التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

لبنان الجريح.. ضربات متتالية تُهدد بالانزلاق نحو الهاوية

«نترات الأمونيوم» تعود للواجهة بعشرين طن في بعلبك

كتبت – أميرة رضا

لم تلبث الأوضاع في الشارع اللبناني أن تهدأ نسيبًا، إلا واشتعلت من جديد، أزمات متتالية وأحداث مأسوية ضربت “لؤلؤة الشرق” الواقعة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، طمست معالمها ووجعت قلوب ساكنيها، ليظل السؤال الذي بات يتكرر كثيرًا، لبنان الجريح إلى أين؟.

المصائب لا تأتي فرادى، هكذا ينطبق الحال على الشأن اللبناني، بعد أن توالت عليه أزمات لا حصر لها، شلت اقتصاده، وبعثرت أوراقه السياسية، وأدخلته في نفق مظلم للسير نحو المجهول.

كانت آخر تلك الأزمات، عودة ما يعرف بـ”نترات الأمونيوم” للواجهة مرة أخرى داخل البلاد، وكأن حادث مرفأ بيروت الدامي -الذي حطم روح المدينة، وخلف صدمة لا زالت تسكن في قلوب الناجيين منه- لم يكن!.

مشهد انفجار بيروت الذي لا زالت رائحة ضحاياه تعبأ أرجاء العاصمة، وصور مخلفاته تنهش الأذهان، لم يمر عليه سوى عام واحد، لتطفو أحد مسبباته الأساسية مجددًا على السطح، بعد أن ضبطت القوى الأمنية، اليوم السبت، 20 طنًا من نترات الأمونيوم في البلاد.

شاحنة محملة بـ«نترات الأمونيوم» في بعلبك!

كان الشعب اللبناني اليوم على موعد مع نبأ صادم جديد، بعد أن تمكنت قوات الأمن اللبنانية من ضبط 20 طنًا من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار، في منطقة بدنايل شرقي البلاد، تلك المادة التي راح ضحيتها نحو 214 شخصًا، وأصيب نحو 6500 آخرين، بالإضافة إلى نحو 300 مفقود.

وفي التفاصيل، قال وزير الداخلية اللبناني، بسام مولوي، إنه بعد العثور على شاحنة محملة بـ20 طن من مادة نترات الأمونيوم الخطيرة، فإن قوات الأمن تدخلت لإبعادها عن المكان، لافتًا إلى أنه لن يكشف عن تفاصيل التحقيق أو أسماء الموقوفين.

وتفقد بسام مولوي، في مفرزة بعلبك في البقاع شرقي لبنان، مضبوطات الشاحنة التي تم ضبطها من قبل القوى الأمنية، واطلع عليها بعدما نقلت الشاحنة من بعلبك إلى “منطقة آمنة” في سهل بدنايل، شرقي لبنان.

وخلال تواجده هناك، قال مولوي: “بعد العثور على كمية النترات وضبطها، تدخلت القوى الأمنية لإبعادها إلى مكان آخر. وأنا في هذه المناسبة حضرت لمتابعة التحقيق وليس لكشف تفاصيله”.

وأضاف: “لن أخبر بما أسفر عنه التحقيق، ولن أكشف الأسماء أو الموقوفين، والقوى الأمنية تتابع الموضوع بطريقة جيدة جدًا”.

ولم تتضح حتى الآن، ظروف ضبط هذه الشاحنة، والوجهة التي كانت تتجه إليها.

وتعد زيارة المولوي إلى منطقة البقاع اللبناني شرقي لبنان، هي الأولى التي يقوم بها إلى البقاع منذ توليه وزارة الداخلية قبل أيام، حيث التقى المولوي كبار الضباط في قوى الأمن الداخلي، واطلع منهم على التطورات الأمنية في المنطقة.

ومن جانبه، اطلع رئيس مجلس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، على نتائج التحقيقات الأولية بشأن هذه الشحنة، خلال استقباله اليوم لوزير الداخلية اللبناني، فورعودته من البقاع وبعلبك.

وطلب ميقاتي من مولوي متابعة التحقيقات الجارية في هذا الموضوع لكشف كل ملابساته.

مشهد كارثي

العثور على 20 طنًا من تلك المادة شديدة الانفجار اليوم، أعاد للأذهان المشهد الكارثي الذي خلفه انفجار المرفأ في أغطسطس 2020، عندما انفجرت أطنان من المادة المخزنة في العنبر رقم 12 بالمرفأ.

وتحدث تقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي ” FBI”، عن أن الكمية التي انفجرت في العنبر رقم 12 من نترات الأمونيوم، قُدرت بأنها أقل من 2700 طن، متسائلًا أين ذهبت كمية الـ2200 طن المتبقية من هذه المادة؟.

وقدر “إف بي آي” كمية نترات الأمونيوم التي انفجرت بـ500 طن، أي أقل بكثير من الشحنة الاصلية التي وجدت وخزنت في العنبر رقم 12.

وتبين لاحقًا أن مسؤولين على مستويات عدة سياسية وأمنية وقضائية في لبنان، كانوا على دراية بمخاطر تخزين هذه المادة ولم يحركوا ساكنًا، ليفجر هذا الانفجار، الذي شبّهه البعض بقنبلة هيروشيما، غضبًا شعبيًا عارمًا من الطبقة السياسية المتهمة بالتقصير وبالمسؤولية عن دمار العاصمة.

وطالت شظايا هذا الغضب بقوة حزب الله اللبناني، المدعوم من إيران، والذي يتهمه البعض بالسيطرة على جميع المعابر والمرافئ في لبنان، الأمر الذي أعاد المشهد الكارثي اليوم للأذهان، ووضع حزب الله تحت المجهر، إذ تشير أصابع الاتهام إليه خاصة وأن بعلبك هي أحد أهم معاقل ميليشيا الحزب في البلاد!

أحد معاقل حزب الله تُعيد قضية المرفأ لطاولة التحقيق

التخبطات التي تسيطر على المشهد اللبناني، لم يكن التدهور السياسي والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والفساد المزمن هو أسبابها الرئيسية فحسب، بل تُعد الانقسامات الدينية والعرقية والفصائل المتعددة في البلاد هي أحد أهم تلك التخبطات.

إذ تتمع هذه الفصائل بدعم قوى خارجية ساهمت في تعميق الانقسامات والنزاعات الداخلية، وما يزيد الوضع تعقيدًا هو وجود ميليشيات طائفية أقوى من قوات الأمن الحكومية، إحداها ميليشيات حزب الله الذي يعمل برعاية طهران، ويشارك في العملية السياسية، ويتصرف في الوقت نفسه وكأنه كيان مستقل ذو سيادة.

وفي سياق الأحداث، تُعد بعلبك اللبنانية، التي عثر بها على شحنة نترات الأمونيوم اليوم، هي أحد أهم معاقل ميليشيا الحزب اللبناني في البلاد، لُتعيد قضية انفجار المرفأ إلى طاولة التحقيق، وتوجه دائرة الضوء نحو استهداف لبنان داخليًا وخارجيًا، الأمر الذي قد يدفعها للانزلاق نحو الهاوية!.

وفي ظل تلك الأزمات المتلاحقة، يحاول حزب الله لعب دور “المُنقذ” في لبنان، إذ يسعى حاليًا لتعميم انطباع بأن إنقاذ لبنان لا يتم إلا من خلال هيمنته على البلد، حسبما أشارت مجلة “فورن بوليسي”.

إذ قالت المجلة الأمريكية -في تقرير نشر، أمس الجمعة، تحت عنوان “مع تنامي اليأس الاقتصادي.. حزب الله يحاول أن يكون منقذ لبنان” إن أمين عام حزب الله حسن نصرالله، أراد من موضوع النفط الإيراني أن يضيف للدور التقليدي للحزب كمقاومة، وأن يلعب دورًا جديدًا يبدو فيه المُنقذ للبلد من أزمة اقتصادية عميقة، وهذا يتضح من خلال الطريقة التي وظف بها الحزب عملية توصيل وتوزيع النفط الإيراني في لبنان لتكون تجربة حية لدور المُنقذ.

وما بين هذا وذاك، الشحنات التي تم ضبطها اليوم -أيًا كانت مصادرها الحقيقة- قد شكلت أزمة جديدة، وخطرًا يصعب تصوره، خاصة في أعقاب كارثة ميناء بيروت، وزادت من ضغوط الحكومة الجديدة التي لم يمر عليها بضعة أيام، ليبقى المشهد اللبناني معلقًا على توقعات النجاح والفشل لرئيس الوزراء نجيب ميقاتي، ومهمته في الخلاص من دوامة الحوادث الأمنية التي تهدد البلاد، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى