انضمام فنلندا والسويد إلى «الناتو».. كيف تحوَّل إلى ورقة رابحة في يد تركيا؟

رنا أسامة

انضمام فنلندا والسويد للناتو يمثل انتصارًا كبيرًا للحلف لدفاعي، وانتكاسة لروسيا، وورقة رابحة لتركيا يستغلها إردوغان لإبراز ثقل بلاده داخل الحلف.


دعا قادة حلف شمال الأطلنطي (الناتو) فنلندا والسويد، رسميًّا، للانضمام إلى الحلف، أمس الأربعاء 29 يونيو 2022.

وتقدّمت الدولتان بطلبين رسميين للانضمام إلى الحلف ​​في مايو الماضي، على وقع الحرب الروسية الأوكرانية، لكن تركيا رفضت منحهما العضوية، مُتهمة إيّاهما بإيواء أعضاء من حزب العمال الكردستاني، الذي تُصنّفه أنقرة على أنه منظمة إرهابية.

انضمام فنلندا والسويد.. إنفاذ وشيك

وافقت تركيا على دعم فنلندا والسويد في نيل عضوية الناتو، بعد اجتماع ضم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيره الفنلندي ساولي نينيستو، ورئيسة الوزراء السويدية ماجدالينا أندرسون، وأمين عام الناتو ينس ستولتنبرج، خلال القمة المنعقدة بالعاصمة الإسبانية مدريد.

وخلال قمة مدريد التي وصفها أمين عام الناتو بأنها تاريخية وحاسمة، أعلن الرئيس الفنلندي يوم 28 يونيو توقيع تركيا مذكرة تفاهم مع فنلندا والسويد، تتعلق بالتزامها تجاه ضمان الأمن المشترك، مُضيفًا أن “الخطوات الملموسة لانضمامنا سيتفق عليها حلفاء الناتو خلال اليومين المقبلين، في حين بات إنفاذ القرار وشيكًا”، حسب ما أوردت شبكة سي إن إن الأمريكية.

خطوة تُعزز أمن وقوة أوروبا والأطلنطي

في تصريحات صحفية بمدريد، أعرب أمين عام الناتو عن ثقته بانضمام دولتي فنلندا والسويد، بنجاح، إلى حلف الناتو، بعد مذكرة التفاهم الثلاثية، التي قال إنها تعالج مخاوف تركيا، بما في ذلك المتعلقة بصادرات الأسلحة ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقلته شبكة سي إن إن الإخبارية.

وجاء في بيان صادر عن قمة الناتو في مدريد: “قررنا دعوة فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف شمال الأطلنطي، ووافقنا على توقيع بروتوكولات انضمام”. وأضاف أن الخطوة سوف تجعل الحلفاء أكثر أمنًا وستزيد من قوة الحلف ومن أمن منطقة أوروبا كلها، فضلًا عن أمن والأطلنطي.

انتكاسة لروسيا وورقة رابحة لتركيا

قالت سي إن إن في تحليل نشرته يوم 29 يونيو 2022، إن انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو يمثل انتصارًا كبيرًا للحلف الدفاعي، وانتكاسة كبيرة لروسيا، لا سيما في خضم حربها ضد أوكرانيا، وورقة رابحة في الوقت نفسه، لتركيا يستغلها أردوغان لإبراز ثقل بلاده داخل الحلف.

وأشارت في هذا الصدد إلى تصريحات لأردوغان يوم 28 يونيو الحالي، قبل توقيع المذكرة مع دولتي شمال أوروبا، قال خلالها إن “الناتو لا يستطيع تحمل خسارة تركيا كعضو”، ردًّا على إحباط دول الحلف معارضة أنقرة قبول انضمام الدولتين المحايدتين تقليديًّا، (فنلندا والسويد) إلى الناتو.

blank

صُداع لا خلاص منه في رأس الناتو

بحسب تحليل الشبكة الأمريكية، أظهرت الأحداث الجيوسياسية الأخيرة أن تركيا “صداع لا خلاص منه” في رأس حلف الناتو، بما يستوجب على قادة الحِلف التعايش معه، الأمر الذي يقول خبراء حياله إن أردوغان يعيه جيدًا ويستخدم مكانة بلاده في الناتو لخدمة مصالحها الوطنية.

وفي الحرب الروسية الأوكرانية التي أضحت صراعًا بين الكرملين من ناحية وحلف الناتو من ناحية أخرى، غرّدت تركيا خارج سرب العقوبات الغربية على موسكو، وعرضت بدلًا من ذلك التوسط بين الأطراف المتحاربة، والظهور بحيادية بدعمها أوكرانيا مع الحرص على عدم استعداء موسكو.

blank

حجر زاوية

يقول خبراء إن تركيا اليوم أكثر قيمة من أي وقت مضى للناتو، في وقت تقع فيه على الجناح الجنوب الشرقي للحلف، وهي منطقة عازلة رئيسة بين روسيا والغرب، وتضم ثاني أكبر جيش في الحلف أيضًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وتحدها دول شرق أوسطية ذات تاريخ من عدم الاستقرار السياسي، تُمثل مطمعًا لدول غربية.

ومع ذلك، قالت الشبكة الأمريكية إن أنقرة لم تكن دائمًا شوكة في خاصرة الحِلف، فقد انضمت تركيا إلى الناتو عام 1952، بعد 3 أعوام من تشكيله في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ورأت الحلف “حجر زاوية” لسياستها الدفاعية والأمنية. ولكن رغم أن تركيا خدمت المصالح الاستراتيجية للناتو تاريخيًّا، فإنه يرى محللون ومؤرخون أنها باتت قوة مُعطّلة تحت حكم أردوغان.

تركيا والناتو.. خلافات وتوترات

قالت أستاذة العلوم السياسية في كلية إليزابيثتاون ببنسلفانيا، أويا دورسون-أوزكانكا، إن “تركيا كانت مندمجة جيدًا في البنى التحتية الأمنية الغربية خلال الحرب الباردة”، وكانت حليفًا غربيًّا أيضًا “موثوقًا به إلى حد ما” لأكثر من نصف قرن، مُضيفة أن توتر وشدة الخلافات بين تركيا وحلفاء الناتو ازدادا مع مرور الوقت، مع تبني أنقرة مواقف استباقية ومعادية للغرب في السياسة الخارجية.

وأشارت إلى أن أردوغان اختلف مع حلفاء الناتو بشأن قضايا، من بينها الأزمة في سوريا وليبيا، مُستغلًّا الموقع الاستراتيجي لبلاده لانتزاع تنازلات من جيرانه الأوروبيين، بتهديده بفتح بلاده بوابات للاجئين من مناطق الصراع المجاورة، ما يجعل هذا الملف دومًا ورقة ضغط يحسن الرئيس التركي استغلالها والمناورة بها في الوقت المناسب.

blank

نهج أردوغان تسبَّب في صعوبات للناتو

في عام 2009، عارضت تركيا تعيين الدنماركي أندرس فوج راسموسن رئيسًا للناتو، حتى تعهد الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما، بأن يكون أحد نواب راسموسن تركيًّا. وفي خطوة قد تكون أكثر جرأة وإثارة للجدل، اشترت تركيا في عام 2019 نظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس 400″، ما أثار تساؤلات حول تحالف دام عقودًا مع أمريكا والحلف، خاصة أن تلك الصواريخ مُصممة لإسقاط طائرات الناتو.

وقال الدبلوماسي التركي السابق ورئيس مركز أبحاث إيدام بإسطنبول، سنان أولجن، إن نهج الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان “شديد المركزية في صنع القرار”، وقيادته “الأكثر عدوانية” يسببان صعوبات لحلف الناتو، ما عكس عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الخارجية التركية.

علاقة مُربحة

blank

فيما يرى خبراء أنه من الطبيعي أن يمنح أعضاء الناتو الأولوية لمصالحهم الوطنية، تكمن المشكلة في اختلاف تلك المصالح عن أجندة الناتو. وقال الزميل البارز في المجلس الأطلنطي بواشنطن، ريتش أوزن: “الأتراك يُعقّدون عملية صنع القرار على أساس الإجماع في الناتو لرفضهم تمرير أي قرار إلى حين تحقيق مصالحهم الوطنية”.

وتابع: “هذا ليس سلوكًا تحالفيًّا سيئًا، بل هو نموذجي بالنسبة إلى الدول ذات الثقل” في الناتو. وكذلك قال الدبلوماسي التركي السابق سنان أولجن، إن تركيا والناتو كل منهما في حاجة إلى الآخر، لا سيّما أن العلاقة بينهما أمنية وسياسية ومُربحة لكليهما، وفق الـ”سي إن إن”.

ربما يعجبك أيضا