اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

أوروبا تئن تحت جموح التضخم.. التداعيات والآفاق

آية النويهي – باحثة اقتصادية

موجة تضخم هي الأعنف منذ نحو 25 عامًا، تشهدها القارة العجوز، وتحديدًا اقتصادات منطقة اليورو، حيث ضربت 19 دولة، في مقدمتها (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا)، مدفوعة في المقام الأول بالارتفاع الشديد في أسعار الطاقة (النفط والغاز الطبيعي والكهرباء).

في التقرير التالي سنتوقف بالتحليل لأسباب وتداعيات التضخم المتسارع بوتيرة جامحة في بلدان الاتحاد الأوروبي وكذلك الآفاق المستقبلية.

مستويات تضخم قياسية

في أعقاب سنوات عديدة من انخفاض معدلات التضخم في الاتحاد الأوروبي، ترافق الاستئناف القوي للنشاط الاقتصادي مع ارتفاع في الضغوط التضخمية التي فاقت التوقعات.

الأرقام الرسمية الحديثة الصادرة عن مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي “يوروستات” في 30 نوفمبر 2021، أظهرت أن معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو بلغ 4.9% في نوفمبر، وهو أعلى مستوى على الإطلاق منذ 25 عامًا، أي منذ بداية رصد البيانات في عام 1997، وبعد أن اشارت التوقعات إلى ارتفاع عند 4.1% في أكتوبر.

وكغيرها من الدول، تعاني منطقة اليورو، التي تتكون من 19 كيانًا اقتصاديًا بما في ذلك الاقتصاد الفرنسي والألماني، من ارتفاعات كبيرة في الأسعار نتيجة الانتعاش الاقتصادي جراء جائحة فيروس كورونا والعرقلة في سلاسل التوريد. ويسجل التضخم في دول الاتحاد الأوروبي أعلى مستوياته منذ عدة سنوات، بما في ذلك في ألمانيا، الاقتصاد الأوروبي الأكبر حيث بلغ المعدل السنوي مستوى 6%، أي أقل بقليل من معدل التضخم في الولايات المتحدة الذي وصل إلى أعلى مستوى له في 30 عامًا بنسبة 6.2%.

blank

أسباب وتداعيات

بداية، أدى الانهيار الناجم عن جائحة كوفيد-19 في النشاط الاقتصادي إلى انخفاض أسعار الطاقة انخفاضًا حادًا في ربيع عام 2020. لكن وفي الأشهر الأخيرة، أدت الزيادات في أسعار الطاقة لمستويات أعلى بكثير من فترة قبل الجائحة إلى تغذية ضغوط تضخمية جديدة، وأصبحت الزيادات في الأسعار واسعة النطاق، وذلك أيضًا تحت تأثير انقطاع سلاسل الإمداد العالمية، وبشكل عام، أشارت التطورات الجديدة إلى مساهمة قطاع الطاقة في التضخم في أكتوبر 2021 بنحو 2.21%، وقطاع الخدمات بنحو 0.86%، وقطاع التغذية والكحول والتبغ بنحو 0.43%، وذلك يعوّل على أن قطاع الطاقة وحده يساهم بنحو أكثر من ثلثين الزيادة في التضخم في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2021.

blank

وفي أعقاب الانتعاش الاقتصادي القوي الذي أعقب عمليات الإغلاق، ارتفعت أسعار النفط تدريجيًّا بما يزيد عن الثلث تقريبًا عن مستوياتها السابقة للوباء مما أدى إلى تحول الطلب العالمي من السلع إلى الخدمات، كما شهدت الأسابيع الأخيرة زيادات سريعة في أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء، وكذلك أسعار الفحم.

ارتفعت أسعار النفط (خام برنت) ليصل إلى أكثر من 80 دولارًا في أكتوبر 2021 مقابل  20 دولارًا  للبرميل في أبريل 2021، وهو ما يقترب من أعلى مستوى له منذ سبع سنوات، ومع ارتفاع أسعار النفط، قاومت منظمة الأوبك الضغوط الرامية إلى زيادة الإنتاج، بعد أن قرر أعضاءها الحفاظ على سياستهم الحالية لزيادة الإنتاج تدريجيا في يناير2022، مما سيؤدى إلى انخفاض إضافي في الأسعار.

كما انتعشت أسعار الغاز الطبيعي العالمية تدريجياً ولكنها سجلت زيادات لم يسبق لها مثيل خلال الأشهر القليلة الماضية؛ ونظرا لصعوبة نقل الغاز الطبيعي، فإن سعره يحدد عمومًا في محاور إقليمية، التي تعكس ليس فقط التحركات العالمية في سلع الطاقة الأساسية، بل أيضًا العوامل الهيكلية الخاصة بكل منطقة والأحداث غير المتوقعة، ففي أوروبا، ارتفع سعر الجملة للغاز أكثر مما كان عليه في محاور إقليمية أخرى (الولايات المتحدة على سبيل المثال)، وذلك بسبب انخفاض المخزونات بعد فصل الشتاء البارد، ومحدودية الإمدادات من روسيا، وضعف الطاقة الكهربائية المولدة من الرياح والطاقة الكهرومائية بشكل استثنائي. كما أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي يخلف تأثيرات متلاحقة على أسواق الكهرباء، الأمر الذي يدفع أسعار الكهرباء إلى الارتفاع.

blank

ويمتد أثر ارتفاع أسعار الغاز إلى أسعار الكهرباء بالجملة؛ حيث ارتفعت أسعار الطاقة الكهربائية بالجملة لتصل إلى نحو 150 يورو/ميجاواط في مقابل 20 يورو/ميجاواط في أبريل 2020، ومن المتوقع أن تنخفض إلى حوالي النصف بحلول أوائل عام 2022، وتأتي العلاقة المباشرة بين أسعار الغاز والكهرباء للتفاعل بين التكنولوجيات المتاحة وهيكل السوق الحالي.

وعلى الرغم من التوسع السريع في جميع أنحاء أوروبا، فإن إمدادات الطاقة من المصادر المتجددة شديدة التقلب، لأنها تعتمد على الظروف المناخية، وعلاوة على ذلك، لا يمكن تخزينها بسهولة، ومن ثم فإن الغاز يُعد الأكثر مرونة بل والأكثر تكلفة والأقدر على تعديل الإنتاج، وهذا يعني ضمنًا أن محطات توليد الطاقة من الغاز أصبحت جهات تحدد الأسعار في أسواق الجملة.

وفي حين هيمنت الزيادات في أسعار الطاقة إلى حد كبير على ديناميات التضخم الرئيسي، فقد أصبحت الزيادات السنوية في الأسعار واسعة النطاق في الأشهر الأخيرة، ونظرًا لارتباطها إلى حد كبير بإعادة فتح الأسواق بعد الوباء وبالتكيف الاقتصادي الذي أعقب ذلك، لا يزال من المتوقع أن تكون ضغوط الأسعار المرتفعة الحالية عابرة إلى حد كبير في الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن يكون التضخم أعلى بنسبة 2.6% في عام 2021، و2.5% في عام 2022، و1.6% في عام 2023.

الآفاق المستقبلية

– من المتوقع أن يستمر اقتصاد الاتحاد الأوروبي في التوسع وأن ينخفض معدل التضخم تدريجيًّا.

– في عام 2022، من المتوقع أن تتلاشي القوى الدافعة لإعادة الانفتاح من ناحية، وتخفيف اختناقات سلاسل الإمداد وخفض أسعار الطاقة من ناحية أخرى، كل ذلك مدعومًا بتحسن سوق العمل، وظروف التمويل المواتية.

– من المتوقع أن تبلغ أسعار النفط ذروتها في الربع الأخير من عام 2021، وأن تنخفض تدريجيًّا في الفترات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى