الصحافة الألمانية| السترات الصفراء تُرعب أردوغان.. وأمريكا تخطط لبقاء طويل الأمد في سوريا


٢٥ ديسمبر ٢٠١٨

ترجمة - عماد شرارة
 
أردوغان في رعب بسبب "السترات الصفراء"
 
نشر موقع "تاجس شبيجل" تقريرًا للكاتبة "سوسنا جوستل" أشار إلى قلق واضطراب حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من انتقال عدوى السترات الصفراء إلى أنقرة، وإمكانية استغلال أحزاب المعارضة لهذه الأحداث لحشد الشارع التركي ضد سياسة أردوغان الاقتصادية الفاشلة.
 
وتعمل تركيا على منع الاحتجاجات بسبب المشاكل الاقتصادية الضخمة في البلاد، ولكن مع ذلك تتحرك المسيرات؛ فالاستياء كبير وخصوصًا في المناطق الكردية، ووفقًا لتقارير إعلامية فإن وزارة الداخلية تقوم بحملات مداهمة لمتاجر الملابس للتأكد عما إذا كان بها كميات من السترات الصفراء أكبر من المعتاد أم لا؛ فالرعب يملأ أردوغان خوفًا من انتقال هذه الاحتجاجات إلى تركيا؛ فأنقرة تعاني من تراجع في الاقتصاد بلغ 1.6% مؤخرًا مقارنةً بـ 7.3 % في العام الماضي، وهناك حالة من الركود بسبب انخفاض الاستثمار وتراجع الطلب الداخلي، كما ارتفعت نسبة التضخم والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي جعل أردوغان يهدد مقدم برامج تلفزيوني شهير لأنه دعا إلى التظاهر بالسترات الصفراء في تركيا، حيث إن حرية التظاهر في تركيا يكفلها الدستور والقانون.
 
المُعارضة تفتقر إلى أرضية مشتركة
 
ارتدى بعض المشاركين في تظاهرات ديار بكر، التي تُعد أكبر مدينة في المنطقة الكردية، السترات الصفراء، حيث تظاهر عدة آلاف احتجاجًا على الزيادات الحادة في الأسعار في الأشهر الأخيرة، فيما تنتشر عبر شبكة الإنترنت مقاطع فيديو لنشطاء يقومون بتوزيع منشورات لحزب الشعب الجمهوري المعارض تدعو إلى التظاهر والاحتجاج. وقد علق وزير الداخلية التركي "سليمان سويلو" على هذه المقاطع وفقًا لما أعلنته صحيفة "بيرجون" المعارضة قائلًا: "إنها مجرد شائعات منتشرة على الإنترنت وهي مُبالغ فيها، وليس لدينا أدنى شك في ذلك".
 
وفي الحقيقة لا تملك الأحزاب والجماعات المُعارضة في أنقرة أرضية مشتركة أو خطة مُنظمة لتتمكن من تنظيم مسيرات ومظاهرات ضخمة، فحتى الحزب الأقوى في المعارضة التركية، وهو حزب الشعب الجمهوري، منهمك في نزاعات وصراعات مع أحزاب المعارضة الأخرى في البرلمان التركي.
 
ترهيب المُعارضة
 
تستغل الحكومة التركية الشرطة في إجهاض أي تجمع سلمي لمعارضة سياسات الحكومة، فتستخدم خراطيم المياه وقنابل الغاز ضد الوقفات الاحتجاجية، كما حدث مع "أمهات السبت" بمدينة اسطنبول، واللائي يطالبن بمعرفة مصير من اختُطفوا وعُذبوا من أولادهن من قِبل السلطات الأمنية في تسعينيات القرن الماضي، ومعاقبة من قاموا بلك.
 
 من جانب آخر أعادت السلطة القضائية التحقيق في أحداث احتجاجات غيزي التي حدثت عام 2013م، في حين يرى بعض المعارضين أن ذلك يُعدّ ترهيبًا من قبل "أردوغان" لمنتقديه، وعلق نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أيكوت أردوغدو، لصحيفة "بيرجون" على هذه الإجراءات قائلًا: "هذا نوع من أنواع جنون العظمة عند أردوغان"، كذلك علق كاتب العمود، محمد يلماز، في مدونته بالانترنت T24"" على تهديد أردوغان للمذيع التلفزيوني الشهير، فاتح برتوكال، وهو واحد من القلائل الذين ما زالوا ينتقدون حكومة أردوغان قائلاً: "أردوغان لديه مشاكل مع الديمقراطية".
 
هل نحن هنا في باريس؟
 
كان هذا هو عنوان الحلقة التي أغضبت أردوغان، حيث تساءل "بورتكال" بمحطة فوكس التلفزيونية عما إذا كان من الممكن ما حدث في باريس أن يحدث في تركيا، وأضاف بأن هناك تشابهًا قويًّا بين أسباب اندلاع الاحتجاجات في البلدين يدفعنا للتساؤل مرة أخرى: هل نحن هنا في باريس؟، وردَّ عليه أردوغان بأنه إذا استمر فيما يصنع من تحريض للشعب - على حد زعم أردوغان- فإن الجواب سيكون أمام القضاء، وأن الشعب سيصفعه حينئذٍ ليستفيق من أوهامه.
 
ماذا تصنع تركيا من أجل الحصول على جولن؟
 
نشر موقع "هاندلسبلات" دراسة نشرها الكاتب "أوزان دمركان" أشارت إلى المحاولات التركية من أجل التكمن من تسليم واشنطن لفتح الله جولن، حيث أعلن وزير الخارجية التركية "جاووش أغلو" عن محادثات جادة مع ترامب بخصوص هذا الشأن، وذكرت الدراسة خمس استراتيجيات تقوم بها أنقرة من أجل القبض على جولن.
 
فتح الله جولن هو سبب نزاع كبير بين شركاء الناتو؛ بين الولايات المتحدة وتركيا، وهو رجل دين تركي يعيش في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ عام 1999م، يُتهم من قبل أردوغان بأنه العقل المُدَبر لمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016م، ومنذ ذلك الحين تطالب أنقرة الولايات المتحدة بتسليمه، وهو ما لم يحدث حتى الآن، على الرغم من وعد ترامب لوزير الخارجية التركي بالنظر في هذه القضية. ووفقًا لبحث أجراه موقع "هاندلسبلات" فإن تركيا قد رصدت مبالغ ضخمة، وأعدت استراتيجيات مختلفة من أجل تحقيق هذا الهدف.
1.  جماعات الضغط
تُمول الحكومة التركية الشركة الأمريكية جرينبرج تراورش ( (Greenberg Traurig، التي تعمل في مجال العلاقات العامة، من أجل المساهمة في حل هذه القضية مُستغلين إطلاق سراح تركيا لرجل الدين الأمريكي أندرو برونسون، ولذلك عندما طالبت الولايات المتحدة بإطلاق سراحه، رد أردوغان: "لديكم أيضًا رجل دين نرغب في الحصول عليه" (يقصد جولن) وهذا يؤكد أن الرئيس التركي كان يريد المقايضة السياسية في السر ولكنه فشل في ذلك، ومع تصاعد أزمة برونسون فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أعضاء في الحكومة التركية، ومن ثمَّ دفعت أنقرة 850 ألف دولار إلى الشركة المذكورة لتخفيف العقوبات المفروضة، في حين التقى أعضاء من هذه الشركة عدة مرات مع السناتور الجمهوري جيمس لانكفورد، والذي كان له دور بارز في فرض هذه العقوبات على الحكومة التركية.
2.  محامي الأقلية المضطهدة
روبرت أمستردام، المحامي العالمي المشهور، هو أيضًا أحد الوسائل التي تستخدمها أنقرة من أجل لعب دور في القضية، فوفقًا لصحيفة الواشنطن بوست، يحصل "أمستردام" على 50.000 دولار شهريًّا من الحكومة التركية للبحث عن معلومات حول أنشطة حركة جولن في واشنطن، واستطاع أن يرصد ويسجل نشاطات الحركة في مئات من الصفحات تعرض كامل التفاصيل وأنشطة الحركة في الولايات المتحدة.
3.  رجال أعمال
كمال أوكسوز، رجل الأعمال البالغ من العمر 57 عامًا، والذي يدير مؤسسة سياسية في تكساس منذ فترة طويلة، ثبت تورطه في الحصول على أموال من جهات داخل تركيا؛ فقد نظم أوكسوز، الذي يحمل الجنسية التركية والأمريكية، رحلة لأعضاء بالكونجرس إلى أذربيجان عام2013م من خلال هذه المؤسسة، وأُلقي القبض عليه مؤخرًا، وأُدين بتهمة إخفاء مصدر تمويل الرحلة، وتقديم معلومات كاذبة للجنة الأخلاقيات بالكونجرس الأمريكي، بالإضافة إلى كونه عضوًا بمنظمة جولن، وسيمثل أوكسوز أمام القضاء بواشنطن في فبراير من العام المقبل للبت في هذه التهم، وبذلك تكون أنقرة قد استطاعت تقديم دليل ملموس على إدانة جولن وأعضاء حركته.
 
4.  مستشار الأمن الأمريكي
من أبرز القضايا المثيرة، التي تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، قضية "مايكل فلين" مستشار الأمن القومي الأسبق لترامب، والذي قدم استقالته في فبراير 2017م بعد وقت قصير قضاه في هذا المنصب؛ حيث جرى اتهامه بالعمالة لصالح الحكومة التركية القائمة، وكان "فلين" قد عمل مستشارًا للشركة الهولندية "Inovo BV" خلال حملة الانتخابات الأمريكية، ولهذه الشركة، التي يملكها رجل أعمال تركي، علاقة وطيدة بنظام أردوغان.
 
وقبل وقت قصير من انتخابات عام 2016م، التي فاز بها ترامب، دعا "فلين" في مقال كتبه بمجلة "ذي هيل" الأمريكية لتسليم جولن، وأشارت تقارير حينها إلى حصوله على أكثر من نصف مليون دولار من الحكومة التركية مقابل ذلك، بيد أنه من اللافت للنظر أن "فلين" كان له موقف مغاير تمامًا قبل كتابة هذا المقال فقط بأربعة أشهر، حيث كان حينها رئيسًا لوكالة المخابرات المركزية (DIA) أثناء محاولة الانقلاب في تركيا، وعلق قائلا: "هناك محاولة انقلاب تجري في تركيا بسبب محاولة حكومة أردوغان تحويل تركيا من العلمانية إلى دولة إسلامية، ويرغب الجيش التركي في بقاء تركيا علمانية، وأنا فضولي لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور هناك".
5.  سياسيو المهجر
كلفت الحكومة التركية وكالة العلاقات الرسمية في برلين بالعمل على تحسين صورة أنقرة في الإعلام الألماني، بالإضافة إلى استغلالها لمنظمة الضغط السياسي "الاتحاد الأوروبي لتركيا الديمقراطية" (UETD) لتنفيذ أهدافها، وقد جرى تأسيس هذه المنظمة من قبل حزب العدالة والتنمية من أجل التأثير في المجتمع الغربي، وكان لهذه المنظمة دور كبير في إعادة تنشيط العلاقات التركية الألمانية التي كانت مضطربة.
 
ونجحت أنقرة في استغلال هذه المنظمة وتسخيرها من أجل محاولة الإيقاع بـ"جولن" وأتباعه، لا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016م، وقد سلمت أنقرت السلطات في واشنطن قائمة بأسماء 84 شخصًا ممن ينتمون لهذه الحركة بما فيهم جولن نفسه.
 
 
الولايات المتحدة تخطط للبقاء في سوريا لأجل غير مسمى
 
نشر "موقع هايسا دوت دي إيه" تقريرًا لفت إلى ما وصفه بتناقض التصريحات الأمريكية بالخروج من سوريا عقب استقرار الأوضاع، وأكد أن تصارع المصالح بين القوى الفاعلة على الأراضي السورية يجعل من المستحيل تصديق تلك الادعاءات.
 
وأضاف أن الولايات المتحدة ترغب في منع التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، ولذلك أعلنت عن رغبتها ببقاء قواتها بعد الهجوم بالغاز على مدينة الدوما في شهر أبريل الماضي، بل قامت قوات التحالف بشن هجمات على مواقع للنظام السوري، وبات من الواضح أن واشنطن تُخطط للإقامة بالمناطق التي يسيطر عليها الأكراد، حيث تتمركز القوات الأمريكية والقواعد والمطارات وقوات الدفاع، وتلك المساحة تعادل ثلثي مساحة سوريا.
 
وأكد الموقع أن جميع القوى التي تتصارع في سوريا لا ترغب في بقاء أمريكا، فإيران وروسيا وتركيا يمكنهم التوافق على تقسيم النفوذ في سوريا، بينما تسعى واشنطن للحفاظ على المصالح الجيوسياسية في منطقة آسيا، وهذه المنطقة من الشرق الأوسط، وبقاء الولايات المتحدة في العراق لم يعد مؤكدًا، حتى وإن منحت أربيل الحكم الذاتي، وبنت أكبر سفارة لها هناك بالقرب من سوريا.
 
سنبقى في سوريا
 
في نهاية أغسطس الماضي قال مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة جون بولتون: "سنبقى في سوريا حتى ترحل إيران". كذلك تركيا ترغب في البقاء بإدلب، التي يسيطر عليها - إلى حد كبير- الجبهة الوطنية لتحرير سوريا، بالإضافة الى الجيش السوري الحر الموالي لتركيا.
 
من جانب آخر، تريد الولايات المتحدة أيضًا احتجاز إدلب كمعقل ضد الأسد، وتقف كل من روسيا وسوريا وإيران في خندق واحد للسيطرة على باقي الأراضي السورية، كما أنه من غير الواضح بيان عدد القوات الأمريكية الموجودة في سوريا رسميًا، حيث يصرح البنتاغون بأن عددهم كان حتى نهاية 2017م 500 فرد فقط، لكن الواقع يقول غير ذلك. وقد قالت جريدة واشنطن بوست، التي لديها اتصالات مع المخابرات والجيش، إن القوات الأمريكية تريد البقاء في سوريا إلى أجل غير مسمى، ولإضفاء الشرعية للبقاء هناك ترغب في منح الحكم الذاتي لشمال وشرق سوريا للقوات الكردية، ولذا صرح عضو كردي في الحكم الذاتي لشمال وشرق سوريا قائلا: "يجب أن يبقى الأمريكيون في سوريا، فلو غادروا فسنجد كارثة، حيث ستدفع تركيا الميليشيات للهجوم على المناطق الكردية وتٌهجِّر الأكراد، ولذلك فالحل إما في بقاء القوات الأمريكية أو التوصل إلى اتفاق مع دمشق وموسكو يضمن حماية الأكراد".
 
واستشهد الموقع بتقرير آخر لـصحيفة "واشنطن بوست" أكد أن الولايات المتحدة لا زالت تحتاج إلى بضع سنوات حتى يتمكن السياسيون من وجود حل سياسي في سوريا يضمن الحفاظ على المصالح الأمريكية، ويدفع إيران إلى الخروج من سوريا، ويحافظ على نفوذ واشنطن لدى الأكراد، أو تكوين حكومة موالية للغرب (وربما موالية لإسرائيل) من الناحية السياسية.
 
 وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليس لديها تجارب جيدة في العراق أو أفغانستان بخصوص هذا الحل، ولكن في سوريا ينبغي أن تعمل واشنطن جنبًا إلى جنب مع روسيا وتركيا وإيران لضمان حماية مصالحها الجيوسياسية في العراق والمملكة العربية السعودية ودول الخليج، الأمر الذي يجعل الاتفاق على سلطة موالية لأمريكا يكاد يكون مستحيلا.
 
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق