الترجمات

بوليتيكو | باريس تتفوق على لندن.. تعرف على مظاهر التنافس التكنولوجي بين فرنسا وبريطانيا

ترجمة بواسطة – شهاب ممدوح
تنحّي جانبا يا بريطانيا، فهناك بطل أوربي جديد في مجال التكنولوجيا.

في ظل مشاعر القلق من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي سيعرقل الطموحات الرقمية للمملكة المتحدة، تراهن فرنسا على أنها تستطيع إزاحة بريطانيا من عرشها بوصفها أكبر- وأبرز- دولة رائدة في مجال التكنولوجيا   

إن هذا التغيير الحاصل في مواقع اللاعبين في القطاع الرقمي يعود بشكل رئيسي إلى الإستراتيجيات المتناقضة التي تتبعها لندن وباريس في تعاملهما مع الشركات الناشئة وأصحاب رؤوس الأموال وبعض الاسماء الكبيرة القادمة من "وادي السليكون"، وفقا لما ذكرته جهات مطلعة في هذه القطاع وصنّاع قرار كبار ومدراء تنفيذيين في شركات التكنولوجيا لموقع "بوليتيكو"، وقد اشترط الكثير من هؤلاء عدم الإفصاح عن هويتهم لأنه غير مسموح لهم بالتحدث علانية.

في بريطانيا، أدّى تركيز الحكومة على مسألة مغادرة الاتحاد الأوربي إلى تخفيض مستوى علاقاتها مع قطاع التكنولوجيا المحلي، وتقليل إمكانية الوصول إلى "تيريزا ماي" ومسؤولين كبار، فضلا عن الإجراءات الصارمة التي اتخذها صنّاع القرار في المملكة المتحدة ضد ما يُعتقد أنها أفعال خاطئة ارتكبتها شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل وفيسبوك.

لكن في فرنسا، قاد الرئيس (إيمانويل ماكرون)- الرئيس الفرنسي ذو الشعبية والذي يتحدث الإنجليزية- جهدًا تنظيميًا مزدوجًا لإعادة صياغة التشريعات المحلية المرهقة، من بينها قوانين العمل المحلية، وتقديم طلبات، غالبا ما تكون خلف الأبواب المغلقة في اجتماعات مباشرة، يدعو فيها الشركات التكنولوجية متعددة الجنسيا لدفع المزيد من الضرائب للخزينة الفرنسية.

لقد دفع نهج "العصا والجزرة" الذي اتبعه ماكرون العديد من أقطاب التكنولوجيا الأمريكيين، مثل "مارك زوكربيرج" رئيس شركة فيسبوك، و"دارا خسروشاهي" رئيس شركة أوبر، لزيارة باريس بغرض إغراء ماكرون، ومن بين تلك الإغراءات الإعلان عن إنشاء مراكز أبحاث جديدة وخلق وظائف في مجال التكنولوجيا في عموم فرنسا. لقد جذب مؤتمر "فيفا تيك" في باريس في وقت مبكر من هذا الشهر ما يزيد على خمسين رئيسا تنفيذيا لشركات تكنولوجية، وقد أخبرهم ماكرون أنهم لن يحصلوا على "غداء مجاني" بينما هم في فرنسا.

وعلى النقيض من ذلك، لن يجري العديد من هؤلاء الرؤساء التنفيذيين رحلات ضغط مماثلة إلى لندن، في وقت تشهد فيه قوة بريطانيا على تغيير المشهد التكنولوجي في الاتحاد الأوربي تراجعًا قبل مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد في وقت مبكر من العام المقبل.

يقول "فريديرك كورت"، وهو صاحب رأس مالي استثماري قضى جزءًا كبيرًا من حياته الوظيفية في لندن: "خلال السنوات العشرة الماضية، كان هناك عملاً رائعًا لجعل لندن مركزًا للنظام البيئي التكنولوجي في أوربا".

ويضف السيد كورت "لكن الزخم تحوّل باتجاه باريس". والسيد كورت هو شريك في شركة "فيلكس كابيتال" التي استثمرت في شركات ناشئة تبلغ قيمتها مليار يور مثل "ديليفرو"، وهي شركة على الإنترنت متخصصة في خدمات طلب الطعام، وشركة "فار فيتش"، وهي شركة رقمية لبيع الأزياء الراقية بالتجزئة. ويتابع كورت "باتت الوتيرة هناك أسرع مما هي عليه في لندن. كان هذا أمرًا غير متخيل حتى منذ سنتين"

قد تكون الرياح الرقمية قد هبّت لصالح ما تشتهيه سفن فرنسا، لكن المديرين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا وحتى بعض المسؤولين الفرنسيين يقرّون أنه مازال هناك عمل كثير يجب ان تقوم به باريس حتى تتفوق على لندن.

في العام الماضي، على سبيل المثال، جمع أصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية الفرنسيون مبلغًا ماليًا غير مسبوق قدره 2.7 مليار دولار، وهي المرة الأولى التي تتفوق فيه فرنسا على المملكة المتحدة في هذا المضمار، إذ جمعت الصناديق المحلية البريطانية 2.5 مليار دولار في عام 2017، وفقا لمؤسسة "ديل روم" المتخصصة في تزويد البيانات.

لكن الحجم الكبير للأموال النقدية الفرنسية لم تقابله مستويات مماثلة من الاستثمارات. فبالرغم من حالة عدم اليقين التي نتجت عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، ضخّ المستثمرون الدولين في العام الماضي مبلغا غير مسبوق قدره 7.3 مليار دولار في قطاع التكنولوجيا البريطاني، وهو تقريبا ثلاثة أضعاف المبلغ الذي خصصة المستثمرون للشركات الفرنسية المنافسة، وفقا لمؤسسة "ديل روم".

ثم بعد ذلك جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي (بريكست)

إن بروز فرنسا بوصفها منافسًا محتملاً للمملكة المتحدة في مجال التكنولوجياـ تصادف مع حدث مهم: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.

فعقب قرار بريطانيا في 2016 الخروج من الاتحاد الأوربي، وتولي تيريزا ماي منصب رئيسة الوزراء، يقول المطلعون في صناعة التكنولوجيا إن وصولهم إلى أروقة السلطة في بريطانيا توقف في ليلة وضحاها تقريبا.

وهذا يتناقض مع ما كان يفعله رئيس الوزراء الأسبق "ديفيد كاميرون" الذي كان يعقد حفلات إفطار شهرية مع شركات ناشئة ومؤسسات استثمارية محلية لقياس أرائهم. ويقول عدد من المدراء التنفيذيين إن حكومة "ماي" نظرت بريبة متزايدة في بداية الأمر إلى شركات التكنولوجيا، التي دعمت في معظمها بقاء المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوربي.

لقد وجدت تلك الشركات صعوبة في عقد لقاءات مع الحكومة لمعالجة شواغل مهمة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، مثل استمرار وصول تلك الشركات إلى عمال التكنولوجيا الأوربيين وصناديق الأبحاث والاستثمار في الاتحاد الأوربي. يقول بعض المدراء التنفيذيين إنه جرى النظر إليهم باعتبارهم جزءًا من نخبة كوزمبوليتانية عالمية.

ويعترف "ويل تانر" النائب السابق لرئيس وحدة السياسات في حكومة "ماي" والذي استقال من منصبه عقب انتخابات العام الماضي المبكرة:"ما تغيّر هو عدم وجود معاملة خاصة لشركات التكنولوجيا". ويتابع بقوله "تركّز الحكومة الآن على قطاعات كثيرة مختلفة في الاقتصاد"

فرنسا تحتل مركز الصدارة
عقب شعوره بوجود فرصة سانحة لفرنسا، تحرك إيمانويل ماكرون- المتحمس دائما لفكرة إظهار فرنسا بمظهر الدولة المنفتحة على العالم- بخطى سريعة عقب فوزة بالرئاسة في مايو 2017.

في يونيو الماضي، كشف ماكرون عن سلسلة من البرامج الخاصة بمجال التكنولوجيا بهدف جذب الشركات والمواهب الدولية إلى باريس والمدن الفرنسية الأخرى، التي يحتضن العديد منها بالفعل مجموعات موهوبة من المشفّرين والمبرمجين الذين كانوا يذهبون للخارج في الماضي للحصول على وظائف ذات مرتبات مرتفعة.

لقد أنشأ ماكرون نظاما دوليًا لتسريع منح التأشيرة للعاملين في مجال التكنولوجيا، وأعلن إنشاء صندوق وطني للابتكار قدره 10 مليارات يورو، وعرض خططًا لتبسيط قوانين ضرائب الشركات وقوانين العمل الفرنسية، من أجل تسهيل مهمة الشركات في تعيين الموظفين، ومنح الموظفين الجدد خيارات بيع أو شراء الأسهم.

كما نصّب ماكرون نفسه بوصفه المحرّض الرئيسي وراء الزخم الأوربي المتجدد ضد "وادي السليكون" في وقت بدأ فيه الرأي العام العالمي في التحوّل ضد شركات تكنولوجية من أمثال فيسبوك وأمازون. وهذا يشمل جهودًا، وإن كانت غير ناجحة حتى الآن، تقودها باريس لإجبار شركات التكنولوجيا العملاقة لدفع ضرائب على الإيرادات وليس الأرباح، التي تُجنى داخل الاتحاد الأوربي- ما قد يمثل تحولاً كبيرًا في طريقة دفع الضرائب حول العالم.

لقد بدأت إستراتيجية فرنسا المزدوجة تؤتي ثمارها، إذ أعلنت شركات مثل "جوجل" إنشاء مركز أبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي في باريس، كما ذكرت شركة "أمازون" أنها ستزيد من قوتها العاملة المحلية بمقدار خمسين بالمائة، لتصل إلى 7.500 عامل، وذلك بنهاية عام 2018.

بريطانيا تحاول استعادة الزخم
لكن اندفاعة الحكومة الفرنسية في قطاع التكنولوجيا لم تمر دون ملاحظة بريطانيا. فعقب ظهور تلك المنافسة المتجددة القادمة من فرنسا، شرع السياسيون البريطانيون في الصيف الماضي في إعادة النظر في إستراتيجيتهم المفتقرة للجديّة إزاء القطاع الرقمي في المملكة المتحدة.
وفي ظل وجود اسئلة تحوم بشأن مستقبل المملكة المتحدة عقب خروجها من الاتحاد الأوربي، يهدف التحوّل الحاصل في موقف صنّاع القرار المحليين أيضا لجعل صناعة التكنولوجيا الناجحة في البلاد- والتي ربما تعتبر الأكبر في أوربا- محرّكا محتملاً للنمو بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وفقا لما تقوله جهات مطلعة داخل الحكومة ومدراء تنفيذيون في شركات التكنولوجيا.

إن هذه الجهود المتجددة للتواصل مع القطاع الرقمي في بريطانيا، شملت إعلان مضاعفة عدد التأشيرات الممنوحة للصناعات التكنولوجية والابتكارية إلى 2000 تأشيرة سنويا، وضخّ استثمارات بملايين الجنيهات لإطلاق أبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى عقد اجتماع خاص بصناع التكنولوجيا في مقر الحكومة البريطانية، أعادت فيه "ماي" التأكيد على التزامها تجاه قطاع التكنولوجيا.

يقول "انطوني ولكر"، نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة "تيك يو كاي" التجارية، إن العلاقة بين حكومة المملكة المتحدة وقطاع التكنولوجيا "بدأت بطريقة باردة بعض الشيء في المراحل الأولى" مضيفا "لكن هناك اعترافا وفهما متزايدين بأهمية وجود قطاع رقمي قوي"

وبالرغم من أن المنافسة بين فرنسا وبريطانيا تعود جذورها إلى قرون مضت، إلا أن المسؤولين على ضفتي القناة حاولوا التقليل من الرأي القائل "الفائز يأخذ كل شيء" عند الحديث عن مسألة ظهور باريس مؤخرا بصفتها منافسة للندن. يشير المسؤولون إلى أن البلدين يمكنهما الاستفادة بصورة متبادلة من زيادة حجم الاستثمارات التكنولوجية في الاتحاد الأوربي، وهو أمر ضروري لو أردات أوربا مواكبة منافسين آخرين مثل الولايات المتحدة والصين، اللتان ماتزالان تهيمنان بلا منازع على السباق التكنولوجي العالمي.

يقول "مات هانكوك" وزير الدولة البريطاني للشؤون الرقمية والثقافية والإعلامية والرياضية:"هذه ليست لعبة حصيلتها صفر" ويضيف "عندما يتعلق الأمر باستثمارات التكنولوجيا، فإن قوة فرنسا هي من قوة المملكة المتحدة".

للإطلاع على الموضوع الأصلي .. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى