فورين بوليسي | سلاح التشويش .. كيف تستخدم روسيا نظام GPS فى حربها ضد الخصوم؟


١٨ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٧:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



  تعطلت إشارات النظام العالمي لتحديد المواقع "جي بي إس" للمرة الأولى أثناء مناورات "زاباد" العسكرية الروسية في سبتمبر 2017 بأقاليمها الغربية، بالقرب من دول البلطيق، ثم تعطلت مرة أخرى في أكتوبر أثناء مانورات "الرمح الثلاثي" لحلف الناتو، التي جرت في النرويج، حيث تعطلت تلك الإشارات في أقصى شمال النرويج وفنلندا، وقد أجبر هذا العطل الطائرات المدنية للملاحة يدويًا، وجعل المواطنين العاديين يفقدون ثقتهم في هواتفهم الذكية.

أثناء مناورات "الرمح الثلاثي" التي أجراها حلف الناتو في أكتوبر، أبلغت شركة الطيران النرويجية "وايديرو" عن فقدان إشارة نظام "جي بي إس" في الطائرات التي تحلق شمال البلاد. في الوقت ذاته، أصدرت هيئة خدمات الملاحة الجوية في فنلندا، وهي هيئة حكومية للطيران، تحذيرًا مماثلاً لشركات الطيران الفنلندية.

في هذين البلدين، أقدم شخصٌ ما على التشويش على أنظمة الجي بي إس. وقبل عدة أشهر، تعرّض مطار مدينة "نانت" الفرنسية لأعطال مماثلة، إذ تعطّل نظام التعزيز الأرضي (GBAS) الذي يساعد الطائرات أثناء علمية الإقلاع من دون سبب ميكانيكي مفهوم.

وقد جرى حل لغز مطار مدينة "نانت" عندما اكتشف موظفو المطار جهاز تشويش على نظام الجي بي إس في سيارة راكب نسي أن يغلقه قبل مغادرته لرحلته العابرة للقارات. لكن النرويج وفنلندا كانت لديهما مشكلة أخطر. صرّح وزير الدفاع النرويجي "فرانك باك - جينسين" للإذاعة الوطنية النرويجية أن "المشكلة تكمن في أن روسيا لا تحترم الطيران المدني في الشمال".

تُقْدِمُ الجيوش في كل مكان على تعطيل ملاحة خصومها، غير أن طبيعة نظام الجي بي إس، تجعل منه نظامًا ضعيفًا على وجه الخصوص؛  فالمدنيون والعسكريون يستخدمونه، وهو يمكن أن يكون ضعيفًا لدرجة أنه بإمكان مجرم واحد، مثل المتعاقد في مطار "نيو آرك"، تعطيله.

هذا لا يعني أن شخصًا واحدًا بإمكانه التسبب في تعطيل مطار بالكامل، فشركات الطيران لديها أنظمة احتياطية، والطيارون مدربون لقيادة الطائرات يدويًا، ورغم عدم مشروعيتها، إلا أن أجهزة التشويش رخيصة الثمن ويسهل توافرها. يقول "مارك ديكنسون" رئيس "منظمة البيانات الفضائية"، وهي مؤسسة دولة لمشغّلي الأقمار الصناعية: إنه "بالرغم من أن المركبات الفضائية عادةً ما تكون محميّة بصورة جيدة، إلا أنه عبر التشويش يمكنك تعطيل إشارات أنظمة الجي بي إس التجارية القريبة".
 
بعبارة بسيطة، تغمر أجهزة التشويش أجهزة الاستقبال بإشارات مزيّفة؛ ما يمنع جهاز الاستقبال من التقاط الإشارة الحقيقية، هذا فضلاً عن توافر أجهزة التشويش عبر الإنترنت مقابل عشرة دولارات، ويمكن توصيلها بقدّاحة سجائر في سيارة، وهي قادرة على التشويش على أجهزة الاستقبال في دائرة نصف قطرها عدة أمتار.

إن معظم مشتري أجهزة التشويش لا يقصدون التسبب في إلحاق الأذى بمستخدمي الهواتف الذكية، لكنهم يستخدمونها ببساطة لخداع مدرائهم مثلاً، لكن ليس هناك دقة في التشويش، فحجب الإشارة عن جهاز يعني حجبها عن كل الأجهزة.

وفي ظل وجود حالة حرب، يكون لدى معظمنا شواغل أهم بكثير من مجرد حساب رحلة بسيارة، لكن تشويش أنظمة الجي بي إس يمثل خطرًا كبيرًا في حد ذاته، حيث إن حدوث تعطل في حياتنا اليومية هو جزء مهم في الحرب الهجينة (والتي تسمى أحيانًا حرب المنطقة الرمادية أو حرب الحافة)، كما أن نجاح الخصم في تعطيل حياة المجتمع بشكل كامل، أو حتى نجاحه في جعل الخدمات اليومية مثل الطعام والدواء أو إمدادات الوقود والصرف الصحي ووسائل الإعلام الإخبارية أو الإنترنت، تعمل بطريقة سيئة، يمكن أن يُضعف البلد المستهدف بصورة كبيرة للغاية من دون تحريك جندي واحد، وقد عكف الكرملين على تحسين هذه الممارسات في السنوات الأخيرة.

إن أجهزة التشويش التي تشغّلها الجيوش هي بالطبع أقوى بكثير من الأجهزة التي يستخدمها المدنيون، وليس مفاجئًا أن روسيا تعمل على اختبار قدرات الناتو: نظام تحديد المواقع العالمي مملوك ويجري تشغيله من جانب وزارة الدفاع الأمريكية، التي توفر وصولاً حرًا لأي مدني يمتلك جهاز استقبال جي بي إس، وهذا يعني الكثير من الهواتف، ومعظم الهواتف الذكية المصنّعة في هذه الأيام تمتلك تلك الخاصية، كما يستخدم تسعة من كل عشرة أشخاص لديهم هاتف ذكي تطبيقات مدعومة بالجي بي إس، لكن روسيا تشغل نظامها الخاص بملاحة الأقمار الصناعية المعروف باسم "GLONASS"، وكذلك الصين التي تشغل نظام "BeiDou"، فيما يشغّل الاتحاد الأوروبي نظام "جاليليو" للملاحة المستقل عن نظام الجي بي إس.

يقول "تشارلي سالونيوس-باستيرناك"، وهو باحث رفيع في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية: إن "هذا جزء من نمط روسي أكبر لعدم احترام المعايير"، ويستطرد قائلاً: "من المفهوم عمومًا أن كل شيء يتعرض للتدمير في أي حرب، وهذا يجب التدرب عليه، لكن البلدان عادة لا تفعل هذا بتلك الطريقة السافرة". ووفقًا لعرض قدّمه "المجلس الاستشاري الوطني لتحديد المواقع والملاحة والتوقيت" في مايو 2018، وهو مجلس مستقل يقدم المشورة للحكومة الأمريكية بشأن نظام الجي بي إس، فإن روسيا شوّشت أيضًا على هذا النظام في النرويج وبحر البلطيق في سبتمبر من العام الماضي (أثناء مناورات زاباد الروسية)، وقد فعلت ذلك مرارًا وتكرارًا في شرق المتوسط، حيث تدعم القوات المسلحة الروسية حرب الرئيس السوري بشار الأسد ضد قوات المعارضة.
   
كما أنه في أي حرب، يمثّل تخريب نظام ملاحة الأقمار الصناعية التابع للخصم ضربة هائلة لقواته المسلحة، التي سيتعيّن عليها حينها الاعتماد على أجهزة أقل تطورًا، وستعبر السفن المحطيات بقدر أقل دقة، وستكافح الطائرات لتحديد موقع القوات البرية الصديقة، لكن نظرًا لهيمنة نظام الجي بي إس العالمية، فإن هجومًا كهذا قد يتسبب في فوضى تتجاوز المجال العسكري، حيث قد تجد سفن الشحن التي تحمل 80 بالمائة من التجارة العالمية نفسها مسافرة في الاتجاه الخاطئ، وقد تصطدم هذه السفن بصخور أو سفن أخرى، وسيضطر الطيارون لإجراء هبوط يدوي لطائراتهم، كما سيقع معظم مستخدمي الهواتف الذكية في حيرة بسبب فقدان طلبياتهم وتأجيل رحلاتهم.  

هذا ما يجعل تشويش نظام الجي بي إس مشكلة أمنية وطنية، وفي الواقع، يشير "المجلس الاستشاري الوطني لتحديد المواقع والملاحة والتوقيت" إلى أن هناك هدفين ربما تسعى روسيا لتحقيقهما: الأول هو "تشجيع تبنّي واستخدام نظام GLONASS عوضًا عن نظام الجي بي إس"، والثاني هو "ترهيب جيرانها، وجعلهم يشككون في العلاقة مع الاعتماد على الولايات المتحدة وتكنولوجيتها".

إن الحل الأسهل لمعظم المواطنين العاديين، بالطبع سيكون وقف استخدام خرائط الإنترنت؛ فاستخدامنا للخرائط الورقية، سيجعلنا في مأمن حتى من أكثر الخصوم تطورًا، وهنا يتساءل الباحث "سالونيوس - باستيرناك" قائلا: "هل صرنا نعتمد بشكل مفرط على خرائط الإنترنت؟"، ويجيب: "بلى، لكن هذا لا يجعل كسر هذه القواعد (أي التسبب في إزعاج المدنيين) أمرًا مقبولاً. إن استدعاء السفير يظهر حدود قدرتك على الرد، كما أن الردّ بتشويش معاكس ليس بالضبط خيارًا".

لقد تبنّت روسيا أيضًا سياسة الإنكار، حيث نفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية "ماريا زاخروفا" زعم النرويج بأن موسكو قامت بتشويش نظام الجي بي إس لصرف الأنظار عن فرقاطتها "هيلج إنجستاد"، التي غرقت عقب حادثة اصطدام قرب نهاية مناورات "الرمح الثلاثي". (الاصطدام نتج عن خطأ بشري وليس عن تشويش لنظام الجي بي إس)، ويلفت الباحث "سالونيوس - باستيرناك" إلى أن روسيا يمكن أن تجادل بأنها ليست مسؤولة عن عملية تخريب نظام الجي بي إس انطلاقًا من أراضيها: "يمكنهم القول إن سياحًا قاموا بذلك". هذه أعذار واهية، لكن تقديم أدلة قاطعة ليس أمرًا صعبًا فحسب، بل ربما يكشف عن معلومات حساسة.

هناك إجراء أكثر ترجيحًا من إجراء تشويش انتقامي ضد الخصم، يتمثل في إنشاء نظام ملاحة جديد مقاوم للتشويش، وفي وقت سابق من هذا الشهر، كشف علماء في "مركز المادة الباردة" في الكلية الملكية بلندن النقاب عن أول نظام ملاحة عالمي مقاوم للتشويش، يطلق عليه اسم مقياس التسارع الكمّيquantum) accelerometer)، جرى اختراعه بتمويل من وزارة الدفاع في المملكة المتحدة.

بيد أنه من غير المرجح أن ينجح جهاز التسارع الكمّي في حماية المستخدمين المدنيين في وقت قريب: هو مصمم بشكل رئيسي للغواصات النووية، وينبغي على الجميع القبول بحقيقة أن العديد من وسائل الراحة الحديثة هي في واقع الأمر مجرد كماليات، وينبغي تعلم كيفية العيش من دونها في وقت الضيق.  
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



التعليقات

  1. باهي ١٨ ديسمبر ٢٠١٨ - ١٢:٢٩ م

    سواء أكانت روسيا قامت بالتشويش على الجي بي أس .أو لم تفعل المهم أنّ هذا يكشف لنا مدى ضعف (الجي بي أس) فهذه سلبية كبيرة جدا في هذا النظام.وليس المشكل في إستطاعة روسيا للتشويش عليه ولكن المشكل في أنّ (جهاز عشرة دولارات يمكنه أن يشوش عليه ويحجب المكان الحقيققي) لطالما كانت أمريكا (تزعم وتدّعي) بتفوقها (التكنولوجي) على الغير وخاصة على روسيا

اضف تعليق