تقدير استراتيجي: التنافس الدولي يهدد مستقبل الأمن الإقليمي لآسيا والمحيط الهادئ

رنا أسامة

المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في بريطانيا يبرز نقاط الاشتعال المحتملة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ التي قد تفضي لصراع عسكري بين الصين والولايات المتحدة.


آخر تحديث يوليو 6, 2022 02:17 م

نشر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في بريطانيا كتابه الدوري السنوي لتقييم الأمن الإقليمي لآسيا والمحيط الهادئ للعام التاسع على التوالي.

ووفق الموقع الإلكتروني للمركز البحثي الذي يُنظّم سنويًّا حوار شانجريلا الدفاعي، يقدم هذا الإصدار مناقشة تفصيلية وتحليلًا لمخاوف أمنية دائمة في آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك الدور الصيني الجيوسياسي، وتعزيز التموضع العسكري الأمريكي في مواجهة بكين.

أولوية أمريكية للمنطقة وانضباط استراتيجي

في افتتاحية الكتاب، أوضح الباحثان آشلي تاونزند، وجيمس كرابتري، أن الولايات المتحدة كافحت لأكثر من عقد من الزمان، لإعطاء الأولوية لمنطقة المحيط الهادئ وتحديث شبكتها من التحالفات والشراكات، مشيرين إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أظهرت انضباطًا استراتيجيًّا في الانسحاب من أفغانستان، وإدارة الحرب الروسية الأوكرانية، في محاولة لمنح الأولوية لهدف التنافس مع الصين.

ومع ذلك، قال الباحثان إن هذه الخطوات لم تكفِ لتعزيز مكانة الولايات المتحدة كقوة رائدة في المنطقة، موضحين أن واشنطن ستحتاج إلى تكثيف جهود “تحديد الأولويات والموقف والشراكات” إذا كانت “تأمل في الحفاظ على توازن القوى بين المحيطين الهندي والهادئ”.

الوجود العسكري الإقليمي الأمريكي تحدٍ للصين

في فصل آخر، عرجت المحللة يون صن، إلى الوجود العسكري الإقليمي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، الذي قالت إنه يضع تحديات كُبرى للأمن القومي الصيني، منوهةً بأن الصين أضحت لاعبًا أقوى وأكثر نشاطًا في المنطقة، وأن قيادتها ترى أن تعزيز الدور الأمني الإقليمي لواشنطن يُهدد بكين بمخاطر أمنية، بما يُزيد العداء بين القوتين العُظميين، على حدّ قولها.

وأبرز الكتاب تايوان كنقطة اشتعال محتملة قد تفضي لصراع عسكري بين الصين والولايات المتحدة، رغم القول إن الحرب الروسية الأوكرانية عقّدت خطط بكين لاستخدام القوة ضد الجزيرة.

تايوان قد تُشعل صراعًا عسكريًا بين الصين وأمريكا

في فصل ثالث، استبعد رئيس مدرسة “كورال بيل” لشؤون آسيا والمحيط الهادئ بأستراليا، بريندان تايلور، ضم الصين لتايوان بالقوة “حتى نهاية هذا العقد على الأقل”، ولكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنه إذا دخلت تايوان في نزاع ناجم عن مغامرة خاطئة أو سوء تقدير أو سوء فهم، فسيكون ذلك الخطر الأكثر تهديدًا للسلام، بما يستدعي آليات أكثر قوة لإدارة الأزمة وتجنّبها.

ويقول بريندان تايلور إنه رغم جهود تايوان والولايات المتحدة وحلفائها لتعزيز الردع ضد أي هجوم مُحتمل، وأن توازن عسكري قد يبدأ في التحرك لصالح الصين التي لا تزال قوة عُظمى صاعدة، بما يمكن أن يقلل من مصداقية الضمان الأمني ​​للولايات المتحدة مع تأثير كبير محتمل في ديناميكيات تايوان.

شبه الجزيرة الكورية.. نقطة ساخنة مُحتملة

من تايوان إلى شبه الجزيرة الكورية، التي عدّها الكتاب نقطة ساخنة مُحتملة، وجادل خبير الشؤون الآسيوية، إيدان فوستر كارتر، جادل بأن “السياسة العالمية بشأن كوريا الديمقراطية فشلت فشلًا ذريعًا”، مع استمرار برامج الأسلحة والاختبارات الصاروخية في كوريا الشمالية بعد توقف دام 4 أعوام، ونما النفوذ الصيني في المقابل في ظل اعتماد بيونجيانج اقتصاديًا على بكين.

وخلُص فوستر كارتر في هذا الصدد إلى أن الولايات المتحدة وحليفاتها ستحتاج لتقديم حوافز أقوى، بدلًا من توقيع عقوبات أثبتت عدم فاعليتها على كوريا الشمالية، وذلك لمواجهة نفوذ الصين، لا سيّما أنه من المُستبعد أن توافق بيونج يانج على نزع سلاحها النووي تمامًا، بحسب الكاتب.

القوة النووية لأمريكا والصين.. منافسة وتحدٍ

لا تُمثّل كوريا الشمالية التحدي النووي الوحيد في المنطقة، كما يبرز جيفري جي لويس في فصل آخر بالكتاب، فثمة منافسة مكثفة بين الولايات المتحدة والصين لتطوير قوتهما النووية الاستراتيجية. مع ذلك، يبدو أن لكل منهما فهمًا محدودًا للدوافع النووية للطرف الآخر. وفي حين لم يتضح إذا كانت الصين تسعى لاستعادة مصداقية الردع أو تُحاول تطوير قدرة نووية قسرية، فإن القوتين الرئيسيتين تشتركان في مصلحة “تجنب حرب نووية”، كما يجادل لويس، وهو ما قد يُمكّنهما من استكشاف سبيل لتحقيق الاستقرار لديناميكياتهما النووية الثنائية.

وتوقّع أن يبدأ ذلك ببيان أمريكي صيني مُشترك حول الاستقرار الاستراتيجي، يُمكن خلاله أن تتبرّأ الولايات المتحدة من أي مصلحة في إبطال الردع النووي الصيني، فيما الصين قد ترفض المصلحة في التكافؤ العددي مع التشديد على عدم سعيها لتقويض استراتيجية الردع الممتد التي تتبنّاها أمريكا مع حلفائها الإقليميين.

بُعد آخر للمنافسة العسكرية الصينية الأمريكية

في بُعد آخر للمنافسة العسكرية بين بكين واشنطن، ركّز أستاذ الاستراتيجية بالكلية البحرية الأمريكية، بيتر إيه. دوتون، على العمليات الجوية والبحرية في شرق آسيا البحري، مُشيرًا إلى زيادة كبيرة في رحلات الاستطلاع الصينية قُرب تايوان منذ العام 2010، وعمليات واسعة في بحر الصين الشرقي والجنوبي، مع زيادة ملحوظة في عمليات حرية الملاحة التي تنفذها الولايات المتحدة هناك ردًا على الإجراءات الصينية.

ويجادل دوتون في الكتاب، بأن العمليات العسكرية الصينية والأمريكية في المنطقة التي تجري على مقربة من بعضها البعض، تُمثل “أدوات تكتيكية لصراع أوسع على السلطة”، مضيفًا أن ثمة خطر “حقيقي للغاية” لحدوث “أزمة تكتيكية”. وكما يجادل تايلور في فصل آخر، اقترح داتون توسيع آليات الحفاظ على الاستقرار، مع زيادة الحوار على جميع المستويات الرسمية وشبه الرسمية، والحوارات غير الحكومية.

تنافس متعدد الأبعاد

لا يقتصر التنافس الصيني الأمريكي بأي حال على الصعيد العسكري، ولكنه متعدد الأبعاد. ويقول النائب الأول لرئيس شركة الاستشارات الاستراتيجية العالمية “أولبرايت ستونبريدج”، بول تريولو، إن المنافسة التكنولوجية اشتدت منذ العام 2015، عندما استخدم صحفي أمريكي مصطلح “حرب باردة تكنولوجية” لأول مرة.

ورأى تريولو أن المنافسة التقنية بين الجانبين على سلاسل توريد أشباه الموصلات، وانفصالهما في قطاعات التكنولوجيا الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، قد تُشكّل مخاطر على أمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مُشيرًا إلى إمكانية دفع الصين للزاوية في ما يتعلق بتصنيع أشباه موصلات متقدمة، عبر تشديد ضوابط التصدير الأمريكية واستخدام واشنطن لقاعدة المنتج الأجنبي المباشر.

طوكيو والموازنة مع بكين

في حين يمكن وصف العلاقات الصينية الأمريكية المعاصرة بأنها تصادمية على نحو متزايد من الأبعاد كافة، حاول عديد من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الحفاظ على العلاقات مع بكين التي لا يزال التعاون المُثمر ممكنًا فيها، بما في ذلك اليابان.

وفي هذا الشأن، أشار الباحثان مايكل جرين ونيكولاس سيشيني، إلى أن اليابان شجّعت، خلال العقد الماضي، الولايات المتحدة ودول أخرى ذات تفكير مماثل على تطوير استراتيجية موازنة تجاه الصين، في حين تحاول الآن الحفاظ على الروابط الاقتصادية والدبلوماسية المفيدة مع بكين، بما قد يكون عاملًا مهمًا في تشكيل الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية، بحسب الكتاب.

الاستقلالية الاستراتيجية للهند

على النقيض من اليابان، أبدت الهند منذ فترة طويلة استقلاليتها الاستراتيجية. ومع ذلك، كما يشرح الكاتب تانفي مادان، فإن تغيّر التصوّر الهندي بشأن الصين، مدفوعًا بمخاوف نيودلهي من نفوذ بكين على طول حدودهما المتنازع عليها في جبال الهيمالايا، قاد الهند إلى إعادة الانخراط في تحالف “كواد” مع أستراليا واليابان والولايات المتحدة بين عامي 2017 و2019، ثم تكثيف مشاركتها في عامي 2020 و2021.

ويشرح مادان، في كتابه، دوافع مشاركة نيودلهي في الرباعية، مُشيرًا في الوقت نفسه إلى عوائق مُحتملة، بما في ذلك جاذبية الحكم الذاتي الاستراتيجي، والرغبة في تحقيق الاستقرار مع الصين، والحساسية تجاه مستويات حماس أعضاء الرباعية الآخرين.

انخراط أوروبي في المحيطين الهادئ والهندي

في القارة العجوز، أبرز الكتاب تزايد المشاركة الأوروبية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، لا سيّما فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا، بالإضافة إلى مشاركة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو” في الشؤون الأمنية للمنطقة، ما عدّه الباحثان شيرن لي، وبن شرير، استجابة للتحدي الملحوظ للقوة الصينية المتنامية، وجهود إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي بما يتعارض مع المصالح الأوروبية.

ووفق الكتاب، بات التعاون الاستراتيجي بين بكين وموسكو أكثر وضوحًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في تطور ربما زاد من تشدد المزاج في أوروبا بشأن التحدي الصيني، ومع ذلك، فإن التركيز الأوروبي الجديد على الأمن الآسيوي كان مبدئيًا وغير مُنسّق إلى حد كبير بين مختلف الأطراف الأوروبية.

عواقب الحرب الروسية الأوكرانية على أمن «الباسيفيك»

رصد الكتاب عواقب مُحتملة للحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الإقليمي، يتعلق إحداها بإخلال توازن القوى الإقليمي، إما بتعزيز أو إضعاف مواءمة الأهداف الاستراتيجية وتنسيق السياسات بين الصين وروسيا، أو بإعادة تقويم علاقات الدول التي تعتمد على الأسلحة الروسية مع موسكو، أو بصرف انتباه الولايات المتحدة عن التزاماتها الأمنية، أو تأثّر المصالح الأوروبية في آسيا.

وبغض النظر عما ستؤول إليه الحرب في أوكرانيا، أشار الكتاب إلى أنها تذكير صارخ بما يمكن أن يحدث إذا فشلت الدبلوماسية والردع، وتُسلّط الضوء على المسؤولية الكُبرى التي تتحملها الحكومات بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لضمان الحفاظ على السلام والأمن.

ربما يعجبك أيضا