قطر.. طفل الخليج المثير للمشاكل

أميرة رضا

آخر تحديث سبتمبر 12, 2020 04:58 م

ترجمة بواسطة – بسام عباس

يجسد تفاقم العلاقات الدبلوماسية بين قطر وخمس دول إقليمية– وهي: البحرين ومصر والسعودية والإمارات والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في المنفى– النزاع طويل الأمد حول نهج البلد في التعامل مع الشئون الإقليمية.

في عام 2014 قطعت البحرين والسعودية والإمارات، علاقاتها مع قطر وسحبت سفرائها من البلاد لمدة تسعة أشهر. ولكن هذا التصعيد الراهن مختلف تمامًا. حيث تضمن عقوبات اقتصادية، ونظرًا لأن الحدود البرية الوحيدة مع السعودية، فأي تعطيل لتدفق السلع والأشخاص جوًّا أو برًّا أو بحرًا، يمكن أن يتسبب في اضطرابات اقتصادية واجتماعية وسياسية .

ورغم عدم وضوح الرؤية لنهاية المباراة السعودية والإماراتية، فإن جذور التوترات بين قطر وجيرانها ازدادت عمقًا عقب ثورات الربيع العربي في عام 2011، خاصة الدعم اللاحق الذي قدمته قطر للتحولات الإسلامية في شمال أفريقيا وسوريا. في الواقع، فإن كل "أزمة" تقريبا وقعت في مجلس التعاون الخليجي المكون من ستة أعضاء طوال الخمس وعشرون عامًا الماضية، شاركت فيها قطر بطريقة أو بأخرى. وكان من المتوقع أن ينفد صبر زعماء دول الخليج الأخرى إزاء سياسات الدوحة الإقليمية في بعض الأحيان.

 تقع قطر إلى الشمال من المملكة العربية السعودية في الخليج العربي. وفي منتصف القرن التاسع عشر، برزت عائلة آل ثاني باعتبارها أبرز الوسطاء في السلطة المحلية. وفي عام 1868، توصلت إلى اتفاق مع بريطانيا، السلطة العليا في الخليج آنذاك، اعترفت بموجبه بريطانيا بزعامة آل ثاني في شبه الجزيرة. وقبل ظهورها، تركت عائلة آل خليفة، حكام البحرين الحاليين، أجزاءً من شبه الجزيرة القطرية. وعلى الرغم من أن عائلة آل خليفة قد حكمت البحرين منذ عام 1783، إلا أنها خاضت نزاعًا إقليميًّا مع قطر حول جزر حوار، التي ادعت كلتا الدولتين تبعيتها لها، إلى أن تمت تسوية القضية في محكمة العدل الدولية عام 2001. وكانت البحرين وقطر على شفا صراع حول الجزر في عام 1986، ورغم ذلك أقام البلدان علاقات دبلوماسية كاملة في عام 1997، بعد 26 عاما من ظهورهما كدولتين كاملتي السيادة.

وأظهرت المناوشات التي وقعت في سبتمبر 1992 على الحدود السعودية – القطرية، التي خلفت ثلاثة قتلى، المخاطر الناجمة عن فشل ترسيم الحدود البرية الوحيدة لقطر. وعلى الرغم من أن البلدين وقعا اتفاقية حدودية في عام 1965، إلا أنه لم يتم التصديق عليها بشكل صحيح، وقد ألغتها قطر بعد الاشتباك الحدودي. وقد دعمت قطر والسعودية أطرافًا مختلفة في الحرب الأهلية اليمنية القصيرة عام 1994، حيث اعترضت قطر بشدة على اقتراح تعيين سعودي أمينًا عامًا لمجلس التعاون الخليجي في عام 1995. وردا على ذلك، خرج الوفد القطري من الجلسة الختامية وقمة مجلس التعاون الخليجي السنوية في ديسمبر 1995، وأعلن عن عزمه على مقاطعة جميع الاجتماعات المقبلة التي يحضرها الأمين العام. وقيل إن قطر درست إلغاء عضويتها في مجلس التعاون الخليجي.

إن الكثير من التوتر الذي غلَّف العلاقة بين قطر وجيرانها منذ عام 2011، نشأ بسبب سياسات أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد أن وصل إلى السلطة في انقلاب دموي على والده في يونيو 1995. وبمساعدة وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، نجح الأمير حمد في صعود قطر إلى مكانة عالمية في التسعينات والألفينات، علاوة على تسريع وتيرة تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل للطاقة مع الاقتصادات الصناعية والناشئة في جميع أنحاء العالم.

غير أن انضمام الأمير حمد لم يكن موضع ترحيب في العواصم الخليجية المجاورة. فقد شاركت السعودية في محاولة انقلاب مضادة في فبراير 1996، تهدف إلى إعادة تنصيب الشيخ خليفة المخلوع. وبعد محاولة انقلاب ثانية في عام 2005، حيث يعتقد أيضًا أن السعوديين حرضوا القطريين، جردت الحكومة القطرية نحو خمسة آلاف من أفراد قبيلة بني مورة (التي تقع أراضيها القبلية على الحدود السعودية – القطرية) من الجنسية القطرية؛ انتقامًا من تورطهم في محاولة الانقلاب.

وكان أحد الشواغل الرئيسية لقيادة قطر بعد عام 1995 هو اتباع سياسات إقليمية مستقلة تهدف إلى إخراج البلاد من الظل السعودي. وذلك عبر دعم قطر للإسلاميين الإقليميين، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى إتاحة قناة الجزيرةـ، التي تتخذ من الدوحة مقرا لها، كمنصة للجماعات التي تنتقد الدول الإقليمية، مسببة فترات من التوتر الشديد. حيث سحبت السعودية سفيرها من الدوحة عام 2002 ردًّا على تغطية قناة الجزيرة للشئون الداخلية السعودية. واستغرق الأمر خمس سنوات لحل هذه المسألة.

وازدادت التوترات مرة أخرى بسبب دعم قطر للحركات الإسلامية قبل وأثناء وبعد الربيع العربي، حيث اتبعت قطر والإمارات سياسات متعارضة تمامًا مع الإخوان المسلمين. وأصبحت مصر وليبيا ساحة قتال من أجل التأثير الإقليمي، حيث دعمت الدوحة وأبو ظبي أطرافًا مختلفة.

وفي وقت تسليم السلطة من أمير حمد إلى ابنه البالغ من العمر 33 عاما، الأمير تميم، في يونيو 2013، كانت الرياض وأبو ظبي يحدوهما آمال عريضة في أن يعيد الأمير الشاب الجديد تصحيح نهج قطر في الشئون الإقليمية. ومع ذلك، ففي نوفمبر 2013، أي بعد خمسة أشهر من حكم تميم، رد القادة السعوديون والإماراتيون غريزيًّا على تقارير وسائل الإعلام الأمريكية بأن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين كانوا يعيدون التجمع في الدوحة عقب إسقاط الرئيس المصري محمد مرسي وتأسيس الحكم العسكري. وكان العاهل السعودي الملك عبد الله قد استدعى الأمير تميم إلى الرياض وأنذره "بتغيير سياسة قطر لتتماشى مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بالقضايا الاقليمية". كما طلب من تميم توقيع اتفاقية أمنية إضافية تنص على "عدم التدخل" في "الشئون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى"، والتوقيع على تعهد بالامتثال.

 وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها في مارس 2014، عندما رأت السعودية والإمارات أن قطر لم تمتثل تمامًا للاتفاق الذي وقعه تميم. ولذلك سحبا – مع البحرين – سفراءهم من الدوحة. أما بالنسبة للإمارات التي تتصدى قيادتها لجماعة الإخوان المسلمين، فإن ما أزعجها هو اكتشافها أن العديد من أعضاء حزب الإصلاح، فرع الإخوان في الإمارات، منحتهم الدوحة اللجوء بعد فرارهم من الإمارات في عام 2012.

وبعد محاولات مستمرة للتفاوض مع الكويت التي يقال إن أميرها الشيخ صباح له علاقة وثيقة مع الأمير تميم. انتهى النزاع في نوفمبر 2014 بعد سلسلة من التنازلات القطرية. وشمل ذلك نقل قيادات الإخوان المسلمين في الدوحة إلى تركيا، ومغادرة المنشقين الإماراتيين قطر، وإغلاق فرع قناة الجزيرة في مصر، وإنفاذ ميثاق الأمن الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي، والتعاون الوثيق مع شركاء دول مجلس التعاون الخليجي في قضايا الاستخبارات والشرطة.

ولذلك، فإن الأزمة الراهنة تقوم وتتكامل منذ سنوات. وقد تكون هذه المرة ناجمة عن تفاوض قطر، في أبريل، لإطلاق سراح سجناء 26 عضوا من فريق صيد قطري، يضم أفرادًا من الأسرة الحاكمة القطرية، بعد احتجازهم كرهائن في العراق في ديسمبر 2015. وتفاوضت قطر مع كتائب حزب الله، وهي ميليشيا شيعية لها صلات بإيران، كما قيل إنها تفاوضت مع إيران وحزب الله والجماعات المتطرفة السورية جبهة النصرة لتأمين الإفراج عنهم.

وهناك أخبار بأن قطر قد دفعت ما يصل إلى نحو 500 مليون دولار مقابل تبادل الأسرى، مما أثار غضب العواصم الإقليمية، بما في ذلك بغداد، حيث ادعى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن الصفقة تمت دون مشاركة الحكومة العراقية أو موافقتها عليها. وفي حين أن التفاصيل الدقيقة للاتفاق ما زالت غير واضحة، فإن الاقتراح بأن مثل هذه المبالغ الكبيرة من الأموال قد دفعت للجهات الفاعلة العنيفة غير الحكومية في العراق، مع تواطؤ ضمني إيراني، مما عزز فكرة أن تقارب قطر مع هذه الجماعات يمثل تهديدًا للاستقرار والأمن الإقليميين.

وعلى الرغم من أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا ترقى إلى أفعال الحرب الصريحة، أصبحت من قطر ومن يتهمها محاصرين، قد لا يرغبون في التراجع عن سياسة حافة الهاوية رفيعة المستوى. ومع ذلك، فإن أي آمال في أن تسعى السعودية والإمارات إلى إجبار إدارة ترامب على التقيد بالجانبين سوف تتعقد بسبب مجموعة كبيرة من مصالح الدفاع والأمن والطاقة للولايات المتحدة في قطر، والتي لا يمكن بسهولة تفكيكها أو تكرارها في أماكن أخرى. وعلى الرغم من ذلك، فإن الزيادة المفاجئة في التوتر الإقليمي يعرض الإدارة الأمريكية لمشكلة تتحدى الحل السهل وتلقي بظلالها على الوهج الذي يتمتع به الرئيس دونالد ترامب بعد زيارته للخليج منذ أسبوعين.

المصدر – ذا أتلانتك

للإطلاع على الموضوع الأصلي .. اضغط هنا

ربما يعجبك أيضا