التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

الموضة المستدامة.. استراتيجية خضراء تغزو عالم الأزياء

أماني ربيع

أصبح الكثير من مصممي الأزياء العالميين حاليا، حريصون على تقديم عروض أزياء صديقة للبيئة خلال فعاليات الموضة المختلفة.

وفي أسبوع الموضلة بندن هذا العام، قدم مصمم الأزياء هاريس ريد 10 تصميمات مختلفة معاد تدويرها من ملابس تبرعات منظمة أوكسفام الخيرية، في إطار حملة “Second Hand “الذي نظمته المؤسسة الخيرية سبتمبر الماضي، بهدف تشجيع الناس على شراء ولابس معاد تدويرها، والتبرع بالملابس التي لا يحتاجونها.

وأصبح واضحا خلال فعاليات أسابيع الموضة العالمية الأخيرة، وجود نقلة نوعية في تنمية الصناعة المستدامة، من خلال منع المصممين من استخدام الفرو الطبيعي في تصاميمهم، وقد التزمت العديد من دور الأزياء بهذا القرار، من بينها بربري Burberry وجوتشي Gucci وفرساتشي Versace، حيث كانت مجموعاتهم خالية كلياً من الفرو الطبيعي.

 فيما قامت علامات أخرى أمثال أديداس Adidas وg-star باستخدام مواد قابلة للتدوير كاستخدام عبوات بلاستيك تمّ جمعها من نفايات المحيط، واستخدامها في صناعة الملابس.

صناعة ملوِثة

blank

وكانت بعض العلامات التجارية قد بدأت منذ سنوات في صناعة ملابسها بطرق إيكولوجية ومنهم: ستيلا مكارتني التي لم تستخدم أيّ من المنتجات الحيوانية في تصميم وتنفيذ تصاميمها، وغيرها من المصممين الذين استخدموا خامات صديقة للبيئة تم تصنيعها في ظروف عمل أخلاقية.

وتلعب الموضة دورا رئيسياً في الاقتصاد العالمي، حيث تعد صناعة الأزياء واحدة من أكبر الصناعات على المستوى العالمي، وتبلغ عائداتها ملايين الدولارات سنوياً، لكن التغييرات المناخية بسبب التلوث، أصبحت تقتضي إحداث وعي لدى الناس للمحافظة على الطبيعة حولنا، وهو أمر يتضمن صناعة الموضة، حيث أصبح من الضروري إنتاج أزياء مناصرة للبيئة، وفي نفس الوقت مواكبة للصيحات الرائجة وبخامات مستدامة.

وعلى مدى العقود الماضية ، كانت صناعة الأزياء، وخاصة صناعة الأزياء السريعة، وتعني تصميمات الملابس التي تنتقل بسرعة من المصانع إلى المتاجر لتلبية الاتجاهات الجديدة، واحدة من أكثر الصناعات ضررًا بالبيئة في العالم، حيث تنتج 10٪ من انبعاثات الكربون في العالم وتلوث المحيطات بجزيئات بلاستيكية دقيقة.

ويجري سنويا استهلاك ما بين 80 مليار و100 مليار قطعة ملابس، أي ما يمثل 12 أو 14 قطعة للشخص، ويؤدي كم الإنتاج الهائل للملابس لتسميم الكرة الأرضية.

كما تعتبر صناعة الأزياء أيضًا ثاني أكبر مستهلك للمياه على هذا الكوكب، ومن المتوقع أن يصل إجمالي مخلفات الأزياء بحلول 2030 إلى 148 مليون طن حول العالم.

ويأمل العديد من صناع الموضة إلى توسيع حركة الأزياء المستدامة لتشمل العديد من دور الأزياء العالمية كي تصل قيمة المخلفات الناتجة عن كافة أنشطتها الصناعية الى “صفر نفايات” مع حلول عام 2030.

أزياء إيكولوجية

blank

من هنا جاءت فكرة الموضة المستدامة أو ما يسمى بالأزياء الإيكولوجية أو الأزياء الصديقة للبيئة، وهي جزء من فسلفة جديدة في عالم تصميم الأزياء، تهدف الى ايجاد نهج صديق للبيئة، يمكن دعمه لأجل غير مسمّى.

ويرافق هذا النهج الجديد جميع المراحل التي يمر فيها تصنيع الملابس وإدخال منسوجات قابلة للتدوير، قليلة التلوث، منخفضة الاستهلاك، وقليلة تأثرات الكربون في عملية التصنيع بطريقة مستدامة.

وتندمج الموضة المستدامة مع “الموضة الأخلاقية”، حيث ترتكز على مبادىء أخلاقية ضد استغلال العمال في مصانع النسيج وحصولهم على أجور عادلة، وتوفير ظروف عمل صحية وآمنة لهم.

وخلال جائحة كورونا، تمت إعادة تشكيل صناعة الأزياء بشكل جذري، لتصبح أكثر تصالحا مع البيئة، لكن كلمة الاستدامة بوقعها الرنان هي تحدٍ كبير وصعب في قطاع الموضة.

وبدأت العديد من شركات الملابس بتحول في نماذج تصميماتها، وتحسين سلاسل التوريد الخاصة بها لتقليل التأثيرات البيئية الشاملة، وتحسين الظروف الاجتماعية في المصانع، كما ازداد أيضا وعي المستهلكين وبخاصة الشباب.

ومع تزايد الوعي بشكل مطرد، أصبحت صناعة الموضة، وهي إحدى الصناعات الأكثر تلويثا على كوكب الأرض، مضطرة لأن تُظهر بجانب حسها الجمالي والمبهر، مدى مراعاتها للبيئة.

وتقول خيما جوميز، مديرة عروض أزياء (Show Fashion Next) إن “المستهلك الآن أصبح لا يركز فقط على الجانب الجمالي للملابس، بل يذهب لأبعد من ذلك، فهو يريد معرفة كيف وأين صنعت”.

وبدأت متاجر التجزئة الشهيرة مثل: ” Zara، Mango، H&M” في زيادة حصتهم من الأزياء المستدامة بشكل كبير هذا العام مقارنة بعام 2021.

وتعتبر أقمشة الدنيم والجينز الأكثر شعبية في الملابس المستدامة، كذلك التيشيرتات والقمصان، بينما الفساتين لا تمثل سوى 3% من إجمالي صناعة الموضة المستدامة، وكذلك البلوزات والسراويل، ويرجع البعض ذلك إلى استمرار العمل في المنزل لدى الكثير من الشركات، حيث لم يعد الالتزام بارتداء ملابس أنيقة أو رسمية أمرا ضروريا.

لكن مازالت الموضة المستدامة بحاجة لمزيد من الدعاية، لأنه لازال المستخدمون يعتقدون أن إلصاق كلمة مستدام بالملابس يعني أنها غير عصرية وباهظة الثمن.

كيف نطبق مفهوم الموضة المستدامة؟

blank

وهناك أشكال عديدة لتطبيق مفهوم الموضة المستدامة، فالبعض يراها ممثلة في صنع الملابس بطرق صديقة للبيئة، بينما يرى الآخرون أن تبادل الملابس المستعملة والقديمة وتأجيرها وإعارتها للآخرين أو إعادة تدويرها  بدلا من شراء المنتجات الحديثة خطوة أفضل نحو الاستدامة.

وهناك طرقا مختلفة لإنتاج واستهلاك الأزياء الأكثر استدامة، منها تصنيع الأثواب حسب الطلب بجودة عالية تدوم لفترة طويلة وبطريقة صديقة للبيئة مع مراعاة الجوانب الأخلاقية خلال مراحل التصنيع، وبعد أن تصل للمستهلك، يجب أن يتم استخدامها لفترة طويلة عبر العناية الجيدة والإصلاح وإعادة التصميم، وإذا أصبحت قطعة الملابس غير مرغوب بها، يمكن منحها لمتجر لبيع الملابس المستعملة، أو للجمعيات الخيرية، أو منحه للأصدقاء والأقارب، وهناك متاجر على الإنترنت لتبادل الملابس، وبهذا تطول دورة عمر المنتج، الذي قد يتم استخدامه في صناعة ملابس جديدة.

وبالطبع قد لا تناسب هذه الأشكال جميع الأشخاص، فلك إنسان تفضيلاته المختلفة، وفيما يتعلق بالاستهلاك تميل الفئة العمرية الشابة لتجديد خزانة الملابس باستمرار، عكس الفئات الأكبر سنا، خاصة وأن الملابس المستدامة قد تكون أعلى سعرا مقارنة بالملابس المصنعة بالطريقة التقليدية.

تقليل النفايات

blank

ومن أجل تقليل النفايات الناتجة عن صناعة الأزياء، أصبح هناك اتجاها لاستبدال الألياف الصناعية بالألياف الطبيعية الموجودة في الطبيعية، وهي مواد خام قابلة للتحلّل الحيوي لا تتطلب مواد سامة لاستخراجها ومعالجتها، منها ألياف السيلولوز أو الألياف النباتية التي تشمل القطن العضوي الذي يتم مزجه بألياف نباتية أخرى كالكتان، والصويا والقنّب والجوت والحرير والصوف والخيزران الذي يعد أحد الموارد الأكثر استدامة في العالم، وذلك بفضل سرعة نموه وعدم حاجته للمبديات، فضلاً عن ألياف البروتين أو الألياف الحيوانية.

ويعد القطن والنيلون والبوليستر والصوف من ضمن الأنسجة المعاد تدويرها وهي من بين الأنواع الأكثر استخداما في قطاع صناعة النسيج، لكنها ليست صديقة للبيئة، فعلى سبيل المثال: تمثل زراعة القطن 3% فقط من إنتاج النسيج، ويستهلك 25% من مبيدات الحشرات والآفات المستخدمة، ، كما يحتاج1 الكيلو جرام الواحد من القطن الخام إلى نحو 13 ألف لتر من الماء لزراعته ولمعالجته وصبغه لاحقا.

ويتم تصنيع البوليسترمن مواد بترولية غير قابلة للتدوير، أما الملابس المصنوعة من الفيسكوز، فتسبب التصحر وتؤثر سلباً على البيئة المحيطة.

ومنذ أعوام، كان العمل بالخيط المعاد تدويره مرادفا للفقر وسوء الجودة، واليوم أصبح قيمة مضافة، كما أنه يساعد على ترشيد استهلاك الماء والطاقة، ويقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ويتيح الاستغناء عن المبيدات الحشرية والمنتجات الملوثة، ويقلل مساحة الأرض المخصصة لمستودعات القمامة.

لكن الثياب ليست قمامة، نرميها بمجرد أن نفقد حاجتنا لها، فيمكنها أن تحظى بأكثر من حياة، بفضل إعادة التدوير، المتمثلة في جمع بقايا الأقمشة والثياب المستعملة والملابس الجديدة التي لم تبع، ومنها تتم صناعة قطن مستدام.

 وتتم صناعة القطن المستدام عبر تصنيف الملابس على أساس ألوانها ثم تقطع إلى قطع صغيرة لاستعادة القطن، ثم يتم خلطه بألياف أخرى يتم استخلاصها من الزجاجات البلاستيكية للحصول على خيط جديد يسمى “Recover”، وهو منتج مستدام تماما ويستخدم في حياكة ثياب جديدة تطرح للبيع في أماكن تقوم أيضا بجمع ملابس لم تعد تستخدم، وهكذا تكتمل الدورة.

الموضة الأخلاقية

blank

وثمة أمر أخر، حيث يجب أن يأخذ المستهلك بعين الاعتبار قبل شراء أيّ قطعة ملابس، مدى تأثيرها الضار على البيئة والظروف غير الإنسانية التي يعاني منها العمال داخل مصانع النسيج، أيّ ألا يركز المستهلك على المنحى الجمالي للأزياء التي يرغب باقتنائها، بل أن يذهب أبعد من ذلك ويطلع على كيفية ومكان صنعها، ويتأكد أنها ثيابا مصنوعة مع مراعاة المعايير الأخلاقية وليست ثمرة للاستغلال الفقراء.

وبمجرد أن يكون سعر قطعة الملابس منخفضا لحد غير منطقي فذلك إشارة تنبيه لوجود أشخاص يعيشون تحت خط الفقر، أغلبهم من النساء الآسيويات والأفريقيات وأحيانا الأطفال، تم استغلالهم، ولا يحصلون إلا على 0.5% إلى 4% فقط من قيمة سعر المنتج النهائي، كي يرتدي المستهلك ثيابا جيدة مقابل سعر زهيد، لذلك بدأت العديد من دول الأزياء العالمية على وضع ختم خاص على أزيائها أزيائها يتعرف من خلاله المستهلك على أنها ملابس صنعت وفقا للمعايير الإيكولوجية والإنسانية.

وعلى خلفية انهيار مصنع ملابس في مبنى “رانا بلازا” في بنجلاديش عام 2013، في حادث دامٍ أودى بأرواح 1134 شخصا، نشأت منصة “Fashion Revolution لنشر الوعي من أجل تجنب الإقبال على الملابس المصنعة عبر استغلال العمال، وهي حركة انضمت لها ستيلا ماكارتني وفيفيان ويستوود وكريستي تورلينجتون.

وهكذا تحتاج مجتمعاتنا اليوم إلى الوعي بأن الأناقة لا تتطلب تغيير الثياب بشكل دائم، بل اختيار الملابس ذات تاريخ طيب وعمر مستدام، وهذا الأمر ليس على سبيل الترف والوعظ، بل من أجل الحفاظ على موارد الكوكب من التناقص المتزايد وتقليص نسب تلوث البيئة، لأجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى