التقاريرالصفحة الرئيسيةسياسة

تمرير الميزانية الإسرائيلية.. بوليصة تأمين حكومة «بينيت-لابيد»

كتب – د. محمد عبدالدايم

بعد أكثر من عامين بدون ميزانية، عملت خلالها الحكومة الإسرائيلية دون إطار مستقر أو أفق ثابت -وخلال أربع حملات انتخابية وأزمة كورونا- كان إنقاذ الاقتصاد من الشلل السياسي أسهل من الاتفاق على ميزانية للعامين 2021/ 2022.

لم يكن اجتياز حاجز إقرار الميزانية العامة للعامين الجاري والمقبل بالأمر السهل لحكومة ترتكز على ائتلاف متنافر يتكون من تضم 61 عضو كنيست من مجموع 120، ورغم أن النتيجة ليست مفاجئة كثيرا؛  إن الإثارة التي حدثت في الساعات القليلة قبل الجلسة العاصفة لإقرار الموازنة قد أضفت حمية وكبيرة، وسخونة على الكنيست الذي ينقسم إلى معسكرين متناطحين، ناهيك عن انقسامات أخرى في كل معسكر منهما.

بدأت الإثارة بحملة شعواء شنها حزب هاليكود برئاسة زعيم المعارضة نتنياهو ضد القائمة العربية الموحدة، ثم واصل هاليكود حملته على نفتالي بينط، الذي أصبح رئيسا للحكومة بستة مقاعد في الكنيست، ومن ثم أطلقت عليه المعارضة “سارق الانتخابات”.

بعد ثلاثة أعوام بدون ميزانية عامة لدولة إسرائيل، قام الكنيست بالتصويت على قانون الميزانية للعامين 2021/2022 في جلسات ماراثونية استمرت ثلاثة أيام وانتهت فجر يوم الجمعة 5 نوفمبر، وكان عدم المصادقة على قانون الميزانية سيعني أن إسرائيل ستستمر في أزمتها الداخلية، حيث ستسقط الحكومة الحالية، ويبدأ الجميع الاستعداد لجولة انتخابية خامسة، وهو ما دفع إليه نتنياهو بكامل قوته، لأنه لم يستوعب حتى الآن انتقاله من مقعد رئيس الحكومة إلى مقعد زعيم المعارضة.

بذلك حقق الائتلاف الحكومي بزعامة نفتالي بينط ويائير لابيد نصرا يرسخ أقدامهما، حيث حصل الثنائي على ضمانة قوية، وبوليصة تأمين ضد حل الحكومة الحالية، خلال العام القادم في أقل تقدير.

blank
epaselect ISRAEL PARLIAMENT BUDGET VOTE

إثبات الوجود

في 13 يونيو الماضي ظهرت حكومة بينط- لابيد إلى النور، ولم يكن أكثر المتفائلين يتوقع لها أن تستمر لأكثر من بضعة أشهر، بعد 15 عاما من حكومات نتنياهو،  جائحة كورونا تعصف بالاقتصاد ومنظومة الصحة، تداعيات حملة عسكرية على غزة في أواخر أيام بيبي كرئيس للحكومة، تفكك كبير في النسيج المهترئ للمجتمع الإسرائيلي، مع فقدان ثقة بالشخصيات الحكومية، وهاجس مستمر من تهديد إيران النووي، مع هجمات سيبرانية أصبحت بشكل مستمر، ومعارك بحرية في المياه الدولية بين إسرائيل وإيران، هروب أسرى فلسطينيين من أشد السجون الإسرائيلية تحصينا، وقبل هذا كله: حكومة ائتلافية تجمع الخصوم والمتنافرين ولأول مرة تنال الثقة بدعم من حزب عربي من الداخل الفلسطيني، هو في الأساس ظهير سياسي لحركة إسلام سياسي.

شكلت حكومة بينط- لابيد ائتلافها على أغلبية هشة، مكونة من 61 عضو كنيست، ويقف لها في المعارضة المباشرة 59 عضوا، ليست المرة الأولى التي تنشأ فيها حكومة إسرائيلية على خط النار السياسي، لكن في السابق كانت الحكومات الائتلافية تنجح في ضم كتل أو أفراد من المعارضة، فبنيامين نتنياهو نفسه خلال رئاسته لحكومة 2015 قد نجح في إنقاذ ائتلافه عبر ضم كتلة يسرائيل بيتينو بزعامة أفيجادور ليبرمان، ما منح حكومته أغلبية 66 عضوا، واستمرت بالعمل لمدة عام كامل.

أما حكومة بينط- لابيد فتضم 8 كتل سياسية، بما فيها كتلة القائمة العربية الموحدة، التي حصلت على 4 مقاعد بالكنيست، ولم تحصل على حقائب وزارية، فيم تتمثل الكتل الستة الأخرى في: كتلة يامينا (إلى اليمين) بزعامة نفتالي بينط، وكتلة يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا) بزعامة أفيجادور ليبرمان، وكتلة تكفا حداشا (أمل جديد) بزعامة جدعون ساعر، وهي ثلاث كتل سياسية بأيديلوجية يمينية متشددة، ومعها كتلتين من اليمين يمثلهما ييش عاتيد( يوجد مستقبل) بزعامة يائير لابيد، وكاحول لافان (أزرق أبيض) بزعامة بيني جانتس، وكتلة من الوسط يمثلها حزب هاعفودا (العمل) بزعامة ميراف ميخائلي، وكتلة من اليسار يمثلها حزب ميرتس (قوة/ نشاط).

تضم المعارضة 5 كتل سياسية، ليست متجانسة أيضا، ومن ضمن تركيبتها القائمة المشتركة التي تضم فلسطينيين بالداخل، وانشقت عنها قائمة منصور عباس، وتتزعم المعارضة كتلة هاليكود (التكتل) بزعامة بنيامين نتنياهو، وكتلة هاتسيونوت هادتيت (الصهيونية الدينية)، وتنتمي لليمين الأشد تطرفا، لأنها تعتمد على جمهور من المستوطنين المتطرفين، إلى جانب كتلة شاس الحريدية الشرقية (الاتحاد العالمي للسفارديم حراس التوراة) بزعامة أرييه درعي، وكتلة يهدوت هاتوراه (يهودية التوراة) الحريدية الاشكنازية بزعامة كل من موشيه جفني ويعقوف ليتسمان.

إذن من المستبعد جدا أن تجد حكومة بينط-لابيد كتلة من المعارضة يمكن أن تستميلها للانضمام إليها إذا ما واجهت خطر الحل، بسبب طبيعة تركيبها، وبالمثل بسبب طبيعة تركيب كتلة المعارضة.

التحرك نحو تمرير الميزانية وترقب منتصف نوفمبر

blank

تصويت الكنيست على الميزانية يعتبر منحا للثقة، وهو ما لم يحدث منذ 2018، حيث سقطت السياسة الإسرائيلية في دائرة من الفوضى، رسمها نتنياهو وجلس داخلها على عرش الملك، وأحاط بها من الخارج، داخل سياج من الانتخابات المُرهقة لميزانية الدولة وثقة الناخبين، تفتت كتل سياسة وظهرت أخرى، حتى كاد أفراد المجتمع يؤمنون بأنه لا بديل عن بيبي، ولا يوجد من يمكنه أن يخلفه أو يسد مكانه، حتى جاء التصويت على الميزانية ليحول دون حل هذه الحكومة المُهجنة من خصوم قبل 14 نوفمبر، التاريخ الذي تركزت عليه عيون المعارضة، تاريخ حل الحكومة إذا لم تُمرر ميزانية العامين، الماضي والحالي.

بعد تمرير الميزانية رسميا، بالقراءتين الثانية والثالثة، انخرط الائتلاف الحكومي في احتفالاته، صور سيلفي وعناق وقبلات، أخيرا انتشى نفتالي بينط بنصر مُعزز على نتنياهو، وساعده شريكه الجديد يائير لابيد ووزير المالية أفيجادور ليبرمان، بالتأكيد لن توقف الميزانية غضب اليمين المتشدد على بينط، ولن ينال لابيد اليميني العلماني الرضا، ولن يتراجع سخط الحريديم على ليبرمان الذي يصر على تمرير قانون تجنيد الحريديم بالجيش، لكن هذا الثلاثي تحديدا قد خطا خطوة كبيرة نحو الأمان، عبر سياسات تغيير جلد ذاتي، فبينط سعى للظهور كسياسي نشيط، يميني براجماتي، يؤكد أنه جاهز لمفاوضات تسوية، وفي الوقت نفسه لا يتنازل عن الاستيطان، لكنه ينفتح على الحوار مع أطياف الخصوم السياسيين، ولذلك استطاع الوصول إلى رئاسة الحكومة رغم حصول كتلته على 6 مقاعد فحسب، وضع خططا لمواجهة كورونا، بإعطاء جرعة ثالثة من اللقاح، وأصر عليها حتى قبل موافقة هيئة الدواء الأمريكية.

 تحرك يائير لابيد بنشاط وخفة، عقد عشرات الاجتماعات مع وزير المالية ليبرمان، ومع أعضاء الائتلاف بالكنيست، أصر على حل الخلافات بعيدا عن الأضواء والصخب، أغلق المنافذ التي يمكن أن يتسلل عبرها أحد خارج الائتلاف، سعى بكل قوة لتمرير الميزانية، لأنه يريد أن يثبت للجميع قدرته على قيادة الحكومة، كرئيس لها بعد نفتالي بينط، وفقا لاتفاق التناوب بينهما.

 أما وزير المالية أفيجادور ليبرمان فقد ظهر مؤخرا في صورة السياسي الهادئ المسئول، تخطى مرحلة المزاج المتقلب والرغبة في الافتراس، وقبل الوصول إلى مرحلة التصويت بادر ليبرمان فور حصوله على حقيبة المالية في تثبيت وضعه في داخل الوزارة السيادية، حيث دفع رئيس دائرة الميزانية شاؤول مريدور، الليكودي العتيد، للاستقالة، وعين بدلا منه يوجيف جردوس، أصغر رئيس لقسم الميزانية في تاريخ إسرائيل، والمقرب من ليبرمان شخصيا.

blank

بر الأمان المؤقت

خلال خطابه الاحتفالي بتمرير الميزانية؛ صرح بينط أن الحكومة قد “وصلت إلى بر الأمان”، وأنها “ستستمر إلى نهاية مدتها” (خريف 2025)، حيث استكملت الحكومة “العملية المعقدة لإخراج إسرائيل من حالة عدم الاستقرار العالقة فيها منذ ثلاث سنوات”.

عند تشكيل الحكومة الحالية، اتفق الائتلاف على تأجيل القضايا الخلافية التي يمكن أن تعصف باستمراره، ومع تمرير الميزانية، يترقب الجميع طريقة الحكومة في مناقشة قضايا أخرى وحلها، منها ملف الاستيطان، الذي يجري تمريره حاليا، بعد موافقة وزير الدفاع جانتس على بناء 4400 وحدة استيطانية بالضفة، وقد تم الاتفاق بالفعل على زيادة ميزانية دوريات الاحتلال، التي تراقب الفلسطينيين في المنطقة (ج) بالضفة، وكذلك قرار تصنيف ست جمعيات مدنية فلسطينية كمنظمات “إرهابية”، ورغم أن هذه القرارات الأخيرة قد ووجهت بمعارضة من حزبي هاعفودا وميرتس، فإن شيئا لم يحدث فعليا حتى الآن، وبقت الحكومة لعدة أيام أخرى حتى احتفالها بالميزانية.

نتنياهو ليس ماضيا بعد

blank

ربما استطاعت حكومة بينط أن تثبت وجودها المتقلقل، لكن لا شيء مضمون في السياسة الإسرائيلية، فهناك الكثير من الملفات الشائكة والقضايا الخلافية بين أعضاء الائتلاف الحكومي من جهة، وبين الائتلاف الحكومي والمعارضة من جهة أخرى، مثل تشكيل المحكمة العليا وحجم صلاحياتها، ومناقشة مسألة الزواج المدني، وإلغاء قيود المتدينين على حركة المواصلات العامة والتجارة في يوم السبت، وتمرير قانون تجنيد الحريديم، وغيرها.

المؤكد أن حل هذه الحكومة، نتيجة خلاف بين الائتلاف، ستكون نتيجته وبالا على هذه الكتل المتنافرة، لأن المعارضة تستميت للعودة إلى الحكومة، ونتنياهو ما يزال يشعر بأنه الأحق بالإقامة في مسكن رئيس الوزراء، وما يزال الشخص الأقوى حتى الآن في هاليكود، وليس ثمة بوادر لتنحيه أو خسارته رئاسة الحزب في القريب.

إذا ما استمرت حكومة بينط لابيد حتى نوفمبر القادم 2022، متخطية الخلافات والقنابل الموقوتة في الملفات السياسية المختلفة، فإن المحك الكبير سيكون وقت إقرار ميزانية 2023 وما بعدها، أي الفترة التي من المفترض أن يحكم فيها يائير لابيد، وفقا لاتفاق التناوب مع بينط، ليثبت للجميع أن بنيامين نتنياهو يُمكن أن يكون ماضيا، ورئيس حكومة سابقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى