التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

حتى في الموت لا راحة للفلسطينيات من العذاب!

كتب – محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – لم يؤثر عن عنصرية النازيين أن لاحقوا ضحاياهم بعد قتلهم، فقد كانت حدود جرائمهم تنتتهي عند القتل، إلا أن ما زعموا أنهم كانوا ضحايا هذه الجرائم (الإسرائيليين) تخطت بشاعة جرائمهم اليوم، حدود النازية والفاشية، حيث المرأة الفلسطينية هي الأم والأخت والزوجة.. هي أكثر المتضررين من هذه الجرائم.

وبمناسبة اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية (26-10) من كل عام، تستعرض شبكة “رؤية” أشكال معاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي.

الاحتلال يُلاحق الفلسطينيين فوق الأرض.. وتحتها

في مشهد يعكس عمق معاناة الأم الفلسطينية حتى بعد فقدان فلذة كبدها، ظهرت سيدة مقدسية في مقطع فيديو وهي تحتضن قبر ابنها في المقبرة اليوسفية قرب باب الأسباط شرق البلدة القديمة من القدس المحتلة، بالتزامن مع قيام الاحتلال بأعمال حفريات وتجريف للقبور هناك لإقامة مشاريع تهويدية، حيث ألقت الخمسينية علا نبابتة بجسدها على قبر ابنها  لدى محاولة جرافات الاحتلال وضع التراب عليه في إطار عمليات حفريات تخريبية يجريها الاحتلال بالمكان.

الأم المكلومة رفضت الانصياع لطلبات جنود الاحتلال وواصلت احتضان قبر ابنها علاء الذي توفي قبل 4 سنوات وهو في سن الثلاثين من عمره، إلى أن أجبرها جنود “حرس الحدود” بالقوة وعبر الاعتداء عليها على إخلاء المكان، وظلت تصرخ: “ادفنوني هنا”، والدموع تنهمر بغزارة من المرأة، التي ارتدت حجابا وجلبابا أسودَين.

وقالت نبابتة: “قبر ابني هنا ..على جثتي فقط سيجرفوه، أنا هنا يوميا، والآن حاولوا منعي من الوصول”، وظلت تكرر: “هذا قبر ابني، لن أسمح لهم بأن يجرفوه ولو على جثتي، هنا مدفننا، أين ندفنهم، اتظلون (الاحتلال) تلاحقوننا أحياء أو أمواتا”.

وقالت: “أنا كأمّ، ماذا تعتقد كيف ستكون مشاعري وأنا أشاهدهم يحاولون تجريف قبر ابني؟ ألم ووجع وحسرة”.

وتتعرض المقبرة اليوسفية إلى هجمة إسرائيلية ممنهجة ومستمرة، وعمليات حفر وتجريف، وصلت إلى مداميك أثرية قريبة من عتبة باب الأسباط، وذلك تمهيدا لإقامة “حديقة توراتية”، وتعد المقبرة إحدى أشهر المقابر الإسلامية في المدينة المقدسة، وتقع على ربوةٍ مرتفعةٍ تمتد من الزاوية الشمالية لباب الأسباط، ومنها إلى ناحية الشرق بحوالي 35-40 مترا.

blank

في فلسطين.. أمنية الأم أن ترى جثمان ابنها

بشكل يومي  تزور والدة الشهيد يزن منذر أبو طبيخ (19 عاماً) الذي استشهد قبل أكثر من عام، ضرح ابنها وتذرف الدمع فوقه، إلا أن قبر ابنها ليس ككل القبور، فهو قبر مفتوح لا جثمان فيه، فقط تعلو حجارته صورة ليزن (الشهيد) وتنتشر عشرات الأنواع من الورود على جانبيه، وفي محيطه.

ام الشهيد معلمة مدرسة لا تطأ قدامها منزلها قبل أن تزور قبر ابنها، عقب انتهاء وظفيتها، تسقي وروده ونتظف محيطه من الأعشاب والأشواك، وتقرأ الفاتحة وتغادر.

” كان يزن طالبا متميزا في دراسته الجامعية، لكنه استشهد قبل أن يكمل سنته الأولى، له أربعة أشقاء، واليوم هو مجرد رقم وجثمان محتجز في ثلاجات الاحتلال.

ففي فلسطين قرابة 336 قبرا مفتوحا لجثامين شهداء بعضهم محتجز منذ 50 عاما في مقابر الأرقام وأخرى في ثلاجات ضمن سياسة دأب الاحتلال عليها لقهر العائلات الفلسطينية حيث ترفض تسليمهم أبنائهم  لتشييعهم ودفنهم، في واحدة من ابشع سياسات العقاب الجماعي ضد الموتى والاحياء على السواء.

الطبيعي هو أن يدفن الأبناء آبائهم وامهاتهم، والطبيعي أيضا أن يحزن الآباء على موت أبنائهم لكن في فلسطين ما يحدث هو العكس فالآباء هم من يدفنون أبناءهم نتيجة الموت غير الطبيعي برصاص الاحتلال، والحزن الأكبر ليس على الموت بل على العقاب ما بعد الموت، بتمني وداع أخير وقبر يغلق على جثامين الأبناء.

وكانت الإذاعة الإسرائيلية العامة قد نقلت عن رئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينت، قبل عامين تعليماته إلى الأجهزة الأمنية المختصة (الجيش والمخابرات العامة الشاباك) بتجميد سياسة تحرير جثامين الشهداء المحتجزة لدى سلطات الاحتلال.

الأم بلا معين.. بعد احتجاز العون في سجون الاحتلال

 نايفة زيد الكيلاني (أم عسكر) ستينية  تعاني الأمراض والاوجاع تقطن سوق الحدادين في نابلس القديمة، التي كانت تأوي المطاردين والمقاومين الفلسطينيين في انتفاضة الأقصى غير آبهة بعقاب الاحتلال وإجراءاته التي تعدّت حد إصابتها واعتقال زوجها أبو عسكر إلى التهديد بالاغتيال.

ومع زوجها واصلت أم عسكر نضالها مضحية بكل شيء، فكانت لهم الأم والطبيبة والعين الساهرة التي ترقب كل صغيرة وكبيرة لتمنع عنهم أي أذى “فهم خلفوا أهلهم وأطفالهم وجاؤوا ليدافعوا عن الوطن”.

استجمعت أم عسكر قواها ثانية، واستطردت تقول إن من “أبنائها المطاردين” بعد كل هذه السنين من قضى نحبه فغدا شهيدا وآخرين يقبعون أسرى في غياهب سجون الاحتلال.

ومن يستشهد يؤتى به إلى أمه “أم عسكر” بمنزلها لتودّعه بالزغاريد، وحبل ودّها لا ينقطع مع من يعتقل منهم وتنتدب حفيداتها لزيارته، فهي ممنوعة من ذلك.

تقول رسالة بعثها الأسير “ساجد” من سجنه إلى أم عسكر “أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهدا، لهذا ليس هناك ما يوفيك حقك يا أمي”.

واشتهرت الحاجة نايفة الكيلاني بلقبها “أم عسكر”، أما هي فلم تنجب سوى ابنة وحيدة، وعرفت “تمويها” باسم “شريفة الكيلاني” وهو ما كان يُحير جيش الاحتلال كلما اقتحم منزلها.

ولم تخض أم عسكر النضال في انتفاضة الأقصى فحسب، وإنما هذا فعلها في انتفاضة الحجارة عام 1987، فكانت تُهرِّب المناضلين وتمدّهم بالطعام والشراب.

وطالما أحبّت أم عسكر النضال وكانت بطليعة المقاومة، فقد ولدت في كنف أسرة ثورية في بلدها ميثلون قرب مدينة جنين (شمال الضفة الغربية).

واكتسبت من والدها الذي كان ينتمي لمجموعة الفهد الأسود (الجناح العسكري لحركة فتح أواخر الثمانينيات) معنى المقاومة، وارتشفت المهابة ورباطة الجأش معا.

ثمة شيء آخر يراه علام كعبي الأسير المبعد إلى غزة وأحد المطاردين الذين احتضنتهم أم عسكر؛ هو كيف شكَّلت نموذجا فريدا “للنضال الفلسطيني المستتر”، فلم تقصد مالا أو شهرة وإنما أرادت ممارسة حنان الأمومة لمن تقطعت بهم السبل.

وختم كعبي حديثه معنا بعبارة “سامحيني أيتها الوفية”، فهو يعد نفسه مقصرا تجاهها، وهو ما علق عليه زاهر الششتري قائلا بشيء من العتاب “إن أم عسكر قصة وطن، وهي لم تأخذ حقها لا سيما أن بعض من آوتهم أصبحوا بموقع المسؤولية”.

لا يزال منزل أم عسكر شاهدا على تفاصيل حكاية نضالها التي يذكرها كل من عاشها، أما هي فكلما أتت على سيرة “أبنائها المقاومين” استنهضت جسمها المنهك وألقت عليهم السلام والمسامحة.

34 أسيرة فلسطينية معتقلة في سجون الاحتلال

34 أسيرة  فلسطينية يقبعن في سجون الاحتلال الإسرائيلي، من بينهنّ ثماني أمّهات وسبع جريحات ومريضات”.

وتفيد دراسات الرّصد والتّوثيق، بأنّ سلطات الاحتلال اعتقلت أكثر من (16) ألف امرأة فلسطينية منذ العام 1967، وكانت أول أسيرة في تاريخ الثورة الفلسطينية هي الأسيرة فاطمة برناوي من القدس، والتي اعتقلت عام 1967، وحُكم عليها بالسّجن المؤبّد، وأُفرج عنها عام 1977.

وأكّد نادي الأسير أنّ سلطات الاحتلال تواصل انتهاك حقوق الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، خلافاً لاتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1987، والتي حظرت المعاملة غير الإنسانية، خلافاً لقواعد الأمم المتّحدة النموذجية لمعاملة السجناء لعام 1955.

وأشار نادي الأسير، إلى أنّ الأسيرات يعشن خلال مراحل الاعتقال ظروفاً لا إنسانية، لا تراعى فيها حقوقهنّ في السّلامة الجسدية والنّفسية والخصوصية، إذ يحتجزن في ظروف معيشية صعبة، يتعرّضن خلالها للاعتداء الجسدي والإهمال الطبي، وتحرمهن سلطات الاحتلال من أبسط حقوقهن اليومية، كحقهنّ في التجمّع لغرض أداء الصلاة جماعةً أو الدّراسة، إضافة إلى انتهاك خصوصيتهن بزرع الكاميرات في ساحات المعتقل، ما يضطر بعضهنّ إلى الالتزام باللباس الشرعي حتّى أثناء ممارسة الرياضة.

كما تحرمهن من حقّهن بوجود مكتبة داخل المعتقل، رغم المطالبات المتكررة لذلك، إضافة إلى حرمانهنّ من ممارسة الأشغال الفنية اليدوية، علاوة على تعرضهنّ للتنكيل بهنّ خلال عملية النقل عبر عربة “البوسطة” إلى المحاكم أو المستشفيات، والتي تستغرق عملية النّقل بها لساعات، ويتعرّضن خلالها للاعتداء عليهن على يد قوّات “النحشون”.

وذكر نادي الأسير، أنّ الاحتلال يعتقل الأسيرات في سجن “الدامون”، وأقدمهنّ الأسيرة أمل طقاطقة من بيت لحم، المعتقلة منذ تاريخ الأول من ديسمبر/كانون الثاني 2014، ومحكومة بالسجن لمدة (7) سنوات، وأعلاهنّ حكماً؛ الأسيرتان شروق دويات وشاتيلا عياد المحكومتان بالسّجن لـ(16) عاماً، وميسون موسى وعائشة الأفغاني المحكومتان بالسّجن لـ(15) عاماً.

وبيّن أنّ من بين الأسيرات الجريحات وأشدّهن معاناة؛ حالة الأسيرة إسراء جعابيص، من القدس، والمحكومة بالسّجن لـ(11) عاماً، والتي اعتقلتها قوات الاحتلال بعد إطلاق النّار على سيّاراتها ما أدّى إلى انفجارها وإصابتها بحروق شديدة شوّهت وجهها ورأسها وصدرها وبترت أصابعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى