التقاريرمنوعات

عاشر الخلفاء الأمويين يعيد تذكير الفلسطينيين بالأمجاد الغابرة

رؤية – محمد عبد الكريم

لم تعرف فلسطين ازدهارا واهتماما، كما عهدته إبان حكم الدولة الأموية ففيها بنيت قبة الصخرة، والمصلى المرواني الملاصق للمسجد الأقصى المبارك، الذي ما يزال حتى يومنا يؤمه آلاف الفلسطينيين، وأنشأت مدينة الرملة الساحلية التي كانت مقر إقامة سليمان بن عبدالملك، إضافة إلى العديد من المباني والشواهد على الاهتمام الأموي بفلسطين.

وفي أقصى جنوب الضفة الغربية المحتلة، حيث  أخفض نقطة على وجه الأرض وفي ثالث أقدم مدن العالم، وتحديدا بمدينة أريحا على الحدود الأردنية الفلسطينية قرب البحر الميت يقع قصر هشام بن عبدالملك، عاشر خلفاء بني أمية الذي بلغت في عهده الإمبراطورية الإسلامية أقصى اتساعها، بعد أن حارب البيزنطيين واستولت جيوشه على ناربونه وبلغت أبواب بواتيه “فرنسا” حيث وقعت معركة بلاط الشهداء.

في القصر الذي كان بمثابة مشتى “قضاء فترة الشتاء” للخليفة القوي حيث إن أريحا مدينة دافئة في الشتاء، توجد أكبر أرضية فسيفسائية متصلة في العالم بمساحة 847 مترا مربعا، من خلال رسم 38 سجادة من عشرات أنواع الحجارة في فلسطين وبألوان مختلفة، كل ذلك دفع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” لتدرجه -ضمن 4 مواقع فلسطينية- في قائمة التراث الخاصة بها خلال جلسة للجنة التراث في العالم الإسلامي قبل أسبوع.

القصر الذي تضرر بعد بناؤه بسنوات قصيرة بفعل زلزال مدمر أصاب فلسطين،  مبنيا من طابقين: الأول فيه غرف خدمات وحراسة، والطابق الآخر كان يعيش فيه الخليفة، حيث يحتوي القصر على مرافق مهمة، مثل منطقة النافورة، ومسجدين، وقاعة الاستقبال، أو ما كان يعرف بالحمام الكبير.  

بعد خمس سنوات من العمل في ترميمها بموقعها في قصر هشام الأثري بمدينة أريحا في الضفة الغربية، كشفت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية النقاب عن إحدى أكبر لوحات الفسيفساء في العالم، وافتتح الموقع أمام الجمهور مطلع الشهر الجاري بعد أن تكلف مشروع الترميم 12 مليون دولار.

أغلب أحجار الفسيفساء التي شكلت مساحة اللوحة، تقع على حجم سنتمتر طولاً ومثله عرضاً، الأمر الذي يسهل التحكم من أجل عكس الرسومات والأوجه خاصة، وتحتاج تغطية مساحة متر مربع قرابة 10 آلاف حجر من مقاس السنتمتر، لكن بعض الأحجار تصل إلى 5 أو 6 ميلمترات، وغالبها تقع بالقرب من رسومات شجرة الحياة.

تقترن الأهمية التاريخية للوحة الكبيرة في قصر هشام بموقعها؛ إذ تضم في زاويتها الشمالية الغربية شجرة الحياة “شجرة البرتقال”، الممثلة بالفسيفساء على الأرضية في ديوان الخليفة ومجلسه، وأسفلها رسومات فسيفسائية لغزالين يرمزان للسلام.

بينما نجد أسداً في سجادة أُخرى يهاجم غزالاً، لبيان العلاقة الرمزية والضدية بين الحرب والسلام، والحياة والتعارك عليها، كما يحضر الأسد في أشكال أُخرى بقوة، ليشير إلى قوة الخليفة وعظمة الدولة الأموية في حينه، كما انعكست مكونات الطبيعة الفلسطينية في الفترة الأموية وربما البيزنطية على الرسومات، كون بعض الرسومات الفسيفسائية تعود أيضاً للحقبة البيزنطية، إذ نجد نباتات الخشخاش على الأرضية الكبيرة، والأشكال الهندسية المتعددة، وإحدى الدوائر المركزية التي تقع أسفل قبة الحمام مباشرة، قاعة الاستقبال أو مجلس الخليفة.

ومن أبرز اللوحات أو السجادات المشكلة للوحة هي لوحة الإشعاع وهي على شكل شمس أو إشعاع ضوئي من الداخل للخارج، ولوحة التقابل الهندسي مربعات تقابلها مثلثات، وأغلب ما تعكسه هذه الرسومات مرتبطة بالحياة في تلك المنطقة، مثل لوحة المائدة وفيها شكل السكين والملعقة، وكانت زخارف موجودة بالأصل من الفترة البيزنطية.

وضعت اليوم نجمة حجرية في منتصف القصر، والتي كانت عبارة عن نافذة لإحدى غرف الطابق الثاني، ولكن بفعل تهدم القصر اختلطت الحجارة مع بعضها، وأعيد بناء النجمة خلال أعمال الترميم والحفريات التي تمت في ثلاثينيات القرن الماضي من قبل خبراء الآثار الفلسطينيين.

كان يتم تزويد القصر بالماء من العيون الطبيعية القريبة، مثل عين السلطان، وكانت تمتد القنوات وصولا إلى بركة لتجميع المياه قرب قاعة الاستقبال، لخدمة الحمامات الموجودة فيه، عدا أن عين السلطان هي من المناطق التي سُكنت في بدايات التاريخ، وتعتبر هي والمنطقة المحيطة في أريحا الفلسطينية من أقدم 3 مدن في العالم.

أنشأ الفلسطينيون مجسما يحاكي صالة الاستقبال، ووضعوا لافتات تعرّف بكل زاوية فيه وما كان يحتويه من النافورة، والمسجدين، وقاعة الاستقبال التي شاهدنا فيها محرابا حجريا.

كما أقيم متحف صغير بجانب بقايا القصر يشرح الحجارة المستخدمة في بناء القصر وأنواعها وأماكن وجودها، وكذلك هناك قطعة خشب الأرز اللبناني الذي استخدم في الفترة الإسلامية المبكرة كخشب عطري ثمين للزينة المنحوتة، والتي وجدت في المكان.

كما استُخدمت في القصر منحوتات الجبص على شكل نباتات أو حيوانات، وكان يتم تلوين هذه الزخارف الجبصية بالألوان الزاهية.

كما توجد في المتحف بقايا قطع نقدية تميزت بها فترة الخليفة عبدالملك بن مروان -والد الخليفة هشام بن عبدالملك- بعد قيامه بتغييرات في ما يتعلق بصك النقد، من خلال عدم السماح للتصاوير البشرية، والاستعاضة عنها بكلمة التوحيد واسم الخليفة وتاريخ صك العملة.

blank
blank

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى