تعرف على الانشقاقات التى تعصف بجبهة تحرير الشام


١٨ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٠٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح

في الثالث عشر من شهر سبتمبر, حدث انشقاق داخل أقوى مجموعة جهادية في سوريا. ولا نقصد بذلك تنظيم داعش المُنهك القوى, والذي تعتقد الولايات المتحدة أن عدد قواته انخفض إلى 10 آلاف مقاتل موجودين في معاقل التنظيم المنهارة في شرق سوريا, لكننا نقصد جماعة "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر على إقليم إدلب في شمال غرب سوريا.

فقدت هيئة تحرير الشام مؤخرا بعضا من أهم قادتها, ما جعل قبضة الجماعة على السلطة هناك أضعف مما كانت عليه في السابق. من جانبه, تصطفّ قوات المعارضة المدعومة من أنقرة خلف خطة تهدف لتهميش دور تلك الجماعة, في وقت جلس فيه مسؤولون أتراك مع روسيا وإيران في أستانة للحديث حول حلّ مشكلة الجهاديين في إدلب.

إن إلحاق الهزيمة بهيئة تحرير الشام سيكون له بلا شك تبعات واسعة النطاق على سوريا وعلى الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب. لكن أعداء الهيئة لا ينبغي أن يرفعوا من سقف أمالهم, لأنه عند إمعان النظر, سنجد أن الجهاديين ربما قد يكون بإمكانهم تجاوز العاصفة الراهنة.

تفكك وانهيار
عندما اجتمع متشددون إسلاميون في شهر يناير لتأسيس جماعة سورية كبيرة تحت اسم "هيئة تحرير الشام", بدا الأمر وكأنه المسمار الأخير في نعش الثورة السورية التي اندلعت ضد الرئيس السوري المستبد, بشار الأسد. لقد كان المتمردون السنّة بالفعل في وضع حرج, وفي حال تحوّلت تلك الجماعة الجهادية إلى واجهة لهم, فإنهم سيفقدون بذلك أي أمل في تقديم دعم دولي لهم.

عزّزت هيئة تحرير الشام في شهر يوليو من قوتها في إدلب, وذلك عبر تحطيمها لجماعة أحرار الشام المدعومة من تركيا, واستيلائها نتيجة لذلك على ممتلكات مهمة في إقليم إدلب, مثل معبر باب الهوى, والمحاكم الشرعية المحلية, والمؤسسات الممولة بالمعونات والمسؤولة عن تقديم الخدمات العامة.  

أخبرني عبد الرازق المهدي, وهو داعية سلفي نافذ في إدلب كان قد انضم لفترة وجيزة لهيئة تحرير الشام في يناير قبل أن يغادر صفوفها, بأن " إدلب تخضع اليوم لفصيل هيئة تحرير الشام". ويضيف المهدي بأن الهيئة هي "الأكبر والأقوى" في إدلب. لكنه استدرك بالقول إنه لا يزال هناك "عدد من الفصائل التي لديها وجود, وتسيطر على بعض المناطق هناك".  

منذ انتصارها على حركة "أحرار الشام", تواصل هيئة تحرير الشام محاولاتها لتعزيز سلطتها. لكن هيمنتها الساحقة أثارت الامتعاض وكشف عن انقسامات داخل صفوفها. حيث انسحبت إحدى الجماعات المكوِّنة للهيئة, كتائب نور الدين زنكي المدعومة سابقا من الولايات المتحدة, من صفوفها في شهر يوليو احتجاجًا على إجراءات الهيئة القمعية ضد حركة أحرار الشام. وفي الحادي عشر من سبتمبر, استقال كل من الجهادي الشهير على الإنترنت "عبد الله المحيسني" وداعية سعودي آخر من الهيئة. كما شهد يوم الأربعاء توجيه أكبر ضربة للهيئة حتى الآن, وذلك عندما أعلن "أبو صالح طحان", وهو قائد قوي سابق في حركة أحرار الشام, أنه سيغادر هو ورجاله هيئة تحرير الشام للعمل بصورة مستقلة.

ومع انشقاق طحان, تعود هيئة تحرير الشام مرة أخرى إلى جذورها التاريخية: فرع تنظيم القاعدة الذي كان يُعرف في السابق باسم جبهة النصرة. إن مشروع الهيئة لتوحيد جماعات المعارضة السورية, يبدو وكأنه قد مُني بالفشل.

بينما تشهد هيئة تحرير الشام انشقاقا في صفوفها, تحاول جماعات المعارضة المدعومة من تركيا بناء قوة عسكرية معارِضة قادرة على تحدي هيمنة الهيئة, وإدخال إدلب ضمن مناطق خفض التصعيد, وفقا لما أقرّته محادثات السلام في أستانة, والتي تشارك في إدارتها إيران, وروسيا, وتركيا. ووفقا للجنرال "سيرجي رودسكوي", فإن الجولة الجديدة من المحادثات- التي بدأت بالأمس في كازخستان- ستركّز تحديدا على طريقة إدخال إدلب في ترتيبات خفض التصعيد, والتي تتضمن وقفا طويل الأمد لإطلاق النار, وشكلا من أشكال الحكم الذاتي المؤقت.  
 
لكن تطبيق ذلك على الأرض لن يكون سهلا. فمراقبة وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا سيتطلب التعامل مع هيئة تحرير الشام بطريقة أو بأخرى. وبالرغم من أن عبد الرزاق المهدي يزعم بأن تحرير الشام ربما تعيد تقديم نفسها في شكل "إدارة مدنية" مقبولة دوليا يمكنها العمل داخل منطقة خفض التصعيد, إلا أن هناك دبلوماسيين يشككون في مثل تلك الحيل. حيث حذرت الولايات المتحدة من اتخاذ "إجراءات عسكرية" في حال عزز الجهاديون من قبضتهم على إدلب, كما أخبرني مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في الشهر الماضي, بأن قرار تصنيف "جبهة النصرة" جماعة إرهابية في عام 2012 سيظل كما هو "بغض النظر عن الاسم الذي تستخدمه أو الجماعات التي تندمج معها". تشير روسيا هي الأخرى إلى هيئة تحرير الشام بأنها "عدو خطير" وحذرت من مغبة حذفها من قائمة الجماعات الإرهابية.
لا يبدو أن أيا من الدول المشاركة في محادثات أستانة تشعر بالارتياح من التعامل مع الهيئة باعتبارها جهة شرعية, بالرغم من أن تلك الجماعة ستسيطر على أي منطقة تدخل ضمن نطاق وقف إطلاق النار في عموم إدلب. تسعى موسكو وطهران منذ أشهر لدفع تركيا لوضع خطة لتقليل الوجود الجهادي في إدلب, حيث تهدد الدولتان بدعم هجوم جديد يشنه النظام السوري ضد إدلب في حال فشلت تركيا في تحقيق ذلك.

لقد حاولت تركيا التعاون في هذا الشأن بقدر استطاعتها. حيث قال إبراهيم كالين, المتحدث باسم الرئاسة التركية في يوم الخميس: "هدفنا هو إعلان إدلب بوصفها منطقة خفض تصعيد", وأضاف كالين أن "تركيا ستفعل كل ما هو ضروري إذا كان هناك دور تستطيع أن تؤديه".
المشكلة لا تكمن في أن تركيا لا ترغب في الانصياع لمطالب الدولتين, لكنها تكمن في أنها لا تعرف طريقة فعل ذلك. فبعد عملية التطهير التي نفذتها تحرير الشام في يناير ويوليو, فقدت تركيا مجموعة من الحلفاء داخل إدلب. إن تحرير الشام مازال لديها الكثير من الأعداء الذين هم أيضا أصدقاء لتركيا, لكنهم منقسمون ويفتقرون للقيادة. ولو علّمتنا الحرب السورية شيئا فهو أن الجماعات الصغيرة الكثيرة التي لا تتعاون مع بعضها البعض لا يمكنها هزيمة جماعة كبيرة مركزية لا تخجل من استخدام القمع العنيف. إذا أراد الأتراك تقويض هيئة تحرير الشام, فسيكون عليهم أولا أن يوحّدوا صفوف حلفائهم في المعارضة خلف قيادة واحدة.

 في الثلاثين من شهر أغسطس, دعت جماعة مكوّنة من رجالة دين سنّة منفيين الفصائل العسكرية غير الجهادية للتوحّد في "جيش وطني" يُدار تحت رعاية الحكومة السورية المعارِضة الموجودة في المنفى في مدينة غازي عنتاب في تركيا. حظيت هذه الخطة, التي تتمتع بدعم  واضح من أنقرة, بدعم عشرات الفصائل العسكرية, بما في ذلك عدد من الجماعات الصغيرة التابعة للجيش السوري الحر, وما تبقى من حركة أحرار الشام.

لقد كشفت الحكومة المنفية في غازي عنتاب في الحادي عشر من سبتمبر عن القيادة المقترحة لهذا التشكيل العسكري الجديد. إن اختيار الحكومة للعقيد محمد فارسي لشغل منصب وزير الدفاع في هذا التشكيل العسكري الجديد, كان غريبا: لم يلعب "فارسي" دورا في الماضي في حركة التمرد, لكنه أصبح في عام 1987 رائد الفضاء السوري الأول والوحيد الذي يذهب إلى الفضاء. أما منصب رئيس الأركان, فقد اختارت له الحكومة في غازي عنتاب اللواء "سالم إدريس" الذي قاد حركة المقاومة في سوريا بين عامي 2012 و2014, وذلك قبل أن ينهار الجيش الحر إثر الانشقاقات العبثية التي لا حصر لها داخل حركة التمرد. لكن يبدو أن إدريس رفض شغل هذا المنصب.

حتى الإسلاميين المتشددين باتوا الآن يتفقون مع استراتيجية أنقرة, بعد شعورهم على ما يبدو أن هذه هي فرصتهم الأخيرة للتخلص من عبء هيئة تحرير الشام, ولإنقاذ إدلب من وصمها بأنها جيب جهادي إرهابي, ولتجنيبها مصير مدينة الرقة الخاضعة لتنظيم داعش.

أعلن قائد حركة أحرار الشام, حسن صوفان, يوم الأربعاء عبر موقع تويتر, أن جماعته "ستكافح على مائدة التفاوض". وبالرغم من أن الصياغة لم تكن واضحة, إلا أنه كان من المفهوم على نطاق واسع أنها تعني أن حركة أحرار الشام ستتخلى أخيرا عن نهجها الرافض, وستنضمّ لمحادثات أستانة.

أكدّ صوفان هذه النظرية في مساء يوم الخميس, حينما قال لي:"نعم, سنشارك في أستانة". وأضاف "ونحن نؤيد بناء جيش وطني تدخل فيه كل فصائل المعارضة تحت سقف المصلحة الوطنية, وفقا لنظام عادل يضمن الحريات".

لقد رفضت حركة أحرار الشام لسنوات عديدة الانضمام لمشاريع التوّحد من هذا النوع تحديدًا, متذرعة بقلقها إزاء افتقار تلك المشاريع للشرعية الإسلامية. والآن بعد أن تخلّت أحرار الشام أخيرا عن مقاومتها للسياسات التي تبنّتها بالفعل كل جماعات المعارضة الأخرى تقريبا باستثناء هيئة تحرير الشام وحلفائها المتطرفين, تكون المعارضة السورية لديها, للمرة الأولى, الفرصة لتأسيس جبهة سياسية موحّدة تعارض الأسد وهيئة تحرير الشام. لكن هل هذا يكفي لصنع فرق؟

 قد يبدو قرار انضمام العديد من الجماعات لإستراتيجية أنقرة استعراضا مذهلا للوحدة بين فصائل المعارضة في مواجهة القادة الجهاديين في إدلب, وربما حتى نقطة تحول في الحرب بمجملها, لكن تلك الإستراتيجية في حد ذاتها غير كافية وجاءت متأخرة.   

في البداية, يبدو أن فكرة حكومة المنفى التي كثر الحديث عنها, والقاضية بتأسيس جيش وطني, ليس لها وجود إلا في المنفى فقط. فبالرغم من أن تلك الخطة تحظى بدعم حركتي أحرار الشام ونور الدين زنكي, إلا أنها تفتقر لدعم الصف الثاني من الجماعات المسلحة في إدلب, أي الجهاديين الإيغور التابعين للحزب الإسلامي التركستاني الذي يحظى بعلاقات طيبة مع هيئة تحرير الشام, وفصيل أبو صالح الطحان المنشق عن الهيئة. وما تبقى هو مزيج من الإسلاميين الساخطين, والقادة القابعين في المنفى, وجماعات صغيرة تابعة للجيش السوري الحر. وبالرغم من أن هذا التحالف كان يمكن أن يحدث فرقا في الماضي, وربما مازال بإمكانه أن يصنع فرقا في مناطق أخرى من سوريا, إلا أنه من غير المرجح أن يحدث هذا التحالف تغييرا ذا معنى على الأرض في إدلب, حيث لا تزال هيئة تحرير الشام تحظى بوجود قوي هناك, وهي على أهبة الاستعداد لقمع الإشارة الأولى على إعادة تنظيم صفوف المعارضة.

إن الأمر الوحيد القادر واقعيا على قلب موازن القوى لصالح الجماعات غير الجهادية في إدلب هو قيام تركيا بتدخل عسكري عنيف, يزوّد المعارضة بالقوة النارية والقيادة العملية التي يفتقرون إليها. ولكن, على الرغم من تلميح تركيا إلى التدخل العسكري أثناء محادثات أستانة, وهي قد تقوم في مرحلة ما بنشر قواتها بشكل محدود عبر الحدود, إلا أنه يبدو أن تركيا ليست لديها القدرة أو العزيمة لإعادة هندسة الأوضاع السياسية للمعارضة في منطقة شمال غرب سوريا. ومع تورّط القوات التركية في تدخل عسكري لا نهاية له في مكان آخر في سوريا, فإن أنقرة ستفكر على الأرجح مرتين قبل أن تبدأ عملية عسكرية أخرى. إن أي انتشار للقوات التركية, سيكون خدمة لمصالح تركيا الخاصة وفقا لمفاوضاتها مع روسيا وإيران, وليس خدمة لمصالح المعارضة السورية, التي تتمحور حول إسقاط حكومة الأسد.  

إذا, فإن هذه العاصفة العارمة لا تعدو كونها مجرد نسمة هواء. ففي ظل غياب جبهة موحّدة للمعارضة, أو تدخل عسكري تركي, ستواصل هيئة تحرير الشام على الأرجح, حتى وإن أصابها الضعف, هيمنتها على شمال غرب سوريا, ما سيجعل القوى الأجنبية ترفض دعم جماعات المعارضة هناك. لو حدث هذا الأمر, فإن إدلب ستواصل الانزلاق نحو مصير يشبه مصير مدينة الرقة التي فُرضت عليها العزلة الدولية, ما يسمح للأسد بانتظار الفرصة الملائمة لاستئناف عملياته العسكرية, ولكن بموافقة دولية هذه المرة.

المصدر - فورين أفيرز

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق