات المركزي الأوروبي، في منتصف 2013 كرواتيا أصبحت عضوا بالاتحاد الأوروبي، أي بعد نحو 22 عاما من استقلالها عن يوغوسلافيا، وفي سبتمبر 2017 تقدمت بطلب الانضمام إلى منطقة اليورو، ومنذ هذا التاريخ وهي تستعد لاعتماد العملة الموحدة كعملة وطنية.

في 13 سبتمبر الجاري، وقعت المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في منطقة اليورو مذكرة تفاهم مع كرواتيا تحدد الخطوات العملية التي ستسمح للبلاد بالبدء في إنتاج عملات اليورو عندما تتلقى الضوء الأخضر للانضمام إلى منطقة اليورو، وتمثل الاتفاقية خطوة هامة في جهود كرواتيا للانضمام إلى منطقة اليورو.

وتسمح هذه الاتفاقية لكرواتيا، بمساعدة المفوضية والدول الأعضاء في منطقة اليورو، بتنفيذ جميع الاستعدادات اللازمة قبل سك “اليورو”، وتشمل هذه الاستعدادات أمورا مثل اقتناء أدوات سك العملة ووضع خطة اختبار تداول العملة الموحدة داخل البلد، وكذلك خطة لسحب العملة الكرواتية “الكونا” خلال فترة انتقالية.

تحديات ومعايير الانضمام إلى “اليورو”

لكي تبدأ كرواتيا في اعتماد اليورو، هناك معايير يجب أن تستوفيها أولا لتصبح عضوا بالمنطقة أهمها:

-الالتزام  بالسياسة النقدية للمركزي الأوروبي.

-السيطرة على التضخم.

– ضمان استقرار المالية العامة للدولة.

 -ربط العملة الوطنية باليورو لمدة عامين.

 – تحقيق أهداف سعر الفائدة طويلة الأجل، وفق سياسات البنك المركزي الأوروبي.

في يونيو الماضي توقع محافظ البنك المركزي الكرواتي، بوريس فوجيتش، أن تفي بلاده بجميع معايير “اليورو” قبل الموعد المحدد في يناير 2023،  معتبرا أن تعليق بروكسل لحدود عجز الميزانية بشكل مؤقت بسبب جائحة كورونا، من شأنه أن يساعد بلاده على إزالة العقبة الرئيسية لعضوية اليورو بشكل أسرع مما كان متوقعا.

وأضاف: يحتاج المرشحون لليورو إلى إثبات أن ماليتهم العامة سليمة، وأن التضخم تحت السيطرة وأن سعر الصرف مستقر، وهذه الشروط بدأت تتحقق في كرواتيا، الآن لدنيا تضخم أقل من 2% ومن المتوقع أن يبقى المعدل كذلك هذا العام والعام المقبل – وللإشارة فقط المركزي الأوروبي يستهدف معدلات تضخم في حدود 2% هذا العام- لكنه ألمح إلى ضغوط تضخمية قد تنتج في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء جراء تداعيات الوباء.

جاذبية اليورو واقتصاد كرواتيا  

يواصل اقتصاد كرواتيا – المعتمد على السياحة وقطاع الخدمات بنسبة تصل إلى 70% من الناتج المحلي- التعافي هذا العام وسط مؤشرات على تراجع عجز الميزانية العامة ومستوى الدين العام، وخلال شهري يوليو وأغسطس شهدت كرواتيا تعافيا ملحوظا فيما يتعلق بالطلب على العطلات السياحية، واعتبارًا من 10 أغسطس الماضي، تجاوزت نسبة إشغال الفنادق 69٪ من الرقم القياسي المسجل في موسم 2019.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل اقتصاد كرواتيا نموًا قويًا بنسبة 5.4٪ هذا العام وبنسبة 5.8٪ في عام 2022، بفضل تعافي قطاع الخدمات، وتوقعات بأن تكون أعداد السياح الوافدين هذا العام مساوية لثلثي مستوى ما قبل الجائحة، على أن يستعيد القطاع طاقته كاملة في 2022.

لكن الصندوق دعا كرواتيا إلى تسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتعزيز قدرتها على استيعاب أموال المنح الأوروبي، معتبرا أن هذه الإصلاحات ضرورية لإحراز تقدم نحو هدف سد فجوة متوسط الدخل مقارنة بباقي البلدان الأوروبية، وتحقيق أهداف تنويع الاقتصاد والتحول الرقمي والمناخ.

إذا وفاء كرواتيا بشروط “اليورو” سيشكل أيضا رافعة اقتصادية جيدة للبلاد، ستجعلها على الطريق الصحيح للنمو بقوة خلال السنوات المقبلة، فضلا عن قدرتها على الدخول في شراكات أوسع مع باقي بلدان “اليورو” على صعيد الاستثمار والتجارة وغيرها من المجالات.

ومع أن عملية التحول إلى اليورو ستكون عملية لوجستية ضخمة يتعين على كرواتيا خلالها تحويل نحو 1.2 مليار كونا من العملات المعدنية ونصف مليار “كونا” من الأوراق النقدية إلى اليورو الخاص بها، إلا أن هذه العملية تحظى بدعم شعبي يبلغ حاليا 61% وفق استطلاعات رأي أجراها المركزي الكرواتي.

قبل أيام رجح محافظ المركزي الكرواتي، أن يكون سعر  صرف العملة الوطنية وقت الانضمام إلى منطقة اليورو في حدود 7.53 كونا  لليورو الواحد  – اليورو حاليا يساوي نحو 7.48 كونا كرواتية- معتبرا أن إتمام جميع المعاملات المصرفية اللازمة للتحول إلى اليورو بهذا السعر سيكون ملائما لكرواتيا وسيوفر حماية إضافية للمستهلكين.

دانييل جروس من مركز دراسات السياسة الأوروبية – قال في تصريحات لـ”يورونيوز” نشرت هذا الشهر- “إن الوصول المحتمل لكرواتيا لن يخل أو يخدم توازن منطقة اليورو كثيرا، نظرا لأن ثقلها الاقتصادي متواضعا داخل الاتحاد، لكن الأهم بالنسبة للمفوضية والمركزي الأوروبي على الصعيد السياسي هو تأكيد أن اليورو ما زال يتمتع بجاذبية ويمكن للدول التي ترغب في الانضمام إلى هذه المنطقة أن تكافح من أجل ذلك رغم صرامة معايير الانضمام.   

ربما تدعم المفوضية الأوروبية مساعي كرواتيا للتحول إلى “اليورو” للحفاظ على جاذبية اليورو، لكن هناك هدف أخر يرتبط بشكل مباشر بتذليل العقبات كافة أمام كرواتيا هو قدرتها في الوقوف كحارس قوي لحدود الاتحاد الأوروبي، وقذف المهاجرين غير الشرعيين إلى ما وراء الحدود بالقوة إن تطلب الأمر، وهو ما اعترفت به رئيسة البلاد السابقة كوليندا غرابار-كيتاروفيتش العام الماضي.. في نهاية الأمر منطقة اليورو يفترض أنها ستضم مستقبلا جميع دول الاتحاد، لكن كل دولة سيكون عليها الوفاء بالمعايير الاقتصادية والسياسية كذلك، والسؤال هنا هل عضوية اليورو تخدم الدول بالفعل أم لا؟.. عضوية اليورو ليست فرصة ذهبية كاملة، فهي قد تضر بعض الدول على سبيل المثال الدول التي تعتمد على الصادرات ففي حين تلجأ هذه الدول إلى تخفيض سعر عملتها لزيادة تنافسية صادراتها لا يمكنها الاستمرار في الأمر تحت سقف “منطقة اليورو” وهو الأمر الذي قد يجعلها تفقد الكثير من الأموال، أضف إلى ذلك أن المركزي الأوروبي لديه سياسة صارمة فيما يتعلق بسقف عجز الميزانية ويركز أكثر على الاستقرار المالي وكبح التضخم على حساب معدلات النمو وخفض البطالة، ما يعني أن الدولة العضو قد تضحي بالنمو من أجل كبح التضخم أو بالإنفاق التوسعي من أجل استقرار الميزانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى