التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

التوتر بين بريشتينا وبلجراد.. يعيد للأذهان ذكريات حرب كوسوفو الدامية!

حسام السبكي

من جديد، عادت طبول الحرب لتقرع مرة أخرى في منطقة البلقان، بعد سنوات من الهدوء الحذر، المدعوم بيقظة المجتمع الدولي، خشية العودة إلى آتون الحرب التي شهدتها المنطقة، وكان آخرها في تسعينيات القرن الماضي، وأسفرت عن ضحايا قدروا حينها بعشرات الآلاف، لتنتهي حينها بانسحاب اليوغوسلافيين “سابقًا” من كوسوفو، قد أن تعترف الأخيرة باستقلالها – من طرف واحد – وتنال على إثره اعترافًا دوليًا على نطاقٍ واسع، وهو ما ترفضه بلجراد حتى اليوم.

توتر متصاعد

blank

منذ حوالي منتصف الأسبوع الماضي، تصاعدت التوترات على الحدود بين كوسوفو وصربيا، حيث بدأت سلطات بريشتينا في تطبيق قاعدة لإزالة لوحات السيارات الصربية من السيارات التي تدخل كوسوفو واستبدالها بأخرى بصفة مؤقتة.

وقال مسؤولو كوسوفو إنه اعتبارًا من يوم الإثنين 20 سبتمبر 2021، سيتم استبدال لوحات الترخيص الصادرة في صربيا بأخرى مؤقتة ، وأنه تم نشر الشرطة الإضافية لتطبيق “المعاملة بالمثل“.

وانتشرت الشرطة الخاصة في كوسوفو بمركبات مدرعة على الحدود حيث أفادت التقارير أن مئات من صرب كوسوفو توجهوا بسياراتهم إلى الحدود احتجاجا على هذه الخطوة، وعرقلوا أحد المعابر الحدودية.

ومنذ سنوات كانت شرطة صربيا تزيل لوحات التسجيل من السيارات المسجلة في كوسوفو التي تدخل صربيا ويبدو أن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها سلطات كوسوفو كانت “انتقامية”.

في غضون ذلك، وفي أحدث صور التوتر بين الجانبين، أضرمت النار في مبنى حكومي في كوسوفو واستهدف آخر بقنبلتين يدويتين لم تنفجرا، باعتداءين اعتبرتهما حكومة كوسوفو “عملين إجراميين”.

وقال المسؤولون الحكوميون: إن ما حدث، أمس السبت، من استهداف مكتبين حكوميين يعتبر “عملا إجراميا” يرتبط باحتجاج الصرب على قرار إزالة اللوحات الصربية من السيارات التي تدخل كوسوفو.

وقالت وزارة الداخلية في كوسوفو إن الحريق دمر دائرة للمرور، في الوقت الذي يغلق فيه مواطنون صرب رافضون لقرار إزالة لوحات السيارات الصربية، الحدود بين كوسوفو وصربيا بالشاحنات منذ يوم الإثنين الماضي.

وكتب وزير الداخلية شيلال سفيكلا على فيسبوك “أحرق المشتبه بهم مركز تسجيل المركبات في بلدة زوبين بوتوك في عمل إجرامي نفذته عناصر إرهابية“.

وقال رئيس الوزراء ألبين كورتي، إن “قنبلتين يدويتين ألقيتا داخل مبنى حكومي في زفيكان لكنهما لم تنفجرا“.

واتهم كورتي الحكومة الصربية بـ”التحريض ودعم مثل هذا السلوك واستغلال مواطني كوسوفو لإثارة صراع دولي خطير“.

وكان وزير الدفاع الصربي نيبويسا سيفانوفيتش، قد أعلن يوم الخميس الماضي، أن بلاده استنفرت قواتها على الحدود مع كوسوفو في ظل التوتر مع “الإقليم المنشق”.

وأضاف سيفانوفيتش أثناء تفقد القوات على الحدود أن “صربيا مستعدة لحماية مواطنيها… جيشنا لا يمارس الاستفزاز لكنه مستعد لحماية شعبه”.

في المقابل، نشر إقليم كوسوفو قوات من الشرطة الخاصة في المناطق ذات الأغلبية الصربية لفرض قاعدة لوحة الترخيص الجديدة، وقال مسؤولو كوسوفو إن الإجراءات الجديدة متبادلة.

خلفية تاريخية

blank

كما أسلفنا في المقدمة، فإن صربيا لا تعترف بإقليمها السابق كوسوفو كدولة منفصلة ولا تعتبر الحدود المشتركة سوى حدودا “إدارية” ومؤقتة، فيما تعترف أكثر من مئة دولة عضو في الأمم المتحدة و22 من دول الاتحاد الأوروبي الـ27 بكوسوفو منذ إعلانها استقلالها العام 2008، لكن صربيا ترفض الاعتراف باستقلال كوسوفو التي كانت إقليما تابعا لها، بعد الحرب الدامية التي شهدتها المنطقة في تسعينات القرن المنصرم.

وأسفر النزاع في يوغوسلافيا السابقة بين القوات الصربية والمجموعات الكوسوفية الألبانية المطالبة بالاستقلال، عن مقتل 13 ألف شخص، غالبيتهم ألبان، وانتهى بعد حملة قصف غربية (الناتو) داعمة لقوات “جيش تحرير كوسوفو” المؤلفة من ألبان كوسوفو، أرغمت حينها القوات الصربية على التراجع.

وفي السابق، اتفق الجانبان خلال محادثات بوساطة الاتحاد الأوروبي على السماح بحرية المرور ضمن اتفاقية أبرمت في العام 2014.

ومع ذلك، قال مسؤولو كوسوفو: إن الاتفاقية قد انتهت صلاحيتها وأن لوحات السيارات المعتمدة في كوسوفو غير مقبولة، وهو ما شكل شرارة البداية للأزمة الأخيرة.

الموقف الدولي

blank
وزارة الخارجية الروسية

على المستوى الدولي، تباينت ردود الأفعال، حيث أبدت وزارة الخارجية الروسية قلقها البالغ إزاء قرار شرطة كوسوفو في المناطق الشمالية من الإقليم منع مرور وسائل النقل عبر الحدود مع أراضي وسط صربيا، اعتباراً من 20 أيلول/سبتمبر “تحت ذرائع واهية” وذلك بممارسة العنف بحق المدنيين.

ولفتت الوزارة إلى أن الحديث يدور بالفعل عن محاولة الألبان المحليين الاستيلاء على المناطق ذات الأغلبية الصربية داخل الإقليم، مضيفة: “نرى في هذه الأحداث استفزازاً يستهدف مواصلة عمليات التطهير العرقي وطرد الصرب من كوسوفو“.

كما حملت الخارجية الروسية “قوات كوسوفو” الدولية التي تحظى بالتفويض الأممي وبعثة سيادة القانون التابعة للاتحاد الأوروبي المسؤولية عن العجز أو التقاعس عن أداء مهامها في ضمان السلام والأمن في الإقليم.

وأوضحت الوزارة، أن جولة التصعيد الجديدة متوقعة في ظل حالة من الجمود في تسوية نزاع كوسوفو، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي الذي منحته الأمم المتحدة دور الوسيط في الحوار بين كوسوفو وصربيا لا يتخذ أي خطوات ملموسة لدفع عملية التسوية إلى الأمام، بينما يرفض زعماء كوسوفو بشكل علني الوفاء بالتزاماتهم.

وأكدت على أنه يجب على السلطات الألبانية في كوسوفو “سحب وحدات الشرطة فوراً من مناطق شمال الإقليم والتوقف عن ممارسات تخريبية والانتقال بجدية إلى مهام التسوية“.

واختتمت الوزارة بيانها بالقول: “يهدد استمرار تصعيد التوترات بمشاكل خطيرة من شأنها زعزعة استقرار البلقان، ونتوقع من الرعاة الأمريكيين والأوروبيين لبريشتينا أن يمارسوا في نهاية المطاف ضغوطات بهدف تفادي سيناريو مدمر يشكل خطراً على المنطقة بأكملها”.

في المقابل، دعا الاتحاد الأوروبي، إلى وقف فوري لأعمال التصعيد في شمال كوسوفو، وتجنب أي استفزازات أو أعمال أحادية الجانب نظرا لتعارضها بشكل مباشر مع مصالح شعوب المنطقة.

وجاء في بيان صحفي نشره الممثل السامي للشئون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، أن الاتحاد الأوروبي يحث القيادة في بلجراد وبريشتينا على اتخاذ نهج مسئول والعمل من خلال الحوار الميسر من جانبنا لتجنب أي مزيد من التصعيد واستعادة جو سلمي والعمل على حلول قابلة للتطبيق، فمن مصلحة الجميع البحث عن طريق للمضي قدمًا بما يتيح حرية الحركة ويحسن حياة الناس اليومية.

وأضاف البيان، الذي نشره بوريل عبر موقعه الإلكتروني الرسمي قبل قليل، أن الحوار الذي يُيسره الاتحاد الأوروبي هو المنصة الوحيدة لمعالجة وحل جميع القضايا المفتوحة، ونحن نحث الطرفين بشدة على الاستفادة الكاملة منه.

وتابع: نؤكد مرة أخرى أن جميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها في عملية الحوار الذي ييسره الاتحاد الأوروبي منذ إنشائه في عام 2011 تظل سارية وملزمة لكلا الطرفين، كما أن الاتفاقات السابقة تشكل عنصرا هاما للتطبيع الشامل للعلاقات بين كوسوفو وصربيا، ومن هنا، يحث الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه كوسوفو وصربيا على الاحترام والتنفيذ الكاملين لجميع التزاماتهما الخاصة بالحوار دون مزيد من التأخير.

بدوره، دعا حلف الناتو إلى وقف التصعيد ونزع فتيل التوتر في المناطق ذات الغالبية الصربية شمالي إقليم كوسوفو.

وكتبت المتحدثة باسم الناتو أوانا لونغيسكو على “تويتر” أن حلف شمال الأطلسي يدعو إلى وقف التصعيد فورا في شمال كوسوفو.

وأضافت: “نحث بلغراد وبريشتينا على حد سواء على ضبط النفس والامتناع عن الخطوات أحادية الجانب والعودة إلى الحوار”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى