التقاريرسياسة

إغلاق نفق «جلبواع» .. الحرب النفسية بين إسرائيل والفلسطينيين

كتب – د. محمد عبدالدايم

 بعد إعادة إلقاء القبض عليهما، كشفت تحقيقات الشرطة الإسرائيلية عن تفاصيل جديدة، بعضها مفاجئ، في قصة هروب الأسيرين مناضل يعقوب، وأيهم كمامجي من سجن جلبواع، وهما السجينان اللذان ظلا طلقاء لمدة 13 يومًا، بعد هروبهم الكبير رفقة الأربعة الآخرين الذين سبق إعادة القبض عليهم.

بحسب تصريحات محامي الأسيرين، وتحقيقات شرطة إسرائيل، فإن مناضل وأيهم قد استطاعا الوصول إلى العفولة، في قلب مرج ابن عامر، بعد مسيرة يومين من هروبهما، حتى إنهما اختبئا وسط زراعات مرت بجانبها قوات البحث عنهما، ولم تلحظهما في حينه، حتى وصلا في اليوم الثالث إلى منطقة مخيم جنين، ومكثا هناك، وعندما خرجا منه إلى الحي الشرقي لمدينة جنين حتى وقعا في الأسر مجددا بعد دقائق من دخولهم المنزل الذي اختبئا فيه.

نقل محامي زكريا زبيدي ، أفيجادور فيلدمان، ما أخبره به الزبيدي عن الهروب: “قال إنه زحف في نفق لمدة نصف ساعة أو نحو ذلك. كان من الصعب عليهم رفع الغطاء. وعندما خرجوا لم يكن أحد ينتظر بالنسبة لهم .”

blank

الأنظار على جنين

قبل إعادة القبض على الأسرى الستة كان كل من زكريا الزبيدي ومحمود العارضة أكثر من تسلطت حولهما الأضواء، نظرا لـ”خطورة” الزبيدي، باعتباره “قط الشوارع” الذي تملص كثيرا من قوات الاحتلال، بينما العارضة اعتبرته مصلحة السجون “مهندس عملية الهروب”، لكن عندما تم إلقاء على العارضة أولا مع رفيقه قادري، وبعدها تم إلقاء القبض على الزبيدي رفقة محمد العارضة، أصبح مناضل نفيعات وأيهم كمامجي في دائرة الضوء، من سلطات الاحتلال، ووسائل الإعلام، لأن تقديرات قوات البحث والتقصي كانت تقدر أن كليهما يعملان على التوجه نحو مخيم جنين.

قوة اليمام وادعاء البطولة

blank

القوة الإسرائيلية التي نفذت عملية إعادة القبض على نفيعات وكمامجي هي وحدة “اليمام” الخاصة، وهي وحدة قوات خاصة من نخبة الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود، مهمتها “الحرب على الإرهاب”، وتسمى أيضا “وحدة الحرب على الإرهاب” أو الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب”.

نشرت الوحدة مقطع فيديو لعملية أسر نفيعات وكمامجي، بعدما كشف التقصي عن أدلة خلفاها في مسيرتهما نحو جنين، تمثلت في علب سجائر وزجاجات مياه وقطع ملابس ومصحف وجهاز راديو صغير، وبمضاهاة البصمات على هذه الأدلة استطاعت قوة البحث معرفة خط سيرهما.

لم تكتف القوات الإسرائيلية بعناصر الشرطة فحسب، بل قادت البحث عن الأسرى قوة من وحدة وحدة خاصة للبحث والتقصي تأسست عام 2014، وتحمل اسم “مرعول” (جمع لكلمتين عبريتين هما مرعيه بمعنى مرعى ومشعول بمعنى ممر أو سكة)، كما أعطت طائرات عسكرية من السرب 100 غطاء جويا لقوات اليمام، حيث قامت إحدى الطائرات باستطلاع للتصوير عن بعد، بينما قامت طائرة أخرى بتمرير المعلومات المصورة للقوات البرية على الأرض، بعدما دققت طواقم من الوحدة 9900 التابعة لشعبة الاستخبارات في مكان اختباء الأسيرين.

كان الهدف الأساسي للقوات المشتركة وجود “عيون من السماء” على القوات البرية التي ستنفذ عملية القبض على نفيعات وكمامجي، وبمجرد وصول التأكيد على وجودهما في منزل الاختباء قام أفراد وحدة اليمام بتنفيذ العملية في دقائق، وما فاجأهم أنهم لم يُقابلوا بمقاومة تُذكر، وهذا يشير إلى أن الأسيرين قد تأكدا أنهما وقعا في الأسر مرة أخرى، ولم يرغبا في إشعال معركة “خاسرة” مع هذا الزخم الكبير من القوات الإسرائيلية “النخبوية” التي أحاطت بجنين وبمنزل الاختباء.

وفقا لما صرح به محامي كمامجي؛ أنه مكث في منزل الاختباء لمدة لا تزيد عن نصف ساعة قبل إلقاء القبض عليه، حتى إنه هاتف والده وأخبره أنه يريد تسليم نفسه، لأنه متأكد أن هروبه لن يطول، ولا يريد تعريض أحد للأذى، وأضاف، وفقا للمحامي: “سأقوم بتسليم نفسي حرصا على الأشخاص بجواري”.

blank

غادر نفيعات وكمامجي في غضون دقائق رافعين أيديهما، غير مسلحين، تماما مثل الأربعة الذي سبق القبض عليهم، وهذا ما يؤكد أن هروب الأسرى الستة من جلبواع لم يكن مخططا له أن يكون بطوليا، أو يستمر طويلا، وإنما كانت خطتهم عفوية إلى حد كبير، من أجل تنسم بعض هواء الحرية، قبل أن يعودوا إلى الأسر مجددا، لكنهم جميعا كانوا حريصين على ألا يكونوا سببا في الإضرار بإخوانهم الفلسطينيين.

في المقابل قال ضابط وحدة اليمام، إنهم كانوا “مستعدين لمواجهة معركة عنيفة، لكنهم فوجئوا باستلام هادئ من الأسيرين”، وأضاف: “في النهاية كانت العملية ناجحة وبسيطة نسبيًا، على غرار الاعتقالات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية كل ليلة في الضفة الغربية. كان الاثنان في حالة جيدة في مبنى في منطقة معزولة شرق مدينة جنين، ومثل الأربعة الآخرين الذين تم أسرهم في الأراضي الإسرائيلية – لم يعارضوا أيضًا الاعتقال ، الأمر الذي أثار دهشة مسؤولي الأمن”.

هروب مؤقت

خلال التحقيق معه؛ قال زكريا الزبيدي، وفقا لما نشرته وسائل الإعلام، إن ثمة أحد لم يكن ينتظرهم عند خروجهم من نفق الهروب الذي حفروه، وقد زحف لمدة تقترب من نصف ساعة، وخرج من فتحة الهروب عندما تأكد بعدم وجود أحد في برج المراقبة، ومع ذلك كان متأكدًا أنه سيتم القبض عليهم مجددا، كما أنه علم بخطة الهروب قبل تنفيذها بشهر واحد، وحينما أُبلغ أن النفق جاهز طلب الانتقال إلى زنزانة رفقاه، وتمت الموافقة على طلبه فورا، وأضاف الزبيدي أنه لم تكن لديهم خطة مرسومة لمرحلة ما بعد الخروج من النفق، حتى إن قرار السير في اتجاه الناعورة شمالي السجن كان قرارا عفويا منه، وحينما لم يستطيعوا دخول مسجد الناعروة أو يستخدموا هاتفا للاتصال اختلفوا سويا في تحديد وجهتهم، فقرروا الانفصال عن بعضهم.

منذ اللحظة الأولى التي تم الكشف فيها عن هروب الأسرى من جلبواع، مارست إسرائيل حربها النفسية، أولا بتصوير حجم القوات المنطلقة خلف الأسرى، وتدشين عملية تقصي وتطويق وبحث مكثفة، تشترك فيها الشرطة والجيش وحرس الحدود والاستخبارات، بهدف تحقيق إعادة أسرهم سريعا، وتوصيل رسالة لبقية الأسرى في داخل السجون، وللفلسطينيين خارجها، أنه لا مهرب من قوات الاحتلال، ولا أمل في الخروج.

تصريحات ضابط وحدة اليمام، الذي أُخفيت هويته، بعد توثيق اقتحامها الحي الشرقي بجنين للقبض على نفيعات وكمامجي، تشير إلى الشعور بالطمأنينة، لأنهم استطاعوا القبض على الأسيرين دون مواجهة قدرت إسرائيل أنها ستكون “عنيفة” مع سكان جنين تحديدًا.

في تصريحات المحامي الإسرائيلي لزكريا الزبيدي أضاف بأن الأسرى “لم تكن لديهم خطة واضحة، وتوقعوا مساعدة من السكان” وهو ما لم يحدث، ويتماشى هذا التصريح مع زعم قوات الاحتلال الإسرائيلي أن “عائلة عربية” هي التي أبلغت عن الأسيرين محمود العارضة ويعقوب قادري، وفي هذا السياق قدم وزير الدفاع بيني جانتس “شكره” للسكان من فلسطيني إسرائيل الذين أبلغوا قوات الاحتلال بمجرد رؤيتهم للأسرى، أما محامية قدري حنان الخطيب، فقد صرحت أن موكلها أبلغها تحيته لأهل الناصرة، وأن حلمه كان فقط رؤية فلسطين لقليل من الوقت، حيث أكل التين والبرتقال وشاهد أطفالا بجانب أهاليهم للمرة الأولى من 22 عاما، بل إن الأسير مناضل نفيعات كان في محادثات متقدمة مع قوات الاحتلال بهدف الوصول إلى صفقة ادعاء، وبناء على توقيعها كان من الممكن أن يُفرج عنه في غضون أشهر، فالاتهامات الموجهة له تمثلت في “تهريب أسلحة”، و”التآمر لإطلاق نار”، ودخول لإسرائيل بشكل غير قانوني”، كما أنه كان أحد الأسرى المُحررين بموجب صفقة شاليط لتبادل الأسرى، وأعادت إسرائيل أسره.

أما تصريحات قادري بعد القبض عليه، وعدم مقاومته هو بقية الأسرى لقوات الاحتلال، فتشير إلى أنهم بالفعل لم يخططوا لعملية هروب سينمائية، ولم يستهدفوا وضع أسمائهم في سجلات “بطولة”، لكنهم فكروا في تنسم الحرية لقليل من الوقت، حرية السير في أرض الوطن، في المقابل صورت قوات الاحتلال، وإعلامه عملية القبض على الأسرى على أنها عمل بطولي عظيم، وأن عدم مقاومة الأسرى تنم عن يأس بعد جوع وتعب.

 تحركت الآلة الإعلامية بإيعاز من قوات الاحتلال لقلب الصورة، من بطولة الأسرى في الخروج من نفق جلبواع، إلى بطولة قوات مصلحة السجون والشرطة والجيش والاستخبارات في القبض على ستة أسرى عُزل، وسعت إسرائيل لترسيخ فكرة اكتفاء فلسطيني الداخل من قضايا إخوانهم من الأسرى، وتصوير أنهم راضون بتدجينهم داخل إسرائيل.

السلطة لم تُختبر

بالنسبة للسلطة الفلسطينية، كانت عملية الهروب بمثابة “اختبار” مفاجئ لها، وأرادت إسرائيل أن تعرف كيف تجيب عليه في هذا الوقت تحديدا، بعد لقاء جمع وزير الدفاع بيني جانتس مع محمود عباس أبي مازن قبيل الهروب من جلبواع، وبعد القبض على الأسيرين نفيعات وكمامجي، وُجهت اتهامات للسطلة الفلسطينية بأنها “قدمت معلومات استخباراتية أدت إلى اعتقالهما”، وفي الوقت نفسه تنشر إسرائيل إشاعة مفادها أن حماس ألقت بالوم على السلطة لأنها لم توفر الحماية للأسرى، خصوصا وأن صاحب المنزل الذي اختبأ فيه نفيعات وكمامجي ينتمي إلى حركة فتحن في حين تدافع السلطة عن نفسها، حيث نقلت وكالة رويترز عن مسئولين فلسطينيين أنه “من الجيد عدم خضوعهم للاختبار، ولم يكن من الممكن حماية الأسرى أثناء وجودهم في جنين”، والحقيقة أن السلطة نأت بنفسها عن موضوع هروب الأسرى، لأن لجوئهم إليها كان سيعقد وضعها أمام إسرائيل، وتسليمهم كان سيُعقد وضعها “المُعقد” بالفعل أمام الفلسطينيين أنفسهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى