نظرة إلى الداخل الروسي... بوتين ليس عبقريًا إنه مجرد بريجينيف آخر


١٥ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

"هناك تجربتان تاريخيتان معروفتان تماما في العالم - ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. الآن هذه هي قضايا يمكن أن يراها الجميع " هذا ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطاب أمام مجلس الدوما عام 2012. ولأنه كان عميلاً سابقًا لدى جهاز الاستخبارات الروسية "كي جي بي" في ألمانيا الشرقية الشيوعية، فهو على دراية تامة بما تحدث عنه. وقال لاحقًا إن الشيوعية ما هي إلا "عقم تاريخي".

وأوضح أن "الشيوعية وقوة السوفيت لم تجعلا روسيا بلدًا مزدهرًا". واضاف أن تراثها الرئيسي "كان يقود بلدنا لتتخلف بشكل مطرد وراء الدول المتقدمة اقتصاديا. لقد أدخلنا في نفق مظلم بعيدًا عن الحضارات العالمية العظمى".

ومع ذلك فإن روسيا اليوم تتخلف بشكل مطرد وراء الدول المتقدمة اقتصاديًا – والرئيس الروسي لم يقم بأي شيء لمواجهة هذا الوضع. وتغلب بوتين مؤخرا على ليونيد بريجنيف في أنه الزعيم الروسي الذي حكم لفترة طويلة منذ جوزيف ستالين. كما يبدو سجله الاقتصادي، من حيث اقتران الاستقرار مع الركود، مثل اقتصاد بريجنيف تمامًا.

وقد أثبتت السنوات الأربع الماضية أن الاقتصاد الروسي يمكن أن يصمد أمام الصدمات الوحشية، بما في ذلك انهيار أسعار النفط عام 2014 والعقوبات الغربية اللاحقة على البنوك الروسية وشركات الطاقة. ولكن هذه السنوات الأربع أثبتت أيضًا أن العودة إلى النمو السريع أمر غير محتمل.

ففي عام 2017، نما الاقتصاد الروسي بنسبة 1.4 %، أبطأ بكثير من كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو. ومن المتوقع أن يكون أداءه ضعيفاً في عام 2018 أيضًا بفضل العقوبات وانخفاض أسعار النفط، إضافة إلى تراجع الاستثمار منذ أمد طويل. إن روسيا أكثر فقرًا من منافسيها الغربيين، لذلك يجب أن تنمو بشكل أسرع منهم. ولكن روسيا كانت في العام الماضي أحد أبطأ الدول نموا في أوروبا الوسطى والشرقية، مثل جاراتها بولندا ورومانيا. ولا تسأل حتى عن المقارنات مع دول آسيا.

وقال بعض الروس "ينتظرون حتى بعد الانتخابات"، مؤكدين أن بوتين سيطبق إصلاحات اقتصادية صعبة، ولكنها ضرورية بعد إعادة انتخابه بسلام. وهذا أيضًا يبدو غير وارد".

صحيح أن الاقتصاديين الروس والسياسيين وقادة الأعمال يضعون خططًا كبرى لتنشيط اقتصاد البلاد. ولكن هناك مدرستان رئيسيتان للفكر الاقتصادي. فوزير المالية السابق ألكسي كودرين، الذى عمل مع بوتين منذ أن كانا في سان بطرسبرج في التسعينات، لديه مجموعة من المقترحات لتحرير الاقتصاد الروسي والاستثمار في رأس المال البشري الروسي. ويرى كودرين أن مناخ الأعمال في روسيا – حيث تصادر الحكومة الشركات الخاصة، ويتم عرقلة رجال الأعمال بالإجراءات الروتينية – هو ما يعوق الاستثمار الذي تحتاجه روسيا لتعزيز النمو. وبدلا من إنفاق المال على الأجهزة العسكرية والأمنية، التي انفقت عليها الأموال بكثرة في السنوات الأخيرة، يدعو كودرين إلى الإنفاق على الصحة والتعليم بدلا من ذلك، مما يساعد الروس على العمل لفترة أطول ومنحهم المهارات اللازمة لكسب أجور أعلى.

ويعتقد كودرين وحلفاؤه أن روسيا يمكن أن تجذب الاستثمار بأن تجعل اقتصادها أكثر جاذبية للقطاع الخاص، وهو مخيم بديل يعتقد أن الحكومة الروسية يجب أن تستثمر المزيد من نفسها. وعلى سبيل المثال، حث السياسي الروسي بوريس تيتوف الحكومة على خفض أسعار الفائدة بشكل حاد، حتى تتمكن الشركات من الاقتراض. كما يريد أن تدعم الحكومة قروض الشركات والاستثمار المباشر في الصناعة. ويدعم دعوات تيتوف للاستثمار المدعوم من الدولة، العديد من الصناعيين الذين سيستفيدون من دفعات الائتمان الممولة حكوميًّا.

إذا تم اعتماد مقترحات تيتوف، سيرتفع التضخم الروسي، وسيغرق الروبل.

ولكن أفكار كودرين حول تحسين مناخ الأعمال والاستثمار في الصحة والتعليم هي أكثر معقولية بكثير. ولكن لن يتم اعتماد أيًا من المقترحين؛ لأن كل منهما يتناقض مع مبدأ أساسي من مبادئ الاقتصاد البوتنيوي – وهي مجموعة السياسات الاقتصادية التي حافظت على بقاء بوتين في السلطة منذ ما يقرب من عقدين.

وقد نشر بوتين استراتيجية اقتصادية ذات ثلاث محاور، وهي ما سمحت له بالاستمرار في الحكم، وهى :
أولا، الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي بأي ثمن، والسعي إلى خفض عجز الميزانية، وخفض مستويات الديون، والحد من معدل التضخم حتى ولو على حساب النمو.
 ثانيا، استخدام شبكة الأمان الاجتماعي لشراء الدعم من الجماعات القوية سياسيا - وقبل كل شيء، المتقاعدين - بدلا من الاستثمار في المستقبل.
ثالثا، التسامح مع القطاع الخاص فقط في القطاعات "غير الاستراتيجية"، وسيطرة الدولة على المجالات التي تتقاطع فيها الأعمال والسياسة، مثل الطاقة و وسائل الإعلام.

ويتفهم الكرملين أن الحفاظ على سياساته الحالية سيحافظ على الوضع في روسيا مستقرًا ولكنه راكدًا، وعدم الاستثمار في رأس المال البشري وفي المشروعات الخاصة، بينما هناك إنفاق مفرط على الشركات الخاسرة والفاسدة المملوكة للدولة. وسيبلغ النمو الاقتصادي حوالي 2٪ سنويا. ومن وجهة نظر بوتين يمكن تحمل الركود الاقتصادي. فلديه الأدوات التي يحتاجها للبقاء في الحكم. وعلى النقيض من ذلك، قد تؤدي التغيرات الكبيرة في السياسات الاقتصادية إلى غضب مجموعات الدعم الرئيسية وإضعاف سيطرة الكرملين على السياسة الروسية.

ومن غير المحتمل أن يتم تنفيذ مقترحات تيتوف بأن تستثمر الحكومة أو البنك المركزي مباشرة في الصناعة لصالح الكرملين. وقد بنى بوتين سمعته السياسية كمصدر للاستقرار، ليس الاستقرار السياسي فحسب، بل أيضًا استقرار الاقتصاد الكلي. حيث قام بتسديد ديون روسيا الخارجية، وقلص عجز الموازنة الحكومية، وأبقى التضخم في معدل منخفض. ولكن خطط تيتوف لزيادة الإنفاق الحكومي على الصناعة، إما عن طريق الديون أو عن طريق طباعة الورق النقدي، من شأنها أن تقوض هذا الاستقرار الذي اكتسبه بوتين بشق الأنفس.

ولكن هناك فرصة في أن يضاعف تنفيذ مقترحات تيتوف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في روسيا، كما وعد. وهناك أيضا احتمالية زيادة التضخم أو أن تتسبب في انهيار العملة. وإذا أدى برنامج بوتين للإصلاح الاقتصادي في مرحلة ما بعد الانتخابات إلى نتيجة كهذه، فإن الروس لن يلوموا أحدًا غيره. فلماذا إذًا يخاطر إذا كان الوضع الراهن مستقرًا ومستمرًا؟

وبالنسبة للإدارة السياسية في الكرملين، فإن مقترحات كودرين لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، وخفض ميزانيات أجهزة الأمن، وتحسين مناخ الأعمال، لها نفس الإشكالية. فمن الناحية الاقتصادية، بالطبع، هذه أفكار أفضل من خطط تيتوف لطباعة أوراق النقد. ومن المرجح أن يقدر الروس المثاليون المزيد من الإنفاق الاجتماعي، خاصة بعد سنوات من التقشف. ومن يستطيع أن يعارض مناخ أعمال أفضل؟
حسنًا، ربما يعارض ذلك ائتلاف بوتين السياسي.

وبالنظر إلى الجماعات السياسة الروسية التي تدعم الرئيس بقوة. فإن دعم الطبقات الوسطى في المناطق الحضرية سيكون فاترًا. بيد أن بوتين يحافظ على دعم قوي من أجهزة الأمن والمجمع العسكري الصناعي، والشركات المملوكة للدولة التي تسيطر الان على ثلثي الاقتصاد الروسي تقريبًا.

ومن ثم، فإن اقتراح كودرين بتحويل الإنفاق بعيدًا عن الجيش والأمن إلى الصحة والتعليم، سيضر بالمكون المركزي في الائتلاف السياسي الداعم لبوتين. ولم يكن الإبقاء على الإنفاق العسكري مرتفعًا مهمًا فقط لتمويل الحروب الخارجية للجيش الروسي. ولكنه يحافظ أيضًا على ولاء العمال العاملين لأن العديد من المصانع العسكرية الروسية لا أمل لها في الاستمرار ما لم يواصل الكرملين شراء معدات عسكرية جديدة بأسعار سخية.

وحتى لو قررت روسيا الحد من حروبها في سوريا وأوكرانيا، فإن خفض ميزانيات المشتريات العسكرية قد تتعرض لخطر تسريح العمال– والاضطرابات الاجتماعية – في المدن التي تعتمد على الإنفاق الدفاعي. فالضرورة السياسية تعني أن من غير المرجح أن تخفض روسيا ميزانيتها الأمنية بشكل حاد.

ولكن حتى لو لم يكن بالإمكان خفض الميزانية العسكرية، فهل من المؤكد أن يكون تحسين مناخ الأعمال خطوة غير مكلفة للكرملين؟ بالكاد. فالحد من القدرة الاحتكارية، على سبيل المثال، أو حظر الشركات المملوكة للدولة من مصادرة منافسي القطاع الخاص يهدد نموذج الأعمال للعديد من كبريات الشركات الروسية، التي تشكل أساس دعم النخبة الحاكمة في روسيا. وقد يكون من السهل القضاء على الفساد وتحسين الكفاءة، ولكنهما سيضران ببعض أقوى مؤيدي بوتين.

وعندما يكشف بوتين عن برنامجه الانتخابي في الأيام المقبلة، فلا يمكن أن نتوقع كثيرًا في المضمون. ومن المحتمل أن يعد بوتين ببعض الإصلاحات المحلية قصيرة الأجل قبل الانتخابات. وبعد التصويت، من المحتمل ان تواجه روسيا تغييرات اقتصادية مؤلمة، والتر ربما ستأتي في شكل زيادة الضرائب على الأفراد والشركات، وليس عن طريق اصلاحات من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي. سيدافع مؤيدو بوتين عن نفوذهم، مما يجعل من المستحيل إجراء أي تغييرات على الشركات الفاسدة المملوكة للدولة في روسيا أو أجهزتها الأمنية. وسيواصل اقتصاد روسيا في أدائه السيء بالمقارنة مع  الأسواق الناشئة الأخرى. وسوف تبدو روسيا بوتين مثل "التجارب التاريخية المعروفة جدًا" التي وصفها بوتين لمجلس الدوما في عام 2012 – في دليل على أن الاقتصاد الذي يتسامح مع عدم الكفاءة، ويحتضن الاكتفاء الذاتي محكوم عليه– كما قال بوتين– أن يتخلف عن الركب.

المصدر - فورين بوليسي


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق