«أميرة».. خطأ لم يمر وخطيئة لن تغتفر

كتبت – علياء عصام الدين

بين كفتي الانحياز لحرية العمل الفني في طرح رؤاه ورؤيته كيفما شاء وبين أحد القضايا المصيرية التي لا تقبل المساس وهي القضية الفلسطينية، ونضال الأسرى وهو ملف حساس وشائك يصيب عقيدة العرب بأكملهم في مقتل، تميل الكفة -لا محالة دون أدنى تفكير- إلى فلسطين ونضال شعبها العظيم .

تشويه لسفراء الحرية ودعم لرواية الاحتلال

لقد شكلت قضية النطف المحررة على مدار سنوات أبرز الإنجازات التي تمكّن خلالها الأسرى الفلسطينيين من كسر قهر الاحتلال وتحدي جدران السجون والأسلاك الشائكة، وإعادة صناعة الأمل، حيث عكست إرادة للحياة لا تضاهيها إرادة، لقد تمكن الأسرى في غياهب السجون من هزيمة السجان وحطموا جدرانه وافلتوا من قيوده واستطاعوا تهريب نطفهم لينجبوا (سفراء الحرية) ويسجلوا براءة اختراع تهريب النطف رغم أنف الاحتلال.

كان من الطبيعي أن ينتفض الشارع الفلسطيني خاصة والعربي ككل أمام أي محاولة لتشويه هذا النضال عن قصد وبسوء نية أو سهوًا بغباء تناول وسوء تقدير.

على مدار الأيام الماضية أثار الفيلم الروائي “أميرة” غضبًا فلسطينيا وأردنيا متصاعدًا بعد مطالبة الفلسطينيين بوقف عرض الفيلم الذي وجدوا فيه إساءة بالغة ومتعمدة للأسرى في سجون الاحتلال وطعنا في نضالهم ضد قهر الظلم الذي يقع على أسراهم.

اسحبوا فيلم أميرة.. وسم اجتاح مواقع التواصل وأثار ضجة واستياءً كبيرًا في الأوساط الثقافية والفنية والسياسية

يتناول الفيلم قصة فتاة مراهقة تنشأ معتقدة أنها ولدت نتيجة عملية تلقيح صناعي من نطفة مهربة من والدها في سجون الاحتلال لكنها تكتشف في رحلة بحثها عن الحقيقة أنها ابنة ضابط إسرائيلي استبدل النطفة الخاصة بالأسير الفلسطيني!.

الفيلم من كتابة وإخراج المصري محمد دياب وبطولة النجمة الأردنية صبا مبارك والممثلة الفلسطينية الأردنية تارة عبود في دور أميرة والممثلين الفلسطينيين صالح بكري وزياد بكري وعلي سليمان وهو إنتاج مصري أردني فلسطيني مشترك.

وعلى الرغم من سحب الأردن ترشيحه للفيلم في جوائز الأوسكار ووقف عرضه في مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان مع تأكيد الهيئة الملكية للأفلام أنه لا يمس قضية الأسرى بسوء، بل يسلط الضوء على معاناتهم، إلا أن العاصفة التي أثارها الفيلم لم تهدأ وطرحت عدة تساؤلات حول التفرقة بين كون العمل ينتقد الاحتلال كما دافع عنه مخرجه المصري محمد دياب وكونه ينقل صورة مشوهة للنضال الفلسطيني وبعيد كل البعد عن واقع الأسرى وحياتهم ونضالهم.

خيانة لنضال الشعب وتجنٍّ على الحقيقة

خاطب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية الحكومة الأردنية رسمياً بصدد الفيلم الذي رشحته الأردن للأوسكار، على أن يجتمع الطرفان الأردني والفلسطيني، غدا لمنع إنتاج أفلام مسيئة للأسرى وللقضية الفلسطينية.

وأكدت مؤسسات الأسرى الفلسطينيين أن «الاستمرار في التعاطي مع فيلم أميرة والترويج له خيانة لنضال شعبنا الفلسطيني» وتابعت المؤسسات، وهي هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني، والهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى، إن فيلم «أميرة» يتناول قضية «النطف المحررة» من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، بطريقة «تتساوى بشكلٍ مباشر مع رواية الاحتلال، بتجني كامل على الحقيقة».

فيلم خيالي سعى للشهرة على حساب القضية

تقول الباحثة الفلسطينية عبير الخطاب صاحبة دراسة “ثورة تهريب النطف من المعتقلات الإسرائيلية” فيلم أميرة فيلم خيالي من وحي خيال مخرج وكاتب يسعى للمال والشهرة على حساب قوة الحياة التي أحبها واختارها الأسير الفلسطيني رغماً عن أنف الاحتلال .

وأضافت الخطاب “هذا الموضوع من أكثر المواضيع إبهارا ونجاحا وحساسية وإبداعا على الإطلاق، أنا عشت مع رفاق الأسر عشرين عاما وأعلم طعم حياتهم قبل وبعد أن كان لهم ولد، فهناك من تزوج وسجن مباشرة أي أنه حتى لو أفرج عنه فلن تكون زوجته الصابرة قادرة على الإنجاب بسبب كبر العمر فكان تهريب النطف طوق النجاة ليخرج لها زوجها ذات يوم بإكليل الوفاء ليجد الزوجة والولد بالانتظار” .

وتتابع “من طرح فكرة الفيلم ما هو إلا مأجور ولا أجد خانة أخرى غير خانة الخيانة لأصف تلك الغمزات واللمزات التي تستهدف أبطالنا وأسرهم وأولادهم من بعدهم”.

blank

طعن في المجتمع الفلسطيني الحاضن للمناضلين

ويقول الصحفي الفلسطيني محمود مطر: الفيلم لا يطعن فقط بقضية النطف المهربة، بل يطعن بالمجتمع الفلسطيني وعوائل المناضلين والأسرى ككل، لأنه يصور زوجة الأسير خائنة لزوجها عبر علاقة زنا محرمة مع صديق زوجها الأسير الذي يخرج من السجن ويجلب رسالة لها من زوجها (والد أميرة بطلة الفلم)، فتنشأ بينهم علاقة وتفكر الزوجة بالانفصال عن زوجها الأسير لترتبط بصديق زوجها الأسير الذي أصبح بعد ذلك شهيداً، ويبرر الفيلم ذلك لها على لسانها وهي تقول إنها لم تستطع أن تصبر أكثر وتمضي حياتها دون أن يلمس جسدها أحد ما!

ويتابع الصحفي أيضاً يظهر الفيلم أن الأسير يشك في شقيقه الذي يعيش هو وعائلة الأسير ككل في نفس المنزل، بل تصبح زوجة شقيق الأسير هي أيضاً تشك بزوجها أنه يخونها مع زوجة شقيقه بعد اكتشاف أمر “أميرة” أنها ليست ابنة الأسير، ومعنى ذلك أن هذا مجتمع يشك بعضه ببعض ولا يثق فيه، ولا أخلاق لديهم أو شرف، هل هذا ما أراده منتجو الفيلم!

فهل هناك أكثر تشويهاً وطعناً بشرف المناضل الفلسطيني (شهيداً كان أو أسيراً) والمجتمع الفلسطيني الحاضن للمناضلين!

ويضيف مطر -في معرض نقده للفيلم- النتيجة التي يحصل عليها المشاهد من هذا المشهد هي عبارة عن أن زوجة الأسير تخونه مع صديق زوجها الأسير و(الشهيد فيما بعد)، فالأسير أيضاً خائن بلا شرف أو أخلاق، وزوجات الأسرى كذلك، والمناضلون الفلسطينيون بلا شرف ولا أخلاق ويخونون بعضهم البعض، ويتساءل: هل ذلك واقعي؟ طبعاً لا، إذن فهل هذا ما أراد صانعو الفيلم إيصاله للمشاهد؟

ويتابع مطر بالقول كمشاهد فلسطيني وبعد انتهاء مشاهدتي للفيلم يتكون لديّ انطباع مشوه عن الأسرى والشــهداء ومشروع النضال الفلسطيني، وهنا أسأل: كيف سيكون انطباع المشاهد العربي والعالمي عند مشاهدته الفلم دون أن يعيش ما نعيشه، ويدرك تفاصيل حياتنا.

ومن الانتقادات التي وجهت للفيلم أيضا أنه لم يتطرق للدوافع الأساسية للجوء الأسرى وزوجاتهم لعملية النطف المهربة وهي دوافع إنسانية منبعها رغبة الأسير الذي يمضي أحكاماً عالية في السجون بالإنجاب سباقاً مع الزمن الذي يخطف عمره وعمر سنوات الخصوبة لدى الزوجة، فيتحدون المحتل وينجبون رغماً عنه، بل على العكس فإن الفيلم يظهر في بعض مشاهده عدم رغبة زوجة الأسير بالإنجاب عبر النطف المهربة مرة أخرى، وتضطر للموافقة على مضض.

سينما تعثرت بين الخطأ والخطيئة

علق المخرج الفلسطيني “هاني أبوأسعد” (كنا نعتقد أن الفيلم سيمر مرور الكرام، خصوصاً أن كل من شاهد الفيلم تعاطف مع الأسرى الفلسطينيين، ولكن كانت هناك حساسية معينة لم ننتبه لها.

وأضاف أبوأسعد -ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وإلغاء عرض فيلم “أميرة” الذي كان مدرجاً ضمن عروض المهرجان في مدينة جدة- إن الفيلم يناقش قضية تهريب نطف الأسرى الفلسطينيين للحفاظ على النسل، ولم ينتبه أحد إلى أن أبناء الأسرى من النطف قد ينزعجون من الفيلم، مشيرًا أن الأسرى الفلسطينيين، مقدسون لديه، ولدى كافة الشعب الفلسطيني ولذلك فإن حساسيتهم أثارت غضب الشارع العربي.

وأكد أبوسعد: أنا مع وقف كل عروض الفيلم لأن الأسرى بالنسبة لنا جميعاً شيء مقدس، فنحن اليوم موجودون بمنازلنا ولكن الأسرى موجودون في السجون يحاربون من أجل حريتنا، فلا يمكن أن نتغاضى عن شعورهم فهم ليسوا أطباء أو سائقي أجرة ولكن هؤلاء أسرى.

وأشار المخرج الفلسطيني إلى أنه لا بد من فتح الحوار مع مسؤول ملف الأسرى الفلسطينيين، حتى يتم التعامل مع حساسية الأبناء الذين تم تهريب نطفهم.

ولفت أبوسعد إلى أن من حقه كمخرج أن يناقش موضوعات اجتماعية بها رفاهية ومرح، ولكن كونه مخرجاً فلسطينياً بلده تحت الاحتلال لا بد أن تكون قصص أفلامه مرتبطة بالواقع الذي يعيشه مجتمعه.

لقد فشل الاحتلال فشلًا ذريعا في إيقاف عملية تهريب النطفات الأمر الذي يضع العمل الفني تحت طائلة الترويج لرواية الاحتلال ونسف قضية النضال من أساسها لاسيما أن الفيلم صناعة عربية خالصة.

وتكشف ردود الأفعال الرافضة للعمل أن الجمهور لا يزال هو المعيار الأول والأخير في تقييم العمل الفني وجودته ومحتواه ومدى دعمه للواقع وتصويره له.

وعلى الرغم من نجاح الفيلم على الصعيد الفني والإخراجي إلا أنه سار عكس المطلوب وأساء الهدف ليستفز الجمهور الفلسطيني والعربي الذي قال “لا” لعمل فني تعثر فسقط بين خطأ لن يمر مرور الكرام وخطيئة ستظل وصمة عار تلاحق القائمين على العمل والمشاركين فيه.

ربما يعجبك أيضا