التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

حكومة «بينط – لابيد» في المائة يوم الأولى.. تحركات حذرة خشية الخصوم

كتب – د. محمد عبدالدايم

100 يوم على حكومة بينط – لابيد الائتلافية، يمكن تحديد بعض ملامحها، فيما يخص إدارتها للشئون الداخلية، أو تحركاتها الخارجية، وبالتأكيد يُنظر للعامل الأمني باعتباره أحد أهم المحاور التي يمكن أن تُقيم الحكومة الإسرائيلية.

حلفت حكومة بينط- لابيد اليمين أمام الكنيست في 13 يونيو 2021، وبعد أن استكملت 100 يوم، يبدو أنه لا تزال تتحرك بحذر فوق في حقل الألغام الذي زرعته الحكومات المتعاقبة برئاسة بنيامين نتنياهو.

يخطو نفتالي بينط بحذر شديد، لأنه يدرك تماما أن خصومه يراقبون تنفسه على مدار الساعة، ينتظرون أية هفوة في معالجة السياسة الداخلية أو الخارجية، يقارنون بينه وبين سلفه نتنياهو، زعيم المعارضة الحالي، وحليف بينط حتى الأمس القريب.

ولأن بينط وصل إلى منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية بمجموع 6 مقاعد فقط، حيث تحالف مع خصومه السابقين، يائير لابيد وبيني جانتس، وحزبي اليسار هاعفودا وميرتس، مع حصوله على دعم للمرة الأولى من حزب القائمة العربية برئاسة منصور عباس، فإنه يسير على الأشواك كي يستطيع أن يُكمل مدته الأولى في رئاسة الحكومة قبل أن يترك المنصب ليتناوب عليه حليفه يائير لابيد في 27 أغسطس 2023، كما ينص اتفاق التناوب بينهما.

فشل تمرير قانون “لم الشمل”

blank

أخفقت حكومة بينط- لابيد مبكرا، حيث لم تتمكن، في يوليو الماضي، من تمرير قانون “لم الشمل”، المعروف بقانون “المواطنة”، وهو قانون مؤقت تبناه الكنيست عام 2003، خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ويهدف إلى منع الفلسطينيين الذي يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة من الحصول على وضع قانوني في إسرائيل، وتم تبني هذا القانون “العنصري” بعد اتهام فلسطينيين ممن لديهم زوجات من سكان القدس الشرقية بارتكاب “أنشطة إرهابية”، حيث يحرم هذا القانون المواطنين الإسرائيليين الذين يتزوجون من فلسطينيات يعشن في الأراضي المحتلة، أو من دول تعتبرها إسرائيل “معادية” لها، وهي لبنان وسوريا والعراق وإيران، من دخول إسرائيل، وكان الهدف الرئيس للقانون هو منع “لم شمل الأسرة” بين المواطنين الفلسطينيين بالداخل ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية وأزواجهم أو أطفالهم الفلسطينيين.

رغم أن هذا القانون العنصري تبنته حكومات نتنياهو السابقة، فإن حكومة بينط فشلت في تمريره مع تصويت معارضة نتنياهو له بالكنيست، لتكون هذه أولى ضربات المعارضة للحكومة الجديدة.

القراءة الأولى للميزانية

blank

في ظروف عادية يمكن أن يكون إقرار ميزانية الدولة أمرا اعتياديا، يمكن للحكومة أن تمرره في البرلمان، لكن بالنسبة لدولة أجرت 4 انتخابات في عامين، يمكن أن يكون تمرير ميزانية إسرائيل بالقراءة الأولى في الكنيست إنجازا كبيرا لحكومة بينط- لابيد، فمشروع قانون الميزانية قد تعطل كثيرا في عهد بنيامين نتنياهو، خصوصا مع حكومته الأخيرة رفقة بيني جانتس، لم تمر الميزانية بعد بالقراءتين الثانية والثالثة، لكن مع ذلك يُعتبر تمريرها بالقراءة الأولى تحرك إيجابي يُحسب لحكومة ائتلافية تجمع متنافرين سياسيا، وربما يحفظ تمرير الميزانية لهذه الحكومة الهدوء لمدة عامين تقريبا.

هدوء ليبرمان

وزير المالية أفيجادور ليبرمان، الذي كان ذات يوم العدو اللدود لنفتالي بينط، يلعب الآن دورًا مغايرا، حيث يتمسك بالهدوء تجاه رئيس الحكومة، ويُظهر مرونة في تقديم ميزانية سخية لتحقيق أهداف الائتلاف الحكومي،  بالإضافة إلى الموافقة على زيادة ميزانية الدفاع، قاد الموافقة على خطة التقاعد في جيش الدفاع الإسرائيلي، على الرغم من المعارضة الواسعة من المستوى المهني في مكتبه.

معركة الكورونا

لم تحقق حكومة بينط- لابيد نجاحا كبيرا في مواجهة جائحة كورونا، وبذلك لا تتفوق على حكومة نتنياهو في إجراءات منع تفشي الوباء، حيث حلت الموجة الرابعة سريعا، وكل ما قدمته حكومة بينط حتى الآن هو إقرار الجرعة الثالثة للمواطنين فوق سن 45، وتعد إسرائيل هي الدولة الأولى في العالم التي قررت إعطاء مواطنيها جرعة ثالثة من اللقاح المضاد للإصابة بكورونا، رغم تحذير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، كما ألزمت الحكومة الإسرائيلية طلاب المدارس بالتلقيح قبل بدء العام الدراسي الجديد، مع قرار مثير للجدل بحرمان العاملين في وزارة التعليم من الرواتب في حال رفض أي منهم الجرعة الثالثة من اللقاح.

إجبار الإسرائيليين على الجرعة الثالثة من اللقاح، والتهديد بحجب الرواتب يثيران زوبعة غضب في أوساط رافضي اللقاح عموما، الذين يعتبرون هذا التوجه الحكومي إرغامًا لهم على تلقي جرعات من اللقاحات دون توصية صحية مؤكدة ودقيقة، مما يوحي بأن الحكومة تجبر المواطنين على اللقاح لأنها فشلت في وقف تفشي الموجة الرابعة، وكيلا تضطر للإغلاق مجددا.

الفشل الأمني في جلبواع

blank

رغم تمكن القوات الإسرائيلية من إعادة القبض على الأسرى الهاربين من سجن جلبواع شديد التحصين، فإن عملية الهروب تعتبر خرقا أمنيا كبيرا، وهي أبرز المؤشرات على فشل حكومة بينط- لابيد أمنيا على الصعيد الداخلي.

صحيح أن الحكومة سعت لتحويل عملية الهروب وإعادة القبض على الأسرى إلى نقطة لصالحها؛ بإبراز “القوة” الكبيرة، والدقة التي تتمتع بها مجموعات العمل المشتركة، التي دشنت فرقا للبحث عن الأسرى والقبض عليهم، وهي مجموعات من الجيش الإسرائيلي والاستخبارات العسكرية وحرس الحدود والشرطة، فإن هذا لم يحل دون توجيه اللوم للحكومة على فشلها الكبير الذي تمثل في تمكن هؤلاء الأسرى الستة من الخروج عبر نفق صغير حفروه بأدوات صغيرة من أدوات الطعام، ليتنسموا بعض الحرية قبل إعادة القبض عليهم.

ما ساعد الحكومة الحالية في تجاوز هذا المأزق الأمني أن الأسرى قد بدئوا في حفر نفق جلبواع منذ ديسمبر العام الماضي، أي في عهد نتنياهو وحكومته، كما أن مفوضة مصلحة السجون الإسرائيلية كاتب بيري قد وصلت إلى هذا المنصب بقرار من وزير الأمن الداخلي السابق أمير أوحانا، عضو حزب هاليكود، وبعد حادثة جلبواع فتحت وسائل الإعلام الإسرائيلية النار على حزب هاليكود وحكومة نتنياهو السابقة، بدعوى أن تعيين كاتي بيري جاء كمجاملة لزوجها، عوفر بيري، العضو بحزب نتنياهو، والنائب السابق لإدارة التسويق بهيئة البريد الإسرائيلي، أي أن تعيين مفوضة مصلحة السجون لم يكن استحقاقا، ولكن يشوبه فساد سياسي كان سمة لعصر نتنياهو، فيم تبرأت حكومة بينط منه.

blank

ملف حماس التقرب من مصر

بعد مرور 100 يوم من قيامها؛ فإن حكومة بينط- لابيد لم تحقق تقدما في ملفات أمنية خارجية، حيث لم تحقق تقدما في ملف مواجهة حماس، رغم الهدوء النسبي في غزة، لكن لم يصل بينط خلال مائة يوم من تقلده منصب رئاسة الحكومة إلى حل للمشكلة الأمنية التي تسببها حماس والفصائل الفلسطينية في غزة، كما يم يحدث تقدم “ملموس” في ملف صفقة تبادل الأسرى مع حماس، وهي الصفقة التي تتحرك مصر بقوة لرعايتها وتأمين تمريرها.

ربما يكون اللقاء السريع بين بينط والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي فارقا في فترة المائة يوم الأولى لرئيس الحكومة الإسرائيلية، لأن إسرائيل تدرك جيدا أن مصر هي القوة العربية الأكبر، ولن يغامر بينط بجعل العلاقة معها باردة، مثلما أصبحت عليه في أواخر عهد نتنياهو، ويسعى بينط للاستفادة من رعاية مصر لملف غزة، بعد العملية العسكرية “حارس الأسوار”، لاستمرار الهدوء مع حماس، وتمرير صفقة تبادل لا تتحول لفشل ذريع.

blank

لقاء جانتس- أبي مازن

على جانب آخر، وعلى عكس ما كان عليه في حكومته مع نتنياهو، فإن بيني جانتس، وزير الدفاع، يتمتع ببعض الحرية في الحركة مع نفتالي بينط، والتقى محمود عباس لمناقشة مسائل أمنية واقتصادية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، للمرة الأولى منذ نحو 10 سنوات، وهذه الحرية لم يكن يتمتع بها جانتس في ظل ارتباطه بحكومة نتنياهو السابقة.

blank

فشل في ملف إيران

blank

جعلت حكومة بينط- لابيد مواجهة إيران على راس أولوياتها الأمنية، لكنها حتى الآن لم تحقق نجاحا يُذكر، رغم التحركات الحثيثة لتجييش القوى الدولية ضد طهران، وخصوصا الولايات المتحدة، لكن واشنطن تحت إدارة جو بايدن مصرة حتى الآن على سلك منهج المفاوضات “بطيئة الرتم” مع طهران، ويرغب بايدن في العودة للاتفاق النووي مع طهران، وهو ما ترفضه إسرائيل تماما، حيث هاجمت المشروع النووي الإيراني، وسعت لتسخير العالم للتضييق على إيران، لمنعها من إنتاج قنبلة نووية.

صحيح لم تبرم الولايات المتحدة حتى الآن اتفاقا مع إيران بما يخالف رغبة إسرائيل، لكنها أيضا لم توافق رغبة بينط ولابيد في التضييق الاقتصادي والحصار العسكري على طهران، لمنعها من إنتاج القنبلة النووية الأولى، رغم أن إسرائيل فضحت معلومات استخباراتية، تزعم أنها “مؤكدة”، وتشير إلى أن طهران تقترب بالفعل من قنبلتها المنشودة.

من الجائز قولا أن نفتالي بينط يحظى بقبول لدى إدارة جو بايدن أكثر بكثير من بنيامين نتنياهو، الذي حظي بهذا القبول الكبير لدى إدارة دونالد ترامب السابقة، لا يوجد تغيير جذري في السياسة الأمنية الأمريكية تجاه إسرائيل، خصوصا وأن بينط لم ينجح حتى الآن في إقناع الولايات المتحدة بتغيير نقطة الانطلاق في مفاوضاتها مع طهران، وكل ما حققه بينط من نجاح خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة هو استخلاص تجاوبا أمريكيا على طلبه بمنح إسرائيل مليار دولار أمريكي لتطوير منظومة القبة الحديدية.

تبدو زيارة بينط، إلى لولايات المتحدة، في فترة المائة يوم الأولى لحكومته، علامة فارقة بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي سافر حاملا طموحه من أجل الوصول لتفاهمات مع الأمريكيين بخصوص القضايا الأمنية والاستراتيجية، وخصوصا الملف الإيراني، لكنه لم يحقق نجاحا ملموسا حتى الآن.

الحياة بدون نتنياهو

blank

بعد 12 عاما متصلة من حكم نتنياهو، أصبح اسم بينط أقل بريقا وبروزا على المستوى الإعلامي لإسرائيل، فيمكن أن تمر أيام دون ذكر اسمه، بحكم قوته المحدودة، مقارنة بسلفه نتنياهو، الذي سيطر على مفاصل إسرائيل، سياسيا وإعلاميا،  يُقدر محللون بوسائل الإعلام الإسرائيلية أن الإنجاز الكبير لحكومة بينط – لابيد، بعد مرور مائة يوم، هو أنها استطاعت “تعويد” الجمهور الإسرائيلي على الحياة بدون نتنياهو، صحيح ليس بالكامل، خصوصا في خضم المعارضة الشرسة التي يتزعمها بيبي، لكن حكومة بينط تمكنت إلى حد ما من إسكات “جوقة” الصراخ السياسي المتواصل للمعارضة المفترسة من هاليكود والأحزاب الدينية، وهو الصراخ الذي تحول إلى ما يشبه “التشنج اللاإرادي”.

حتى الآن لم يلتق بنيامين نتنياهو، زعيم المعارضة، مع نفتالي بينط، رئيس الحكومة، في لقاء شهري، وفقا للقانون الإسرائيلي، حيث يصر بيبي على تجاهل مقابلة خصمه بينط، ولم يتنازل “نفسيا” عن موقعه الذي نصّب نفسه عليه، وفي المقابل لا يسعى بينط للقاء نتنياهو، بل يحاول الاستمتاع بموقعه كرئيس جديد للحكومة الإسرائيلية، ولكن حكومته المتألفة من متنافرين سياسيا تواجه يوميا حربا من المعارضة بالكنيست، في الجلسات العامة وفي اجتماعات اللجان المتخصصة، وليس غريبا أن يصل النقاش إلى تبادل السباب داخل الكنيست.

 ستواجه الحكومة الإسرائيلية خلال المرحلة القادمة ملفات داخلية وخارجية، على رأسها صفقة التبادل مع حماس والنووي الإيراني والعام الدراسي تحت وطأة كورونا، وهذه الملفات يمكن أن تدفع بينط إلى القمة، وهو أمر مستبعد، أو تقذف به إلى الجحيم، بل إن فشل الحكومة قد يقضي على آمال يائير لابيد في الوصول إلى منصب رئيس الوزراء في 2023.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى