فورين أفيرز | كيف ينشأ النظام الدولي.. وماذا يحل محله بعد انهياره؟


١٤ ديسمبر ٢٠١٨

ترجمة - شهاب ممدوح



إن وجود نظام دولي مستقر هو أمر نادر الوجود، فعندما ينشأ نظام، فهو يأتي عادة عقب اضطراب عنيف، يتطلب هذا النظام توزيعًا مستقرًا للنفوذ وقبولاً واسعًا للقواعد التي تحكم إدارة العلاقات الدولية. هو يحتاج أيضًا لفن حكم ماهر؛ نظرًا لأن النظام يُصنع ولا يُولد. وبغض النظر عن مدى نضج الظروف البادئة أو قوة الرغبة الأوّلية، إلا أن المحافظة على هذا النظام تتطلب دبلوماسية مبدعة ومؤسسات جيدة الأداء وسياسة فعّالة لتعديل النظام عندما تتغير الظروف، ولتعزيزه عندما تأتي التحديات.

في نهاية المطاف، فإنه حتى أفضل الأنظمة إدارة ستنتهي حتمًا، وذلك لأن ميزان القوى الذي يرتكز عليه سيصبح مختلاً، والمؤسسات التي تدعمه ستفشل في التكيّف مع الظروف، بعض الدول تسقط، والبعض الآخر يصعد، وذلك نتيجة تغيّر القدرات واهتزاز الإرادات ونمو الطموحات، ولا شك أن الجهات المسؤولة عن الحفاظ على النظام ترتكب أخطاءً في الأمور التي تختار أن تفعلها، وكذلك في الأمور التي تختار ألا تفعلها.

لكن لو كانت نهاية كل نظام هي أمر حتمي، فإن التوقيت والطريقة التي تحدث بها تلك النهاية ليست كذلك؛ وهو ما ينطبق أيضًا على ما سيأتي بعدها. إن النظام يميل إلى الانتهاء في شكل تدهور طويل الأمد وليس في صور انهيار مفاجئ، ومثلما تعتمد عملية الحفاظ على النظام على فن الحكم والسياسة الفاعلين، فإن السياسة الرشيدة والدبلوماسية النشطة يمكنهما المساعدة في تحديد الطريقة التي يتجلّى بها هذا التدهور وما سيأتي بعده، ولكن لكي يحدث ذلك، هناك أمر آخر يجب أن يأتي أولاً: الاعتراف بأن النظام القديم لن يعود مطلقًا، وأن جهود إحيائه ستكون بلا فائدة.

وفي بحثهم عن أوجه شبه لأحداث عالمنا اليوم، نظر الباحثون إلى أمثلة من الزمن الغابر مثل بلاد الإغريق القديمة، حيث أدّى ظهور قوة جديدة إلى نشوب حرب بين أثينا وإسبرطا، وبحثوا أيضًا في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما جلست أمريكا الانعزالية وغالبية أوروبا مكتوفة الأيدي في وقت تجاهلت فيه ألمانيا واليابان الاتفاقيات وقامتا بغزو جيرانهما، بيد أن وجه الشبه الأبرز لما يحدث اليوم هو حقبة "الوفاق الأوروبي" في القرن التاسع عشر، والتي تعدّ أهم وأنجح جهد لبناء نظام دولي والمحافظة عليه حتى وقتنا هذا.

من عام 1815 حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى بعد مرور قرن، عمل هذا النظام الذي جرى تأسيسه خلال "مؤتمر فيينا"، على تحديد العديد من العلاقات الدولية، ووضع القواعد الأساسية للسلوك الدولي (حتى بالرغم من فشله في تطبيقها في كثير من الأحيان).

إن انهيار ذلك النظام وما أعقبه من أحداث، يقدم دروسًا مفيدة لنا اليوم، وتحذيرًا عاجلاً، فمجرد أن النظام صار في تدهور لا رجعة فيه، لا يعني أن الفوضى أو الكارثة باتت حتميّة، غير أنه لو أُدير هذا التدهور بطريقة سيئة، فإن الكارثة ستأتي لا محالة.

الوفاق الأوروبي ..نظام من تحت الرماد  
إن النظام العالمي المستمر منذ النصف الثاني للقرن العشرين والجزء الأول من القرن الحادي والعشرين، نشأ من حطام الحربين العالميتين، كما أن النظام الذي ساد في القرن التاسع عشر، جاء بعد اضطراب دولي سابق: الحروب النابليونية التي خرّبت أوروبا لأكثر من عقد من الزمن، والتي جاءت عقب الثورة الفرنسية وصعود نجم نابليون بونابارت، وبعد هزيمة نابليون وجيوشه، اجتمع الحلفاء المنتصرون، النمسا وبروسيا وروسيا والمملكة المتحدة، وهي القوى العظمي في زمانها، في فيينا في الفترة بين 1814 و1815. وفي مؤتمر فيينا، عملت تلك القوى على ضمان ألا يهدد الجيش الفرنسي دولها مرة أخرى، وألا تهدد الحركات الثورية ملكياتها.

لقد أفرز مؤتمر فيينا نظامًا معروفًا باسم: "الوفاق الأوروبي"، وبالرغم من أن أوروبا كانت مركز ذلك النظام، إلا أنه شكّل النظام الدولي أيضًا؛ نظرًا للمكانة المهيمنة لأوروبا والأوروبيين في العالم. لقد كانت هناك مجموعة من التفاهمات المشتركة فيما يخص العلاقات بين الدول، والأهم من كل ذلك الاتفاق على استبعاد غزو دولة أخرى أو التدخّل في الشؤون الداخلية لأي دولة من دون إذنها، ولا شك أن وجود توازن عسكري قوي بين تلك القوى، أثنى أي دولة ترغب في الإطاحة بالنظام من محاولة القيام بذلك في المقام الأول، وقد اجتمع وزراء خارجية تلك القوى (فيما سُمي لاحقا "المؤتمرات") كلما برزت أزمة كبيرة.

لقد أجرت معاهدة فيينا العديد من التعديلات المتعلقة بالأراضي، وثبّتت حدود أوروبا في مكانها، ولم تسمح بإجراء تغييرات إلا بموافقة كل الموقعين. كما فعلت المعاهدة كل ما بوسعها لدعم الأنظمة الملكية، وتشجيع الدول الأخرى على مساعدتها في حال تعرضها لثورات شعبية (كما فعلت فرنسا في إسبانيا عام 1823).

إن نجاح نظام الوفاق الأوروبي لم يكن بسبب وجود اتفاق كامل بين القوى العظمى بشأن كل  نقطة، لكن بسبب أن كل دولة كان لها أسبابها التي تجعلها تدعم ذلك النظام بأكمله. كان أكثر ما يشغل النمسا هو مقاومة قوى الليبرالية، التي هدّدت النظام الملكي الحاكم، وكان تركيز المملكة المتحدة منصبّا على درء التحدّي المتجدد القادم من فرنسا، وفي الوقت ذاته الاحتراز من أي تهديد محتمل من روسيا (ما يعني عدم إضعاف فرنسا كثيرًا لدرجة تجعلها غير قادرة على موازنة التهديد القادم من روسيا).

لقد استمر الوفاق الأوروبي من الناحية الفنية قرنًا من الزمان، حتى عشية الحرب العالمية الأولى، غير أنه توقف عن لعب دور ذي معنى قبل ذلك بفترة طويلة، حيث كشفت الموجات الثورية التي اجتاحت أوروبا في عامي 1830 و1848 حدود ما يمكن لدول الوفاق الأوروبي عمله للمحافظة على النظام القائم في مواجهة الضغط الشعبي.

بعد ذلك، أتت حرب القرم، التي كان لها تأثير شديد، ومن الناحية الظاهرية، شُنت تلك الحرب من أجل المسيحيين القاطنين داخل الإمبراطورية العثمانية، لكنها في الواقع كانت تتعلق أكثر بمَن سيسيطر على أراضي تلك الإمبراطورية التي كانت تشهد تفسخًا. لقد دارت رُحى ذلك الصراع بين فرنسا والمملكة المتحدة والإمبراطورية العثمانية من جهة، وروسيا من جهة أخرى، واستمر عامين ونصف، من 1853 حتى 1856. لقد كانت حربًا مكلّفة أبرزت حدود قدرة نظام الوفاق الأوروبي على منع حرب بين القوى العظمى، كما أظهرت الحروب التالية بين النمسا وبروسيا وروسيا وفرنسا، أن صراع القوى العظمى عاد إلى قلب أوروبا، بدت الأمور وكأنها استقرت لبعض الوقت بعد ذلك، لكن ذلك كان وهمًا، فتحت السطح، كانت القوة الألمانية تتصاعد والإمبراطوريات تتآكل، وقد مهّد هذان العاملان الطريق للحرب العالمية الأولى ونهاية الوفاق الأوروبي.

ما الذي يُمرِض النظام؟  
ما الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التاريخ؟
إن سقوط وصعود القوى العظمى يحدد صلاحية النظام السائد، حيث إن التغيرات في القوة الاقتصادية والتجانس السياسي والقوة العسكرية تحدد ما يمكن للدول أن تفعله وما ترغب في فعله خارج حدودها. خلال النصف الثاني للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، صعد نجم ألمانيا القوية الموحّدة واليابان الحديثة، فيما اضمحلت الإمبراطورية العثمانية وروسيا القيصرية، بينما زادت قوة فرنسا والمملكة المتحدة لكن ليس بصورة كافية. وقد أنهت تلك التغييرات ميزان القوى الذي كان ركيزة أساسية للوفاق الأوروبي؛ فيما رأت ألمانيا بشكل خاص أن الوضع القائم لم يكن يخدم مصالحها.

كما أن السياق التكنولوجي والسياسي أثر أيضًا على الميزان الموجود. ففي ظل الوفاق الأوروبي، هددت المطالبات الشعبية بالمشاركة الديمقراطية وتصاعد القومية الوضع القائم داخل الدول، فيما أدّت الأشكال الجديدة من المواصلات والاتصالات والأسلحة لحدوث تحوّل في السياسات والاقتصاد والحروب. ما يعني أن الظروف التي ساعدت في خلق الوفاق الأوروبي كانت تتآكل بالتدريج.

دور القادة الاستثنائين
مع ذلك، سيكون مفرطًا في الحتمية أن نعزو التاريخ إلى الظروف الكامنة لوحدها، حيث إن فن الحكم لا يزال أمرًا مهمًا، والتوصل إلى الوفاق الأوروبي واستمراره كل هذه المدة الطويلة، يبرز حقيقة أن الأشخاص يصنعون فارقًا. إن الدبلوماسيين الذين صاغوا معاهدة الوفاق – ماترينش من النمسا، تاليراند من فرنسا، كاسترلريه من المملكة المتحدة - كانوا شخصيات استثنائية، وتُظهر حقيقة محافظة نظام الوفاق الأوروبي على السلام رغم الفجوة الموجودة بين بلدين ليبراليين نسبيًا، فرنسا والمملكة المتحدة، وشركائهما الأكثر محافظة، أن البُلدان ذات الأنظمة والتفضيلات السياسية المتباينة يمكنها العمل معًا للحفاظ على النظام الدولي، وربما كان من الممكن تفادي حرب القرم لو كان هناك في المشهد قادة أكثر اقتدارًا وحذرًا. كما أن سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى يعود إلى حد كبير إلى أن خلفاء المستشار الألماني "أوتو فون بسمارك" كانوا غير قادرين على ضبط قوة الدولة الألمانية الحديثة التي فعل "بسمارك" الكثير لإنشائها.

هناك درسان آخران يمكن استخلاصهما. أولاً، ليست القضايا الأساسية وحدها التي يمكنها التسبب في تدهور النظام؛ فالتعايش بين القوى العظمى الذي أفرزه نظام الوفاق الأوروبي لم ينته بسبب الخلافات بشأن النظام الاجتماعي والسياسي داخل أوروبا، ولكن بسبب المنافسة على الهامش. وثانياً، لأن النظام القائم عادة ما ينتهي بأنين وليس ضجّة، حيث إن عملية التدهور غالبًا لا تتضح لصنّاع القرار إلا بعد وصولها مرحلة متقدمة للغاية. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، صار واضحًا أن الوفاق الأوروبي لم يعد موجودًا، وقد كان من المتأخر جدا إنقاذه.
قصة نظامين  

النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية
لقد تكوّن النظام العالمي الذي بُني عقب الحرب العالمية الثانية من نظامين متوازيين في معظم تاريخه، نشأ النظام الأول من رحم الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وارتكز في جوهره على توازن تقريبي للقوة العسكرية في أوروبا وآسيا، مدعومًا بردع نووي، وأظهر الطرفان درجة من ضبط النفس في منافستهما. وقد جرى رفض فكرة استخدام القوة العسكرية لدحر نفوذ الطرف الآخر (Rollback)- وهو مصطلح استُخدم في الحرب الباردة، ويعادله اليوم مصطلح "تغيير النظام"- حيث اعتُبرت حينها بأنها غير ممكنة ومتهورة، واتبع الطرفان قواعد غير رسمية، من بينها احترام حلفاء ومناطق نفوذ بعضهما البعض. وفي نهاية المطاف، توصل الطرفان لتفاهم بشأن النظام السياسي داخل أوروبا التي كانت الساحة الرئيسية لمنافسات الحرب الباردة، وفي عام  1975، دوّن الطرفان ذلك التفاهم المتبادل في "اتفاقيات هلسنكي".

النظام الثاني الذي نشأ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان النظام الليبرالي الذي عمل إلى جانب نظام الحرب الباردة، وكانت الديمقراطيات هي المشارك الرئيسي في ذلك المجهود، المتمثل في استخدام المساعدات والتجارة لتعزيز العلاقات، واحترام حكم القانون داخل البلدان وفيما بينها. ووفقًا لذلك النظام، كانت التجار الحرّة هي محرّك النمو الاقتصادي، والرابط الذي يجمع الدول ببعضها، ما يجعل شنّ الحروب أمرًا مكلفًا للغاية، كما جرى قبول الدولار بوصفه العملة العالمية بحكم الأمر الواقع.

لقد منح البُعد الدبلوماسي لذلك النظام أهمية للأمم المتحدة، وكانت الفكرة أن وجود منتدى دولي فاعل يمكن أن يمنع أو يحل الصراعات الدولية. وقد وقع على عاتق مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، المكوّن من خمس دول عظمى دائمة العضوية، إلى جانب مقاعد إضافية مخصصة للدول ذات العضوية غير الدائمة، مهمة تنظيم العلاقات الدولية.

خدم هذان النظامان مصالح الولايات المتحدة، فقد تم حفظ السلام في كل من أوروبا وآسيا بتكلفة كان من السهل على الاقتصاد الأمريكي النامي تحمّلها، وأسهمت التجارة الدولية وفرص الاستثمار في زيادة النمو الاقتصادي الأمريكي. وبمرور الوقت، انضمت المزيد من الدول لركب الديمقراطية.  

علامات الاضمحلال النظامان
اليوم، تدهور هذان النظامان، ورغم أن الحرب الباردة انتهت منذ فترة طويلة، بيد أن النظام الذي خلقته انهار بطريقة مجزّأة - وهذا يعود في جزء منه إلى فشل الجهود الغربية في إدماج روسيا في النظام الليبرالي العالمي. إن أحد علامات تدهور نظام الحرب الباردة كان غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وهو أمر كان بوسع موسكو على الأرجح منعه في سنوات سابقة باعتبار أنه خطوة في غاية الخطورة، وبالرغم من أن الردع النووي لا يزال ساريًا، غير أن بعض اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية التي تدعمه قد جرى انتهاكها، والبقية يتعرّض نسيجها للاهتراء.

وبالرغم من أن موسكو تجنّبت الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الناتو، إلا أنها مع ذلك أظهرت استعدادًا متزايدًا لزعزعة الوضع القائم: استخدامها القوة العسكرية في جورجيا عام 2008، وفي أوكرانيا منذ عام 2014، وتدخلها العسكري العشوائي في أحيان كثير في سوريا، واستخدامها العدواني للحرب السيبرانية لمحاولة التأثير على النتائج السياسية في أوروبا وأمريكا. من وجهة نظر روسيا، فإن الأمر ذاته ربما ينطبق على توسُّع الناتو، وهي مبادرة تتعارض بوضوح مع مقولة "وينستون تشرشل":"الشهامة في النصر"، كما نظرت روسيا إلى حرب العراق 2003 وتدخل الناتو العسكري عام 2011 في ليبيا، والذي نُفذ باسم الإنسانية ولكنه تحوّل سريعًا إلى محاولة لتغيير النظام، باعتبارهما أفعالاً تنمّ عن سوء نيّة، وبأنهما يمثلان خرقًا للقانون لا يتسق مع أفكار النظام الدولي كما تفهمها روسيا.

النظام الليبرالي هو الآخر يُظهر علامات تدهور، فالاستبداد بات يتصاعد، ليس فقط في الأماكن الواضحة، مثل الصين وروسيا، ولكن أيضًا في الفلبين وتركيا وشرق أوروبا. وبالرغم من نمو التجارة العالمية، إلا أن الجولات الأخيرة من محادثات التجارة انتهت من دون اتفاق، وقد أثبتت منظمة التجارة العالمية عجزها عن التعامل مع أكثر تحديات زمننا إلحاحًا، من بينها الحواجز غير الجمركية وسرقة الملكية الفكرية، كما أن هناك سخطًا متزايدًا من استغلال الولايات المتحدة للدولار لفرض عقوبات، وكذلك الحال مع تراكم الديون في ذلك البلد.

لقد صار مجلس الأمن الدولي عاجزًا عن حل معظم صراعات العالم، وقد فشلت الترتيبات الدولية بصورة عامة في التعامل مع التحديات المرتبطة بالعولمة، كما أن تركيبة مجلس الأمن باتت غير متطابقة مع التوزيع الحقيقي للقوة في العالم، تسمح معاهدة الحدّ من السلاح النووي لخمس دول فقط بامتلاك أسلحة نووية، لكن هناك الآن تسع دول تمتلك أسلحة نووية (والعديد من الدول الأخرى التي تستطيع امتلاكها لو أرادت). كما أن الاتحاد الأوروبي، الذي يعد إلى حد كبير أهم ترتيب إقليمي، يكافح ضد مشكلة البريكست والنزاعات بشأن الهجرة والسيادة.
 
لماذا يحدث كل هذا؟
من المفيد النظر إلى الوراء إلى السقوط المتدرّج لنظام الوفاق الأوروبي. إن النظام العالمي اليوم، يكافح لمواكبة التحول في موازين القوى: صعود الصين، وظهور قوى متوسطة الحجم (إيران وكوريا الشمالية، بصفة خاصة) التي ترفض جوانب مهمة في هذا النظام، فضلاً عن ظهور جهات غير تابعة للدولة (بداية من منظمات الإتجار في المخدرات، وصولاً إلى الشبكات الإرهابية) التي يمكن أن تمثل تهديدًا خطيرًا على النظام داخل الدول وفيما بينها.

وكما أن السياق السياسي والتكنولوجي تغيّر أيضًا بطرق مهمة، فقد كان للعولمة تأثيرات مزعزعة للاستقرار، تتراوح بين التغيّر المناخي، وصولاً إلى انتشار التكنولوجيا وسط جهات كثيرة للغاية أكثر من أي وقت مضى، من بينها جماعات وأشخاص مصممون على زعزعة النظام الحالي. كما تصاعدت القومية والشعبوية، نتيجة لعدم المساواة المتزايدة داخل الدول، والاضطرابات المرتبطة بأزمة 2008 المالية، وفقدان الوظائف بسبب التجارة والتكنولوجيا، وتزايد تدفق المهاجرين واللاجئين، وقدرة وسائل التواصل الاجتماعي على نشر الكراهية.

في غضون ذلك، هناك غياب واضح لفن الحكم الفعّال، وقد فشلت المؤسسات في التأقلم، وعجزت الجهود الرامية لبناء أطر فعّالة للتعامل مع تحديات العولمة، من بينها التغير المناخي والهجمات السيبرانية، في تحقيق أهدافها. كما أن الأخطاء داخل الاتحاد الأوروبي، وأبرزها قرارات تأسيس العملة المشتركة دون تشكيل سياسة مالية مشتركة أو اتحاد مصرفي، والسماح بالهجرة غير المحدودة إلى المانيا، كل هذا خلق ردة فعل قوية ضد الحكومات القائمة، والحدود المفتوحة، وضد الاتحاد الأوروبي ذاته.

من جانبها، أفرطت الولايات المتحدة في استخدام قوتها في محاولة منها لإعادة تشكيل أفغانستان وغزو العراق والسعي لتغيير النظام في ليبيا. لكنها اخذت أيضًا خطوة للوراء فيما يتعلق بحفظ النظام الدولي، وفي بعض الحالات كانت مذنبة بالتقاعس عن التحرك. مثال على ذلك، الصراع في سوريا، إذ فشلت الولايات المتحدة في الرد بصورة جديّة عندما استخدمت سوريا لأول مرة أسلحة كيماوية، أو فشلها في عمل المزيد لمساعدة الجماعات المناهضة لنظام الأسد. لقد زاد هذا التردد من نزوع الأطراف الأخرى لتجاهل مخاوف الولايات المتحدة، والتصرف بصورة مستقلة، كما أن الأفعال الروسية في سوريا وأوكرانيا ينبغي أن يُنظر إليها من هذه الزاوية، حيث تضاعفت الشكوك بشأن إمكانية التعويل على الولايات المتحدة تحت حكم إدارة ترامب، وذلك بفضل انسحابها من العديد من الاتفاقيات الدولية ونهجها المشروط تجاه الالتزامات الأكيدة نحو حلفائها في أوروبا وآسيا.

إدارة التدهور في النظام  
وبالنظر إلى هذه التغييرات، فإن إعادة إحياء النظام القديم يعد مهمة مستحيلة؛ وهو سيكون أيضًا غير كافٍ بفضل ظهور تحديات جديدة. بمجرد الاعتراف بهذا الأمر، فإن التدهور الطويل لنظام الوفاق الأوروبي سيكون بمثابة درس وتحذير.

ولكي تلتفت الولايات المتحدة لهذا التحذير، سيتعيّن عليها تعزيز بعض أوجه النظام القديم، واستكمالها بإجراءات تأخذ في الحسبان ديناميات القوة المتغيّرة والمشاكل العالمية الجديدة، كما سيتعيّن عليها دعم اتفاقيات الحدّ ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتعزيز تحالفاتها في أوروبا وآسيا، وتدعيم الدول الضعيفة التي لا تستطيع التعامل مع الإرهابيين ومنظمات الإتجار بالمخدرات والعصابات، ومواجهة تدخلات القوة الاستبدادية في العملية الديمقراطية، لكن لا ينبغي لها التخلي عن محاولة إدماج الصين وروسيا في بعض الجوانب الإقليمية والعالمية للنظام. ستتطلب هذه الجهود بالضرورة مزيجًا من التسويات والمحفزات والمواجهات.

تحتاج الولايات المتحدة أيضًا للتواصل مع الآخرين للتعامل مع مشاكل العولمة، لا سيما التغير المناخي والتجارة والعمليات السيبرانية. وهذا سيتطلب ليس إعادة إحياء النظام القديم، ولكن بناء نظام جديد.

إن الجهود الرامية للحدّ من التغيّر المناخي والتأقلم معه، يجب أن تكون أكثر طموحًا، كما يجب تعديل منظمة التجارة العالمية لمعالجة القضايا الناتجة عن استيلاء الصين على التكنولوجيا، وتقديم الإعانات للشركات المحلية، واستخدام الحواجز غير الجمركية في التجارة، وبالتأكيد سترتقي هذه الإجراءات مجتمعة لكونها دعوة لإنشاء وفاق في عصرنا الحديث شبيه بالوفاق الأوروبي القديم.

يجب أن تظهر الولايات المتحدة ضبطًا للنفس، وأن تنال درجة من الاحترام لكي تستعيد سمعتها بوصفها طرفًا حميدًا، وهذا سيتطلب تخليها عن السياسات الخارجية التي اتبعتها في السنوات الأخيرة: في البداية، التوقف عن غزو البلدان الأخرى والتوقف عن استخدام سياستها الاقتصادية كسلاح عبر استخدام العقوبات الاقتصادية والرسوم الجمركية.

كل هذا أيضا يتطلب قيام الولايات المتحدة بتنظيم بيتها من الداخل - تقليل الديون الحكومية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحسين التعليم العام، والاستثمار أكثر في شبكة الأمن الاجتماعية، وتبنّي نظام هجرة ذكي يسمح بقدوم وبقاء الأجانب الموهوبين، ومعالجة الخلل السياسي عبر تسهيل عملية التصويت، والتخلي عن التحيّز في تقسيم الدوائر الانتخابية، فلا يمكن للولايات المتحدة أن تنجح في تشجيع النظام بالخارج إن كانت منقسمة على نفسها في الداخل، ومشتتة بفضل مشاكلها الداخلية.

إن البدائل الرئيسية الأخرى لنظام عالمي حديث مدعوم من الولايات المتحدة، تبدو أمرًا غير مرجح وغير جذاب؛ فنظام بقيادة الصين، على سبيل المثال، سيكون غير ليبرالي، يتسم بأنظمة سياسية مستبدة واقتصاديات خاضعة لسيطرة الحكومة تعطي الأولوية للحفاظ على الاستقرار الداخلي. وستكون هناك عودة لمناطق النفوذ، حيث ستحاول الصين الهيمنة على منطقتها، ما سيُسَّفر على الأرجح عن صدامات مع قوى إقليمية أخرى، مثل الهند واليابان وفيتنام، التي ستبني على الأرجح قواتها العسكرية التقليدية أو حتى النووية.

ولا شك أن قيام نظام ديمقراطي جديد مبنيّ على القانون، بقيادة قوى متوسطة الحجم في أوروبا وآسيا وكندا، قد يكون مفهومًا جذابًا، لكنه سيفتقر إلى القدرة العسكرية والإرادة السياسية المحلية لكي يحقق أهدافه. هناك بديل أكثر ترجيحًا وهو قيام عالم لا يحكمه نظام، عالم تسوده الفوضى العميقة، وفي ظل هذا العالم الفوضوي، ستكتسب الحمائية والقومية والشعبوية قوة، وستخسر الديمقراطية، وستسود الصراعات داخل الحدود وعبرها، وستزداد المنافسة بين القوى العظمى حدّة. لو كانت هذه الصورة تبدو مألوفة لكم، فهذا يعود إلى أنها تتطابق بشكل متزايد مع عالم اليوم.

إن ما نشاهده اليوم يشبه حقبة منتصف القرن التاسع عشر بطرق مهمة: النظام الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب الباردة لا يمكن إعادته، لكن العالم لم يقف بعد على حافة أزمة نظامية. وقد حان الوقت الآن للتأكد من منع حدوث أزمة كهذه، سواء بسبب انهيار العلاقات الأمريكية - الصينية، أو حدوث صدام مع روسيا، أو اشتعال الوضع في الشرق الأوسط، أو التأثيرات التراكمية للتغيّر المناخي. الأخبار السارة هي أن احتمال مواجهة العالم لكارثة في نهاية المطاف هو ليس أمرًا حتميًا بالمرة، والأخبار السيئة هي أنه ليس من المؤكد بالمرة أن العالم لن يواجه كارثة.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق