التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

«جنين» الفلسطينية.. هل تشهد عملية عسكرية إسرائيلية؟

كتب – د. محمد عبدالدايم

قبل اعتقال الأسيرين مناضل نفيعات وأيهم كمامجي، صرح رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي بأن الاحتلال مستعد للدخول بقوات كبيرة من جيشه إلى مدينة جنين، من أجل اعتقال الأسيرين ، بعدما أعادت القوات الإسرائيلية القبض على أربعة من الأسرى الفارين من جلبواع.

في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي ذكر كوخافي أن التحقيق مع زكريا الزبيدي أظهر أن الأسرى كانوا يخططون للدخول إلى جنين، وأكد كوخافي على استعداد الجيش لاقتحام المنطقة من أجل القبض على الأسيرين المتبقيين، ولو كان هذا الاجتياح على حساب باقي المناطق في الضفة الغربية.

جنين ومعاقل الجهاد الإسلامي

blank

وُلد مناضل يعقوب نفيعات (32 عاما) في بلدة يعبد بجنين، اعتقلته القوات الإسرائيلية عام 2006، وظل أسيرا حتى 2015، ثم أعيد اعتقاله عام 2016 وعام 2020، حيث وجهت له إسرائيل تهمة الانتماء إلى “سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي.

أما أيهم فؤاد كمامجي (35 عاما) وُلدة في قرية كفردان التابعة لجنين، طاردته قوات الاحتلال عام 2003، لمدة ثلاث سنوات، حتى اعتقلته عام 2006، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مرتين.

ينتمي مناضل وأيهم على حركة الجهاد الإسلامي التي تأسست عام 1978، على يد مصطفى الشقاقي، وتأسست الحركة تأثرا بالمظاهرات الإيرانية ضد الشاه عام 1977، والتي أفضت إلى الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وبعدها برزت حركة الجهاد في ثمانينيات القرن الماضي.

من المعروف أن معظم تمويل الحركة يأتي من إيران، ورغم الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها طهران جراء العقوبات الاقتصادية وأزمة كورونا، إضافة إلى انتشار عناصر الحرس الثوري في مناطق عدة بالشرق الأوسط، فإن هذا الأزمة لم تُضعف حركة الجهاد بشكل كبير، وهو الأمر الذي يقلق إسرائيل، لأن وصول الأسيرين الهاربين إلى جنين يمكن أن يؤدي إلى معركة صعبة يشنها الاحتلال ويخوضها في ظروف صعبة ضد عناصر الجهاد هناك.

تقديرات قوات الاحتلال بسعي الأسيرين إلى دخول جنين، لأنهما من المستبعد أن يلجآ إلى رام الله، حيث توجد السلطة الفلسطينية، التي تكن لها حركة الجهاد خصومة سياسية كبيرة، حتى إنها تتهمها بأنها ساعدت قوات الاحتلال في الوصول لقادة الجهاد وتصفيتهم.

أوسلو بدون قضية الأسرى

في تسعينيات القرن الماضي، بعد اتفاقية أوسلو، شنت حركة الجهاد عمليات كبيرة في قلب إسرائيل، سببت خسائر بشرية فادحة، خصوصا وأن الحركة اعتمدت على التفجيرات “الانتحارية” في مناطق كثافة سكانية، خصوصا محطات الحافلات، فقد أعلنت الحركة ما أسمته بـ”الجهاد المسلح”، ردًا على اتفاقية أوسلو، التي اعتبرتها “باطلة”، ومن هنا كانت أوسلو نقطة مفصلية في الخلاف الكبير بين الجهاد وفتح.

من أبرز عمليات الجهاد ما نفذه فدائيان في أوائل عام 1995، وهي العملية المعروفة في بيت لد، والتي أسفرت عن مقتل 21 جنديا إسرائيليا، وبعدها استطاعت إسرائيل اغتيال مصطفى الشقاقي في مالطا.

الاتفاقية الموقعة عام 1993 قد خلت من ذكر قضية الأسرى الفلسطينيين، ورغم أن مصر ضغطت لوضع القضية ضمن الاتفاق، وهو ما حدث في اتفاقية القاهرة في مايو 1994، بإن أبقت الأسرى رهن إجراءاتها التعسفية، وخرقت اتفاق القاهرة، مثلما خرقت الاتفاق الذي ضغط وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري لتوقيعه عام 2014، والذي كان يقضي بالإفراج عن أربع دفعات من الأسرى، حتى إنها أعادت اعتقال الأسرى المفرج عنهم بموجب صفقة شاليط، ومنهم الأسير نفيعات.

بحسب تقارير فلسطينية؛ يقدر عدد الأسرى في سجون الاحتلال بين 4000- 5000 أسير، منهم نساء وأطفال ومعتقلين إداريين، وتستغل إسرائيل الأسرى كورقة ضغط وكارت ابتزاز، من أجل مبادلتهم في مفاوضات لتبادل الأسرى، والقضاء على المقاومة الفلسطينية.

ما بعد أوسلو

مع اشتعال الأحداث بعد أوسلو، استمرت إسرائيل في سياسة اغتيال قيادات حركة الجهاد، في فلسطين وخارجها، بعد اغتيال الشقاقي عام 1995، استمرت المواجهات المسلحة بين الجهاد وإسرائيل، التي دشنت سياسة الاغتيالات كحل وحيد للقضاء على الحركة، ففي أكتوبر 2000 أطلقت سراح إياد حردان، من مواليد جنين أيضا، بعدما أسرته على خلفية تهم “أمنية”، وكان قائدا للجناح العسكري للحركة في جنين بعد اغتيال أنور حمران في ديسمبر عام 2000، وبعدها بعدة أشهر، في أبريل 2001، بعيد خروجه من سجن فلسطيني، دخل إياد كشك هاتف عمومي في جنين، وبمجرد رفع سماعة الهاتف والتأكد من شخصيته عبر صوته، تم تفجير الهاتف عن بعد واغتياله.

سياسة الاغتيال عن بعد بالهواتف كانت ضمن خطة إسرائيلية لتصفية كوادر الجهاد وحماس في بداية الألفية، فقد أذاعت القناة 13 العبرية الأسبوع الماضي فيلما وثائقيا يحكي قصة اغتيال القائد بحماس يحيى عياش، الذي تمت تصفيته عام 1996 بتفجير قنبلة بوزن 50 جم في هاتف محمول أعطاه له صديقه أسامة، والذي بدوره أخذه من خاله كمال حماد، واتضح أن الخال يعمل مع الشاباك، وبمجرد التعرف على صوت عياش وهو يتحدث مع أبيه انفجرت القنبلة داخل الهاتف بضغطة زر من مهندس الشاباك المسؤول عن العملية.

استهداف أعضاء الجهاد من جنين كان شغلا شاغلا لقوات الاحتلال الإسرائيلي، ومنهم وائل عساف وسفيان العارضة اللذين اغتيلا معا في سبتمبر 2001، وبعدها في أبريل 2002 أقدمت إسرائيل على عملية توغل عنيفة داخل مخيم اللاجئين بجنين، ضمن عملية اجتياح شاملة للضفة الغربية، واستمرت العمليات على جنين لمدة 10 أيام (1- 11 أبريل 2001) ردا على عملية تفجير فندق نتانيا، التي نفذها أحد عناصر حماس في مارس 2001، وخلف اجتياح جنين 58 شهيدا فلسطينيا.

 ومن أبرز من اغتالتهم إسرائيل مؤخرا من قيادي الجهاد بهاء أبو العطا الذي اغتيل وزوجته بقصف صاروخي على منزله بحي الشجاعية بغزة في نوفمبر 2019، فيم نجا أكرم عجوري من القصف الذي استهدفه في الوقت نفسه في منزله بسوريا.

في إطار تحركات مكثفة للقوات الإسرائيلية من أجل إعادة القبض على الأسيرين نفيعات وكمامجي؛ كثفت القوات الإسرائيلية عملها للحصول على معلومات دقيقة حول مكان اختباء الأسيرين، باعتبار أن جنين هي المكان الأكثر ملاءمة لهما للجوء إليه، ومن هنا جاء احتفاء القوات الإسرائيلية بالقبض على زكريا الزبيدي، لأنه كان أحد المسؤولين القياديين في الجهاد، حيث كان قائدا لكتائب شهداء الأقصى في جنين.

تفكير إسرائيلي في حرب جديدة على جنين

blank

ينتمي الأسرى الستة إلى جنين، المحافظة والمخيم، واستطاعت قوات اليمام الإسرائيلية (وحدة مكافحة الإرهاب) القبض على الأسيرين نفيعات وكمامجي، بعد اختبائهما في منزل بشرقي جنين، بعيد خروجهما من مخيم اللاجئين، وأبدى ضابط القوة التي اعتقلتهما أنه “فوجئ باستسلامهما”، لأن قوات الاحتلال قدرت أن اقتحام جنين ينذر بمعركة شديدة مع المقاومة الفلسطينية، وكان المنزل الذي اختبأ فيه السجناء خارج مخيم جنين للاجئين، لكنه يقع في الحي الشرقي حيث الغالبية العظمى من سكانه من اللاجئين من المخيم.

وبعد القبض على نفيعات وكمامجي أصدر الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة” بيانا حاول فيه رفع الروح المعنوية للأسرى، ووجه لهم رسالة مفادها: “المقاومة وراءكم من جنين إلى غزة”، كما وجه تهديدا غامضا لإسرائيل، وصرح بأن الجهاد “مستعدة لحملة أخرى، سنفاجئ العدو في أي مكان وأي وقت”.

 في الوقت نفسه كشف العقيد يائير بيلاي القائد الجديد للواء جولاني (تقلد منصبه في 13سبتمبر) أن مخيم جنين يضم مجموعات عسكرية مسلحة، تعمل بشكل منظم، وتنشط في رصد تحركات الجيش الإسرائيلي وقواته، واعترف أن الجيش الإسرائيلي لا يعرف على وجه الدقة حجم الأسلحة مع الفلسطينيين في جنين، لكنه قدرها ببضع مئات من قطع السلاح، ولا توجد بينها صواريخ مضادة للدبابات.

ومع ذلك يقر بيلاي بأن عناصر الجيش الإسرائيلي يتم إطلاق النار عليها خصوصا في أوقات الليل، ويبدو أن عددا يقدر بنحو 10 أو 15 مسلحا هو إجمالي من يطلقون النار في أوقات النشاط العملياتي.

بعد اعتقال نفيعات وكمامجي صرح بيني جانتس أن عملية إعادة الأسرة نتاج تعاون بين قوات الجيش والشاباك والشرطة، مشددا على أهمية التفوق الاستخباري، وعمل القوات على الأرض، مع مراقبة بالطائرات من السماء، وأضاف نائب قائد القوة التي ألقت القبض على الأسيرين بأن إسرائيل تيقنت من البداية أنهما كانا في جنين، لذا قامت القوات الإسرائيلية بعمليات استطلاع ومسح، مع عزل منطقة العمليات، وفعلت القوات الرؤية الليلية، مع تغطية جوية من الطيران، واستعدت دورية من لواء كفير مجهزة بالصواريخ والجرافات، تحسبا لتحصن الأسرى ومن يحمونهم، حتى سارت عملية الاعتقال “بشكل سلس”، بينما في الخارج استعدت القوات لأي رد فعل عنيف من الفلسطينيين في جنين.

blank

رغم أن القبض على نفيعات وكمامجي لم يُشعل ردة فعل عنيفة من من مقاتلي الجهاد الإسلامي، أو الفلسطينيين في جنينـ باعتبار أنهم كانوا سيحمون الأسيرين؛ فإن إسرائيل تفكر في شن عملية عسكرية على المدينة، بعدما أظهرت لها حادثة الهروب أن المقاومة في جنين تتحفز للمقاومة بالسلاح، وستكون المعركة المتوقعة للجيش الإسرائيلي في أحد أكثر الأماكن ازدحامًا في الضفة معقدة وصعبة، وليست كما يروج لها الإعلام الإسرائيلي في بياناته عقب القبض على آخر الهاربين من جلبواع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى