التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

عشر سنوات على صفقة شاليط ..الخوف الإسرائيلي من تكرار الفشل

كتب – د.محمد عبدالدايم

في يوليو 2005 بدأ الجندي جلعاد شاليط خدمته العسكرية الإلزامية بالجيش الإسرائيلي، وتحديدا في سلاح المدرعات، وفي فجر 25 يونيو 2006، كان رفقة زملاء آخرين من لواء جفعاتي (أحد ألوية الجيش الإسرائيلي بقيادة المنطقة الجنوبية)، وفوجئ الجنود المتحصنين في مدرعة عسكرية بهجوم مباغت نفذه مقاتلون فلسطينيون من فصائل فلسطينية غزاوية، بعدما وصلوا عبر نفق حفروه إلى موقع كيرم شالوم الواقع على الحدود بين رفح الفلسطينية وإسرائيل.

تعرضت المدرعة لهجوم من المقاتلين الفلسطينيين، فقُتل اثنان من الجنود، وأصيب خمسة، فيم اختفى شاليط، وظنت إسرائيل أن حماس سحبت جثته إلى غزة، حتى فوجئت بإعلان وجوده على قيد الحياة.

لخمس سنوات؛ ظل شاليط أسيرا لدى حماس في غزة، خمس سنوات من التخبط الإسرائيلي، ضغوط مجتمعية، وارتباك سياسي، فعاليات مستمرة لوالدي الجندي من أجل الضغط على حكومة إسرائيل للإفراج عن ابنهما، بأي ثمن، ودفعت إسرائيل الثمن في 2011، عاد الجندي الأسير مقابل الإفراج عن 1027 من الأسرى الفلسطينيين، منهم نساء.

بعد جهود مصرية، ورعاية للصفقة، ووساطة بين الطرفين، أفرجت حماس عن جلعاد شاليط، وسلمته للسلطات المصرية في 18 أكتوبر 2011، فيما سلمت إسرائيل 477 أسيرا فلسطينيا للصليب الأحمر الدولي، وفي 18 ديسمبر 2011 أفرجت إسرائيل عن 550 أسيرا.

في الذكرى العاشرة لصفقة الإفراج عن جلعاد شاليط، تنوح الآلام الإسرائيلية مجددا، ويستمر الجدل العنيف بين أطراف الصفقة حينئذ، والمسؤولين السياسيين السابقين والحاليين، خصوصا مع الحديث عن وساطة مصرية لتنفيذ صفقة تبادل أخرى، تسترد بموجبها إسرائيل 4 من أفرادها، اثنان منهم مجندين بالجيش، واثنان من المدنيين.

استسلام كامل

سقط جلعاد شاليط أسيرا لدى حماس في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرط، حيث تولي منصب رئيس الحكومة رسميا في مايو 2006 خلفا لأريئيل شارون، وخرج من الحكومة منهزما على يدي تسيبي ليفني في 2009، دون أن ينجح في تحرير شاليط، أو يحقق نجاحا يُذكر في فترة رئاسته، وأصبح فيم بعد رئيس الحكومة الإسرائيلية الوحيد حتى الآن الذي تم سجنه فعليا بعد اتهامات له بالفساد والرشوة، وحُكم عليه عام 2016 بالسجن، وخرج بعفو في يوليو 2017.

مؤخرا؛ في تصريح له عن صفقة شاليط، أثار أولمرت زوبعة كبيرة في إسرائيل، حيث كرر اعتراضه على الصفقة التي اضطرت إسرائيل بموجبها أن تطلق سراح 1027 فلسطينيا مقابل جندي واحد، حيث اتهم أولمرت القائمين على الصفقة بالفشل الذريع، والتنازل عما أسماه “قيم إسرائيل”، بالإفراج عمن تعتبرهم “إرهابيين”، والأكثر من ذلك أن أولمرت اتهم شاليط مباشرة بالهروب من المعركة، حيث زعم أن الجندي السابق بالجيش “لم يرفع سلاحه ليطلق رصاصة واحدة يدافع بها عن موقعه وعن زملائه، بل استسلم بخنوع وألقى سلاحه، ليبقى على قيد الحياة”.

جاء رد فعل عائلة شاليط على تصريح أولمرت عنيفا، وليس العائلة وحدها، بل المسؤولين السياسيين بحكومة نتنياهو التي نفذت صفقة إطلاق سراح الجندي، لكن أولمرت لم يخضع لردود الأفعال العنيفة، وأصر على رأيه بأن شاليط استسلم “استسلاما كاملا لخاطفيه”، وأضاف: “في عام 2011، قرر نتنياهو إنهاء صفقة أطلقنا فيها سراح القتلة ذوي الوزن الثقيل، والتي تضمنت ما لم أكن حتى على استعداد للتفكير فيه”.

في المقابل، صرح إيهود باراك، رئيس الوزراء السابق، ووزير الدفاع إبان تنفيذ الصفقة، بأنها كانت صفقة “إشكالية للغاية”، لأن المسألة مرتبطة بقضايا “أمن قومي إسرائيلي” لا تحتمل التفاوض عليها، وتتمثل في عدم الإفراج عمن تعتبرهم إسرائيل “إرهابيين”، وفي الوقت نفسه فإن البعد “الإنساني” للصفقة كان ضاغطا على حكومة نتنياهو، خصوصا بعد التأكد من وجود شاليط على قيد الحياة.

blank

الحي أبقى من الميت

بالنسبة لإسرائيل، كان مقتل شاليط في العملية التي نفذتها عناصر حماس ليكون أقل ضررا، فالتفاوض على إعادة جثة جندي، أو رفاته، مختلف عن التفاوض حول إعادة جندي على قيد الحياة، ينظم والديه مظاهرات شبه يومية، ويضغطان على الحكومة الإسرائيلية لإعادته “مهما كان الثمن”، ولم تكن إسرائيل لتخاطر بتنفيذ عملية عسكرية باجتياح غزة، لأنها لم تحصل طوال 5 سنوات على معلومات موثقة حول موقع أسر شاليط، كما أن أية مغامرة استخباراتية، أو عسكرية على أيدي قوات المستعربين، أو الجيش، كانت لتؤدي إلى ارتفاع احتمالية مقتل الأسير شاليط نفسه، وفي هذه الحالة تكون هزيمة كبيرة لحكومة نتنياهو وللجيش الإسرائيلي، هزيمة كانت تعني إزاحة قيادات كبيرة بالحكومة والموساد والجيش.

في المقابل، تحركت حماس لإتمام صفقة التبادل، لأنها أرادت الاستفادة بوجود شاليط على قيد الحياة، ولا تضمن إلى متى سيظل حيا وهو بحوزتها، فقد كانت تخشى أن يحدث له شيء، فالجندي السليم سوف يجلب الكثير من الأسرى المفرج عنهم.

blank

اعتبر زعيم المعارضة الحالي، رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، أن تنفيذ صفقة شاليط بمثابة “نجاح كبير” لحكومته آنذاك، ورغم أن قبولها صعبا، فإنها تظل “صفقة التبادل الأكبر في تاريخ إسرائيل”.

صفقتا جبريل وتاننبويم

blank

لم تكن صفقة شاليط هي الأولى، بل سبقتها صفقتان كبيرتان، فهناك صفقة كبيرة معروفة بـ”صفقة جبريل”، أبرمتها إسرائيل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جبهة أحمد جبريل، وتم توقيعها في 21 مايو 1985، وأفرجت إسرائيل بموجبها عن 1150 أسيرا فلسطينيا، في مقابل الإفراج عن ثلاثة جنود من الجيش الإسرائيلي، قبضت عليهم الجبهة إبان الحرب الأولى على لبنان عام 1982.

وفي عام 2004 نفذت إسرائيل صفقة تبادل كبيرة مع حزب الله اللبناني، حيث أفرجت عن 400 أسيرا فلسطينيا، بالإضافة إلى 35 أسيرا من سوريا ولبنان والسودان وليبيا وبريطانيا وألمانيا، وكذلك 59 جثمانا للبنانيين، في مقابل إفراج حزب الله عن تاجر مخدرات إسرائيلي، يدعى إلحانان تاننبويم، كان في السابق ضابط إحتياط في سلاح المدفعية الإسرائيلي، وفي إطار صفقة مخدرات كان متورطا فيها اختطفته قوات حزب الله، ثم أفرجت عنه في صفقة التبادل ومعه جثث ثلاثة جنود إسرائيليين.

صفقة تاننبويم تحديدا أثارت جدلا عنيفا، لأن إسرائيل استعادت رفات ثلاثة من جنودها، بجانب مواطن متورط بتجارة مخدرات، في مقابل المئات من الأسرى العرب، لكن بعد مرور عشر سنوات على صفقة شاليط، تظل الأخيرة يضج صداها داخل إسرائيل، وتؤرق مضاجع المسئولين السابقين والحاليين.

الخوف من الثمن الكبير

مع تنفيذ صفقة شاليط، وكل عام في ذكراها يظهر الجدل الجماهيري والسياسي والإعلامي حول الثمن “الكبير” الذي دفعته إسرائيل لقاء الإفراج عن جندي واحد، ومن هنا يأتي التخوف الإسرائيلي من تنفيذ صفقة التبادل الجديدة، برعاية مصر، والتي تسعى إسرائيل بموجبها للإفراج عن جندييها هدار جولدين وأورون شاؤول، اللذين أُسرا في 2014، ولم تتبين إسرائيل حتى اليوم من وجودهما على قيد الحياة، ومع الجنديين اثنين من مواطني إسرائيل المدنيين، أحدهما من فلسطيني الداخل، والآخر إسرائيلي من أصل إثيوبي، يدعى أفيرا منجيستو، يعاني اضطرابات نفسية، دخل غزة عن طريق الخطأ.

مؤخرا؛ نقلت وسائل إعلامية فلسطينية وإسرائيلية أن حكومة نفتالي بينط، اشترطت الحصول على تصوير موثق للجنديين الأسيرين في غزة جولدين وشاؤول، قبل المضي قدما في مفاوضات صفقة التبادل مع حماس برعاية مصرية، فيم طلبت حماس في المقابل الإفراج عن الأسيرات الفلسطينيات والأطفال والمرضى، إضافة إلى أسرى صفقة شاليط المفرج عنهم، والذين أعادت إسرائيل أسرهم مجددا.

blank

نقلت إسرائيل إلى حماس، عبر الوسيط المصري، عدم استعدادها في الوقت الحالي لإبرام صفقة تبادل أسرى، خشية انهيار الائتلاف الحكومي، الذي يقف بالكاد على قدميه، ولا يرغب نفتالي بينط بالتأكيد أن يواجه معارضة نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي بموافقته على الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، خصوصا بعد حادثة هروب الأسرى الستة من سجن جلبواع.

مسألة الثمن الذي دفعته دولة إسرائيل كانت ولا تزال السؤال الأكثر إثارة في قصة إطلاق سراح جلعاد شاليط، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن إسرائيل لا تزال تتصارع مع مسألة عودة جنديين ومدنييين، وحتى الآن باءت كل المحاولات بالفشل، بما في ذلك تشكيل لجنة برئاسة رئيس المحكمة العليا المتقاعد الذي أوصى بوضع خطوط حمراء واضحة للمفاوضات مع الفصائل الفلسطينية.

blank

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى