هل يستعيد اللبنانيون ودائعهم المحتجزة في المصارف أم ينسونها إلى الأبد؟

مي فارس

كتبت – مي فارس

تحل هذا الشهر الذكرى الأولى لانتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) التي أطلقت سلسلة من الاحتجاجات العابرة للطوائف والمذاهب ووحدت اللبنانيين منذ فترة طويلة ضد الطبقة السياسية بكل أطيافها. وكان رفع تسعيرة خدمة الواتساب الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات التي سرعان ما توسعت لتشمل رفضاً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدت في لبنان منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية في أواخر ثمانينات القرن الماضي.

ولكن على رغم الحماسة الكبيرة التي واكبت الانتفاضة في أسابيعها الأولى فإن إرثها بعد سنتين يقسم اللبنانيين إلى حد كبير، وخصوصاً بعد النكبات التي توالت منذ الانتفاضة، وخصوصاً انهيار النظام المصرفي وما تلاه من تجميد لودائع القسم الأكبر من اللبنانيين وقت استطاع نافذون تهريب أموالهم على رغم القيود التي فرضتها المصارف.

انهار النظام المالي عام 2019 بسبب عقود من الفساد والهدر في الدولة والطريقة غير المستدامة التي كان يجري تمويلها بها. وكان المفجر هو تباطؤ تدفقات العملة الصعبة إلى النظام المصرفي الذي أفرط في إقراض الحكومة.

ومذ ذاك، جمدت البنوك ودائع العملاء ومنعت تحويل النقود إلى الخارج. ورفع مودعون دعاوى قانونية متهمين المصارف بالإهمال والاحتيال وسط مخاوف من تبدد مدخراتهم.  

وعمقت الإجراءات الاحترازية التي فرضتها السلطات لمكافحة الجائحة الأزمة القائمة في بلد شهد المودعون تهاوي قيمة مدخراتهم بسبب ارتفاع الأسعار وضعف العملة المحلية وفرض قيود وصلت في بعض الأحيان إلى السماح بسحب 100 دولار في الأسبوع فحسب.

مع تأليف حكومة جديدة عقب مراوحة استمرت أكثر من سنة، نتيجة المماحكات السياسة والطائفية، يعود موضوع الودائع بقوة إلى الواجهة.

وهذه الودائع بغالبيتها تعود إلى ما كان يعرف بالطبقة الوسطى وإلى من أودعوا جنى أعمارهم في المصارف، وتمكنت السياسات المالية الخاطئة  من  مصادرتها، قبل منحهم فتاتاً منها، مترافقاً مع إذلال ممنهج.

وتظهر أحدث البيانات المصرفية أن  قيمة إجمالي الودائع  تبلغ نحو 135 مليار دولار، بينها نحو 32 مليار دولار محررة بالليرة، ومحتسبة بسعر 1507 ليرات فقط للدولار الواحد، علماً أن قيمته في السوق السوداء هي 17 ألف ليرة.

واليوم  على عتبة التفاوض مع صندوق النقد الدولي للبحث في حلول لديون الدولة والمصارف، تسود سيناريوات متفاوتة في شأن مصير أموال المودعين، وسط مخاوف من أن تأتي الحلول للديون الضخمة للدولة اللبنانية على حسابهم.

ففي مسعاها للحصول على دعم صندوق النقد الدولي، تواجه السلطات اللبنانية سؤالاً صعباً يتحاشاه منذ انهيار الاقتصاد قبل عامين: كيف سيوزع الخسائر الضخمة الناجمة عن انهياره المالي؟

في الشكل تبدو الإجابة بسيطة ولكن مؤلمة، ومفادها أن المواطنين هم من يدفعون الثمن وهم يشاهدون المدخرات تتبخر والعملة تنهار والسلع الأساسية تختفي.

فلا تأتي الحلول على حسابهم، لأمرين أساسيين، أولهما إعادة ترميم صورة المصارف اللبنانية أمام المودع اللبناني والأجنبي إذ إن عدم ترميم هذه الصورة واستعادة الثقة لن يعيد إحياء المصارف من جديد، ولن يجذب مودعين ولا مستثمرين جدد. وثانيها إعادة الثقة بالدولة اللبنانية ككل، وإعادة ربط اللبناني بدولته، فلا يصبح مقيماً برسم الهجرة ينتظر بفارغ الصبر أي تأشيرة تحمله إلى أي دولة في العالم.

حتى الآن، لا أجوبة حاسمة في شأن مصير الودائع. وبالنسبة إلى صغار المودعين، الذين تقل قيمة أموالهم في المصارف عن 50 ألف دولار أميركي، كرّس تعميم 158 مساراً خاصاً لتصفية هذه الودائع، عبر تقسيطها على مدى فترة تتجاوز الخمس سنوات، وبدفعات شهريّة نصفها بالدولار النقدي والنصف الآخر بالليرة وفقاً لسعر صرف 12,000 ليرة للدولار.

هذا المسار ألحق إجحافاً بهؤلاء نتيجة سداد نصف المبلغ بالليرة وبسعر صرف يقل عن سعر الصرف الفعلي في السوق، ورغم أن التعميم استثنى فئات واسعة من صغار المودعين، وأبرزهم أصحاب الودائع التي تحرّكت بين الحسابات بعد 17 تشرين الأول. وفي كل الحالات، لا شيء يضمن أن المصارف ستمتلك السيولة اللازمة للاستمرار بسداد نصف الدفعات بالدولار بعد رأس السنة. 

لم يرض هذا الحل لبنانيين كثراً، ولم يمض به إلا من كان رصيده لا يتجاوز عشرة إلى عشرين ألف دولار، وخصوصاً أنه تعين توقيع وثائق تخوف كثيرون من أن تقيد سحوباتهم في المتقبل.

وعن الودائع الأكبر حجماً، يقول الخبير المالي إلياس الزغبي في تصريحات لـ«شبكة رؤية»، أن الاقتطاع من الرساميل المصرفيّة لحل أزمة ديون الدولية اللبنانية الخسائر بشكل جذري ليست مطروحة جدياً حتى الآن، والحل الوحيد الظاهر حالياً هو تطبق نوع من “الهيركات الصريح أو المقنّع على الودائع الكبيرة.

ويوضح أن أشكال الهيركات المقنّعة على الودائع الكبيرة قد تشمل تحويل نسبة منها إلى العملة المحليّة، بأسعار صرف مجحفة، بالإضافة إلى تحويل هذه الودائع إلى سندات طويلة الأجل.

ويجمع خبراء أن هذه الأفكار تناقش حالياً بشكل جدّي في أروقة مصرف لبنان، على أعتاب استئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وفق خطة اقتصاديّة جديدة تقلص فجوة خسائر المصارف.

ربما يعجبك أيضا