الترجمات

انتهاء عصر الجامعات.. تعرف على الإيجابيات والسلبيات

ترجمة بواسطة – شهاب ممدوح

الفكرة التقليدية عن مكتبة الجامعة هي أنها غرفة فسيحة رائعة يعبق جوها برائحة المسك، وتعلوها أسقف محدبة، وينيرها ضوء ذهبي قوي مُسلّط على صفوف من الطلاب الذين يعسكرون بين الرفوف، أو يجلسون منحنين على الطاولات الخشبية التي تعجّ بآثار أقلام الرصاص والكتب الثقيلة التي وُضعت عليها لعشرات السنين.  

هذا ما كان عليه الحال، لكنه لم يعد كذلك، فخلال العقود العديدة الماضية، باتت مكتبة الجامعة أقل حيوية, وباتت كتبها مغطاة بالغبار بسبب عدم استعمالها، وتم استبدال النظام الذي كانت تُستخدم فيها بطاقات ذات حواف مهترئة بكتالوجات رقمية وأجهزة مسح قوية باستطاعتها تحميل مجلدات كاملة على شبكة الإنترنت خلال دقائق. هناك بعض الجامعات، مثل جامعة شيكاغو، التي قلّصت بشكل كبير من مجموع الكتب لدى مكتباتها. هناك جامعات أخرى، مثل جامعة تيكساس في سان انتونيو, أعادت التفكير في فكرة المكتبة, حيث افتتحت الجامعة أماكن للدراسة خالية من أي كتب. وبدلا من الذهاب للمكتبات من أجل المصادر والمعلومات، يتجمّع معظم الطلاب هذه الأيام في المكتبات بصورة رئيسية من أجل تبادل الأفكار، وكتابة المقالات سوية، والعمل على مشاريع جماعية.

يشهد الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن تحوّلا كبيرا سوف يلغي قريبا الحاجة إلى المكتبات بشكل كامل. يحتاج عمال المستقبل – للمفارقة – إلى تعليم متوفر على نطاق واسع، وشديد التخصص. تواجه الجامعات على ما يبدو أزمة مستحيلة بشأن كيفية تقديم تعليم يكون في متناول عدد كبير من الناس يبلغ أضعاف ما كان عليه في السنوات السابقة, بحيث يكون هذا التعليم مصمما حسب احتياجات الفرد, ولكنه غير مكلّف.

هناك حل شامل قد يكون صادما لعلاج الكثير من هذه الشواغل: وهو تحرير الجامعة, وإزالة كل العوائق المادية من مكتبات، وفصول دراسية، وأساتذة. الحل يمكن في التخلّص من كل هذا؛ لأن مستقبل الجامعة أصبح معلّقا في الهواء.

يقول جيمس سوتو أنتوني، مدير برنامج التعليم العالي في كلية الدراسات العليا في التربية بجامعة هارفارد، إن "كل الجامعات تكافج للإجابة على السؤال التالي:ما الذي تعنية الرقمنة, ومع التغير السريع في التكنولوجيا, كيف يمكننا استغلالها؟. ويضيف سوتو ان "الكليات التي تخشى طرح هذا السؤال تخاطر بمستقبلها".

لقد أتاحت الابتكارات السريعة القادمة من وادي السليكون للطلاب القدرة على  الدردشة فيما بينهم باستخدام طيف كبير من تطبيقات المراسلة وهم جالسون فوق أسرّتهم في مهاجع الجامعة, كما أتاحت لهم العمل بسرعة بالغة عبر المنصّات الرقمية. كما أن هناك تغييرات جذرية تحدث بشكل متزامن في أماكن أخرى في حرم الجامعة: لم تعد فصول الدراسة القديمة, والأروقة البالية شرطا ضروريا للتعليم الجامعي, كما كان عليه الحال خلال القرون العديدة الماضية.

أولا, برزت منصات تعليم رقمية مجانية أو غير مكلّفة  مثل "كورسيرا" و جامعة "فينكس", حيث توفّر هذه المنصات التعليم عن بُعد للأشخاص غير القادرين على الذهاب إلى كليات تقليدية. والآن, باتت الكليات الأهلية والجامعات العريقة على حد سواء تقدم دورات دراسية مجانية على الإنترنت, كما تتيح تلك الجامعات للطلاب, في بعض الحالات, إكمال درجتهم التعليمية جزئيا أو كليا على الإنترنت.

الجزء الأكبر من هذا التوجه الجديد تقف خلفة الشركات العملاقة. حيث أدخلت شركة "آبل" أجهزة الآيباد في غرف الدراسة, ولا ننسى النجاح القوي الذي حققته الأدوات واسعة الانتشار لشركة جوجل من قبيل الجي ميل, وجوجل دوكس, فضلا عن برنامج التعلم التكيّفي الذي أطلقته شركة ميكروسوفت. كل هذه الشركات العملاقة تتنافس, بالطبع, للحصول على جزء من سوق تكنولوجيا التعليم الذي تبلغ قيمته حوالي 250 مليار دولار, والذي مايزال يتنامى.

تجري جامعة Texas A&M في الوقت الراهن محاضرة إلكترونية هي الأولى من نوعها, حيث ستحلّ تلك المحاضرة محل محاضرة إلزامية في علم الاقتصاد: بإمكان الطلاب اجتياز فصل دراسي كامل من دون الحاجة إلى رؤية الأساتذة, أو زملائهم شخصيا. لقد تحوّلت الكتب الدراسية في العديد من الجامعات الأمريكية لتصبح مثل موقع "نيتفليكس" الترفيهي على الإنترنت. وهو ما يعني أن تلك الكتب لم تعد موجودة في صورة مادية. وفي بعض الحالات, أصبح حتى الأساتذة جزء من العالم الافتراضي.

ولكن, بالرغم من كل الحماس حول التعليم الرقمي, إلا أن وتيرة التغيير في الواقع ليست سريعة جدا. يقول "سامرز" إن الابتكار في التعليم العالي "لم تتم متابعته بدرجة من الحماس تناسب التحديات الحقيقة الماثلة". هذا التباطؤ يُعزى إلى حقيقة أن الجامعة تتشكّل من مئات من الأجزاء العنيدة والمتجذّرة. فالجامعة تخضع لعدد لا حصر له من التقاليد. ولذا, فإن التغيير يأتي ببطء, حتى في ظل المراقبة اللصيقة للجامعات من جانب وادي السليكون الذي ينتظر بفارغ الصبر حدوث هذا التغيير.

أظهر استطلاع أخير أن نسبة كبيرة من أساتذة الجامعات لا تؤيد فكرة التعليم عبر الإنترنت. وهذا أمر مفهوم, لأن هذا النوع من التعليم يهدد, جزئيا, وظائفهم.

ووفقا لتقرير صدر مؤخرا بشأن التحوّل الرقمي في التعليم العالي, يتوقع 50 بالمائة فقط من المستجوبين (بما في ذلك طلاب, ورؤساء جامعات, ومهتمون بشأن تكنولوجيا التعليم) أن يتم تغيير "نموذج" الجامعة التقليدية بحلول عام 2025. من المؤكد أن غالبية الأشخاص تؤمن بأن التكنولوجيا هي مستقبل التعليم, لكنهم متشككون في درجة مشاركة التكنولوجيا في التعليم. "إن تحريك جامعة ما, هو أشبه بتحريك مقبرة, فلا يمكنك توقع أي مساعدة من ساكنيها" حسبما تقول "باربرا أوكلي", وهي أستاذة جامعية درّست الهياكل الطبقية التقليدية لسنوات في العديد من الجامعات, وذلك قبل أن تلتحق بموقع "كورسيرا" من اجل التدريس هناك.

هناك أيضا عامل الصدمة. حيث أن دخول الحرم الجامعي بأكمله على الإنترنت للدراسة هو فكرة تسبب قلقا هائلا للأباء الذين يخشون من أنهم سوف يرسلون ابناءهم قريبا إلى سجون صغيرة في السكن الجامعي, حيث أن كل ما سيفعله هؤلاء الابناء هو الدردشة فيما بينهم, ومشاهدة الفيديوهات على حواسيبهم, والاتصال بالمطاعم لإرسال وجبات جاهزة لهم, من دون الخروج إلى ضوء الشمس.

 "ميشيل بوربا" هي عالمة نفس ومؤلفة لكتاب بشأن التدريب على التعاطف, وهي تقدم المشورة لأصحاب الأعمال بشأن كيفية زرع التعاطف في خريجي الجامعات الحديثين, الذين حصل العديد منهم على درجة علمية من دون أن يكونوا مجبرين على العمل بصورة وثيقة مع الآخرين. تقول بوربا إن "ما نخسره اليوم هو التواصل الإنساني" وتحذر من العصر الرقمي بوجه عام. وتضيف  "أنت لن تتعلم التعاطف من خلال النظر إلى الشاشة. لقد فقدنا القدرة على تمييز العواطف. وصرنا نشاهد فجوة في الشخصية لدى الأطفال. هذا أمر مدمّر".

لكن في الوقت ذاته, هناك فائدة كبيرة من ذلك. فالمهارات الشخصية الضرورية لوظائف المستقبل سوف تتضمّن أكثر من مجرد معرفة طريقة إجراء محادثة بين شخصين. سيكون على الأشخاص الذين نشأوا في العصر الرقمي أيضا ان يديروا العلاقات على الفضاء الإلكتروني, وربما حتى العمل لسنوات مع رؤساء لم يلتقوهم أبدا بصورة شخصية. الفصل الدراسي للأستاذة "باربرا أوكلي"- وهو بعنوان "تعلم كيفية التعلم"- على موقع "كورسيرا" مثلا, هو عبارة عن برنامج تفاعلي لتعليم المهارات الشخصية مثل الانضباط والتكرار, وهي أمور من المستحيل توصيل معناها في محاضرة تقليدية.

"أقف هناك أمام ما أحاول تدريسه, وفجأة اقترب من الشاشة ويظهر نصف جسدي" وتضيف باربرا "استطيع استخدام مؤثرات بصرية رائعة, أو أن استخدم استعارات مجازية. هذا له تأثير كبير" إنه بحق عالم جديد تماما.

لقد تم تطوير نظام التعليم الخصوصي الشهير في جامعة أوكسفود- حيث يلتقي طلاب جدد بصورة فردية مع مرشدين ناضجين لإجراء نقاشات تفيض بالحيوية,أي المثل الأفلاطوني الأعلى للتعليم العالي- عندما كان أقل من واحدة بالمائة فقط من السكان يذهبون إلى الجامعة. لقد نلقت الثورة الصناعية الكبرى بالفعل التعليم من عالم التلمذة المهنية الفردية إلى نظام تعليمي شامل وجماعي: أصبحت سنوات التعليم الموحّد في المدارس فجأة ضرورية لإعداد الأطفال للطريقة الجديدة للعيش, ولاحقا, عندما توسّع الاقتصاد وأصبح سوقا للمهن المتخصصة, أضحى التعليم المتعمّق في الجامعات شرطا ضروريا أيضا.  

لم تعد التكنولوجيا تعيد تشكيل الطرق التي نعيش ونعمل بها فحسب, لكنها باتت أيضا تغيّر ما نحتاج إلى تعلمه لمواكبة التحديات الجديدة في حياتنا: التكنولوجيا تجعلنا بحاجة للعودة إلى التعلّم المتخصص, والتعليم الفردي الذي يناسب حاجات كل فرد على حدة. إن العالم الذي يكون فيه معظم تعليمنا ذاتي التوجيه وعمليا أكثر, سيكون بمثابة عودة إلى نموذج التلمذة المهنية الذي كان موجودا قبل الثورة الصناعية. لكن هناك فرق مهم, فالتعليم في الوقت الحديث لن يكون عبر الكتب القديمة والبالية القابعة على رفوف المكتبة التي لم يمسّها احد, بل سيكون في السحاب (الحوسبة السحابية).

النتيجة الأكثر ترجيحا هي أن التعليم العالي في المستقبل سيكون عبارة عن سلسلة من الخدمات.

يعتبرالتعليم عبرالإنترنت أقل كلفة, حيث تعرض الجامعات درجات علمية بأقل كلفة ممكنة, وهذة الدرجات العلمية غير المكلّفة متاحة لأي شخص يمكنه الوصول إلى الإنترنت, وتكون الدراسة رقمية بالكامل. من جهة اخرى, سيكون على الطلاب الآخرين دفع أموال إضافية للتفاعل مع الأساتذة, ولخوض تجربة العيش في الحرم الجامعي. وفي المستويات العليا, ربما يخوض الطلاب الأكثر ثراءً من ابناء النخبة تجربة التعليم الخصوصي لجامعة أكسفورد بشكل كامل, وتكون لديهم فرصة لقاء أفضل العلماء هناك, لكنهم سيضطرون لدفع مبالغ طائلة من أجل ذلك.

إن التعليم الرقمي بات في طريقه بالفعل لأن يصبح هو القاعدة, ومن المحتمل أن يكون الطلاب الأغنياء في يوما ما هم الوحيدون الذين يرغبون في الذهاب للجامعة في صورتها المادية. أما غالبية الطلاب, فمن المرجح أن يتلقّوا تعليما يمزج بين التفاعل مع الأساتذة في فصول دراسية متوسطة الحجم, وبين تلقّي محاضرات كثيرة عبر الإنترنت.  

  لقد بات التعليم الجامعي في يومنا هذا ضرورة ملحّة للحصول على وظيفة. ويتعين على الجامعات والطلاب على حدّ سواء أن يتقبّلوا حقيقة أن الطلاب الذين يدفعون أموالا أكثر, هم من سيحصلون على المهارات الأثمن والأكثر ندرة. في التعليم الجامعي, كما هو الحال بالنسبة للمنتجات والخدمات الأخرى العديدة في الاقتصاد الحديث, وسّعت التكنولوجيا فرص الوصول إلى التعليم حول العالم, ولكن ذلك يأتي على حساب زيادة عدم المساوة.  
  
 المصدر – كوارتز

للإطلاع على الموضوع الأصلي .. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى