فورين أفيرز | خلل فى النظام.. ما هى مظاهر إخفاق السياسات الأمريكية وكيف يمكن إصلاحها؟


٠٤ ديسمبر ٢٠١٨

ترجمة - شهاب ممدوح



كتبت هذا المقال "إليزابيث ورين" عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، وعضو لجنة القوات المسلحة"

  تتعرض الديمقراطية حول العالم لهجوم. فالحكومات المتسلطة تكتسب السلطة، واليمين الديماغوجي يزداد قوة. والحركات المطالبة بالانفتاح والتعددية تعثرت. واللامساواة في زيادة، محوّلة الحكم بواسطة الشعب إلى حكم تسيطر عليه نُخب ثرية. وفي الولايات المتحدة، يبدو أن الكثير من الأمريكيين قد قبلوا-وحتى رحّبوا- بسياسات التفرقة والسخط.

كيف وصلنا إلى هنا؟
هناك قصة نحب نحن الأمريكيين أن نسردها على أنفسنا، حول كيف أننا بنينا نظامًا دوليًا ليبراليًا- نظام قائم على المبادئ الديمقراطية، وملتزم بالحقوق الإنسانية والمدنية، وخاضع لمحاسبة المواطنين، ومقيّد بحكم القانون، ومكرّس لتحقيق الرخاء الاقتصادي للجميع. هي قصة جيدة بالفعل ولها جذور. لكن في العقود الأخيرة، تحوّل اهتمام واشنطن من اتباع سياسيات تفيد الجميع، إلى سياسات تفيد حفنة من النخب.

عقب الحرب الباردة، بدأ صنّاع القرار الأمريكيون في الاعتقاد بأنه وبسبب صمود الديمقراطية أكثر من الشيوعية، فإنه من السهل بناء الديمقراطية في أي مكان. وقد بدأوا في تصدير هذا النوع من الرأسمالية، القائم على التشريعات الضعيفة والضرائب المنخفضة على الأثرياء والسياسات التي تحابي الشركات متعددة الجنسيات. كما دخلت الولايات المتحدة في سلسلة من الحروب التي تبدو بلا نهاية، متورطة في صراعات ذات أهداف خاطئة أو غير مؤكدة وما من سبيل واضح لإكمالها.

إن تأثير هذه التغييرات في السياسات كان مدمّرا. بالرغم من أن السياسات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية الدولية كانت مفيدة للغاية للنخب حول العالم، بيد أنها عملت على تثبيط همّة الطبقة العاملة والتأثير سلبيًا عليها. إن الجهود الساعية لتعزيز أمن الولايات المتحدة، ابتلعت موارد هائلة وهزّت استقرار مناطق بأكملها، وفي غضون ذلك، تعرّضت الهيمنة التكنولوجية الأمريكية بهدوء للتآكل.

لقد زاد حجم اللامساواة حول العالم؛ ما أثار ردّة فعل قومية تسعى لإنهاء الديمقراطية ذاتها. ليس من المستغرب إذًا أن ثقة الشعب الأمريكي بحكومته اليوم هي أقل مما كانت عليه في أي وقت مضى في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. إن البلد يواجه أزمة تشكّلت عبر عقود من الزمن.

ولمقاومة هذا الوضع، نحتاج إلى اتباع سياسات اقتصادية دولية تفيد كل الأمريكيين، وليس فقط النخب القليلة. نحتاج إلى سياسات أمنية قوية لكن برغماتية، بمساعدة الدبلوماسية. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تواصل التمسك بالافتراض القائل بأن السياسات الخارجية والمحلية منفصلة عن بعضها البعض. فكل قرار تتخذه الحكومة ينبغي أن يكون مصدره الاعتراف بأن الإجراءات التي تقوّض الأسر العاملة في هذا البلد، تؤدي في نهاية المطاف لتقويض القوة الأمريكية في العالم. بعبارة أخرى، نحن بحاجة لسياسة خارجية تعمل لحساب كل الأمريكيين.

ليس من قبيل المغالاة التأكيد على الأهمية الملحّة للحظة الراهنة. في الداخل والخارج، باتت الديمقراطية في موقع الدفاع. إن تفاصيل المشكلة تختلف من مكان لآخر، لكن هناك قضية واحدة تبرز في كل مكان: الفشل المنظّم لفهم والاستثمار في الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تقوم عليها الديمقراطية. وإذا لم نتصدَ لهؤلاء الساعين لتقويض ديمقراطيتنا، واقتصادنا، فإننا سنتحول لمجرد متفرجين على دمار الاثنين.

العمل على إنجاح العولمة  
إن عولمة التجارة كانت مفيدة للغاية لأكبر الشركات الأمريكية. وقد أتاحت تلك العولمة الفرصة لانتشال مليارات البشر من الفقر حول العالم.
لكن سياسات أمريكا التجارية والاقتصادية لم تكن مفيدة للطبقة الوسطى. لقد أكّد القادة الديمقراطيون والجمهوريون أن التجارة الحرة كانت بمثابة مدّ متصاعد سيرفع معه كل المراكب. هذا كلام عظيم، غير أن الاتفاقيات التجارية التي عقدوها رفعت بصورة رئيسية مراكب الأثرياء، تاركة ملايين من العاملين الأمريكيين يغرقون.

لقد كان صنّاع القرار مستعدين للتضحية بالوظائف الأمريكية على أمل تخفيض أسعار السلع الاستهلاكية في الداخل، ونشر السوق المفتوحة في الخارج. لقد دفعوا دول الاتحاد السوفيتي السابق تجاه الخصخصة بأسرع ما يمكن بالرغم من مخاطر الفساد، ودعموا دخول الصين لمنظمة التجارة العالمية، بالرغم من ممارساتها التجارية الظالمة. كما دعموا المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، رغم تبنّي هذه المؤسسات للتقشف وإلغاء الضوابط التنظيمية والخصخصة- وهي سياسات قللت من ثقة الجمهور في الرأسمالية والديمقراطية، ولم تترك للحكومات إلا القليل من الأدوات المالية لمواجهة الأزمات عند حدوثها.

ما الذي حصدناه من هذا؟
وَعَدَ صُنّاع القرار بأن الأسواق المفتوحة ستخلق مجتمعات مفتوحة. بدلاّ من ذلك، ساعدت الجهود الهادفة لإدخال الرأسمالية على الساحة العالمية بصورة غير مقصودة في خلق الظروف لبروز منافسين يتبعون نهجًا عدائيًا. أصبحت روسيا عدوانية وذات نفوذ متصاعد. كما حوّلت الصين الاقتصاد لسلاح من دون تخفيف القيود السياسية الداخلية. وتقوّضت ثقة بلدان أخرى في الديمقراطية والرأسمالية. إن البرنامج الذي كان يهدف يومًا لتعزيز قوى الحرية انتهى به الأمر لتعزيز القوة المناهضة للحرية.

في غضون ذلك، استغلت الشركات متعددة الجنسيات نفوذها الهائل لدى الطرفين الموجودين على مائدة المفاوضات لضمان أن تكون شروط الاتفاقيات التجارية بين الأمم مناسبة دائمًا لمصالحها الأساسية. مرة تلو الأخرى، حصل العمال الأمريكيون على أسوأ النتائج من تلك الاتفاقيات؛ إذْ ظل متوسط دخل الأسر المعيشية في الولايات المتحدة راكدًا على مدى جيل، وقد ساعدت خيارات صنّاع القرار النخبة، لكنها جعلت العمال الأمريكيين في وضع غير موات بصورة أكبر: أدى هذا الوضع لتدمير النقابات وتدني مستويات العمل، وارتفاع تكلفة المعيشة.

صارت المساعدات المقدمة للتدريب والبحث عن وظائف عاجزة أمام نقل الأعمال للخارج، واقتصرت المساعدات على تقديم وثيقة تأمين لتغطية تكاليف جنازات العمال الذين فقدوا وظائفهم. وبعد أن أصبح رأس المال أكثر قدرة على الحركة، أرسلت الشركات والأفراد الأثرياء تريليونات الدولارات لملاذات ضريبية آمنة في الخارج، حارمة الحكومة الأمريكية من موارد ضرورية لإعادة الاستثمار في الداخل لتحديث البنية التحتية وتطوير التعليم.

لقد خاض دونالد ترامب حملة انتخابية ضد هذا النظام المزيّف. لكن بعد عامين من توليه السلطة، بات من الواضح أن سياساته الاقتصادية خرقاء للغاية، وتم التلاعب بها بصورة مقصودة لصالح عائلته وأصدقائه الأثرياء؛ حيث إن اتفاقية التجارة الحرة في شمال أمريكا (نافتا) التي أعاد ترامب التفاوض بشأنها، ترفع أسعار الدواء للمستهلكين، فيما لا تفعل الكثير للحدّ من تدفق الوظائف الجيدة لبلدان أخرى. كما أن رسومه ألحقت ضررًا شديدًا بالمجتمعات الزراعية، ودفعت شركاء أمريكا التجاريين لأحضان منافسيها. كما أن تضارب مصالحه مع حكومات أجنبية فاسدة- بداية من تسريع طلبات حصول ابنته "إيفانكا ترامب" على براءات اختراع لمنتجاتها في الصين، وصولاً إلى الأموال الأجنبية التي تُنفق على فندق عائلة ترامب في واشنطن- يثير أسئلة واضحة بشأن الجهة التي يعمل لحسابها ترامب بالضبط.  
   
ينبغي لأي نهج جديد البدء بمبدأ بسيط: يجب على السياسة الخارجية الأمريكية ألا تعطي الأولوية لأرباح الشركات على حساب الأسر الأمريكية. وللتأكد من أن العولمة تفيد الطبقة الوسطى، ينبغي استخدام المفاوضات التجارية للحدّ من قوة الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات، واتخاذ إجراء حازم من الملاذات الضريبية. ينبغي تمثيل العمال بشكل جدّي على طاولة المفاوضات، وينبغي كذلك استخدام الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها لرفع مستويات العمل، كما ينبغي أيضًا أن تعمل واشنطن مع الحلفاء الذين يشاركونها التفكير لمحاسبة الدول التي تخرق تلك الاتفاقيات.

لو كنا جادين بشأن مبدأ الخصوصية، يجب علينا حماية حقوق البيانات من شركات التقنية العالمية والدول التي تسعى لاستغلال التقنية كأداة للتحكم في السكان. ولإحراز تقدم في مسألة التغير المناخي، ينبغي علينا استغلال رغبة الدول الأجنبية للوصول للأسواق الأمريكية كفرصة للتأكيد على توفير حماية بيئية حقيقية.

وضع حدّ للحرب اللانهائية  
إن السياسة الخارجية التي تعمل لحساب كل الأمريكيين، يجب أن تكون مدفوعة بتقييمات صادقة للتكلفة والمخاطر الكاملة المرتبطة بالذهاب للحرب. لقد خدم أشقائي الثلاثة في الجيش، وأنا أعرف أن أفراد جيشنا الأمريكي أذكياء وأقوياء وواسعو الحيلة. لكن امتلاك جيش قوي لا يعني أننا بحاجة لاستخدام هذا الجيش باستمرار. إن الردع الفعّال يعني أيضًا إبداء الحكم الجيد لممارسة ضبط نفس مناسب.

خلال العِقدين الماضيين، تورّطت الولايات المتحدة في سلسلة من الحروب التي استنزفت قوتها. وقد كانت التكلفة البشرية لهذه الحروب مذهلة: مقتل ما يزيد على 6,900 جندي في أفغانستان والعراق، وإصابة 52 ألف آخرين، بالإضافة إلى العديد من الجنود السابقين الذين يعيشون كل يوم مع ندوب الحرب غير المرئية. إن تمويل هذه الصراعات مصحوبًا بتخفيض الضرائب، يعني أن بلدنا وضعت تكلفة الحرب على بطاقة ائتمانية جماعية سيتعيّن على الأجيال المقبلة دفعها في المستقبل؛ ما سيؤدي لتحويل مسار تلك الأموال التي كان يمكن استثمارها في مشاريع محلية مهمة.

لقد كانت تكلفة تلك الحروب مرتفعة بطريقة غير عادية، لكن هذه الحروب لم تنجح حتى في تحقيق أهدافها. فبعد سنوات من الحرب المتواصلة، باتت أفغانستان بالكاد تشبه دولة قادرة على أداء وظيفتها، وبات إنتاج الخشخاش وحركة طالبان في حالة صعود مرة أخرى. إن غزو العراق زعزع استقرار الشرق الأوسط، خالقًا معاناة هائلة، ومتسببًا في إزهاق أرواح مئات آلاف الأشخاص. مازالت تلك المنطقة في حالة فوضى كبيرة - ازدادت جرأة إيران، وتدمير سوريا، وتعزيز صلابة تنظيم داعش وأفرعه، وخلق أزمة لاجئين كبيرة باتت تهدد بزعزعة استقرار أوروبا.

في غضون ذلك، أدّى التركيز الوحيد على مكافحة الإرهاب إلى تشويه السياسات الأمريكية. هنا في الداخل، سمحنا للرئاسة الإمبراطورية بأن تتجاوز نطاق الدستور لتبرير استخدام القوة، من دون وجود رقابة من الكونغرس وقد دافعت الحكومة عن استخدام أساليب في بعض الأوقات، مثل التعذيب، وهي الأساليب التي تتناقض مع القيم الأمريكية. كما عقدت واشنطن شراكات مع بلدان لا تتقاسم معها الأهداف ولا المُثل. لقد قوّضت جهود مكافحة الإرهاب غالبًا أولويات السياسة الخارجية الأخرى مثل تعزيز الحكم المدني وحكم القانون وحقوق الإنسان في الخارج.

بصفتي عضوة في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، رأيت بصورة واضحة كيف أنهك الصراع المستمر منذ سبعة عشر عامًا المعدات، واستنزف جاهزية القوات، وأُجبرنا على تأجيل الاستثمارات في قدرات عسكرية مهمة. وقد صرف هذا الصراع المستمر انتباه واشنطن عن أخطار متنامية في أجزاء أخرى من العالم: صراع طويل الأمد في آسيا، وبروز روسيا انتقامية تهدد أوروبا، وحالة اضطراب تلوح في الأفق بالقسم الغربي للعالم، بما في ذلك انهيار الدولة في فنزويلا الذي يهدّد بزعزعة استقرار جيران هذا البلد. من جانبهم، راقب منافسو الولايات المتحدة المحتملون وتعلموا الدروس، وباتوا الآن يعملون بجدّ لتطوير تقنيات وأساليب للتفوق على الولايات المتحدة، دافعين باستثمارات هائلة في مجال الروبوتات والأمن السيبراني والذكاء الصناعي والحوسبة الكميّة. تبذل الصين جهودًا هائلة في هذه المجالات للتفوق على الولايات المتحدة بوصفها قوة تكنولوجية عالمية.

إن الولايات المتحدة ستنفق ما يزيد على 700 مليار دولار في العام المالي 2018 - 2019 وحده. هذا يزيد في الواقع عما أنفقته إدارة الرئيس ريغن أثناء الحرب الباردة، ويزيد على مجموع بقية الميزانية التقديرية للبلد. لكن بالرغم من إنفاق واشنطن أكثر وأكثر، يوضح قادة الجش الأمريكي أن تمويل جيش قوي من دون دبلوماسية قوية وفن إدارة الشؤون الاقتصادية للدولة ودعم المجتمع المدني والمساعدات الإنمائية، لن يؤدي إلا لعرقلة قوة أمريكا الوطنية ويقوّض مكاسبها العسكرية.

عندما كان مرشحًا، وعد ترامب بجلب القوات الأمريكية للوطن. وعندما أصباح رئيسًا، أرسل المزيد من القوات لأفغانستان. أثناء حملته الانتخابية، زعم ترامب أنه لا يرغب في التصرف كشرطي للعالم. وبعد توليه الرئاسة، وسّع من نطاق الحضور العسكري الأمريكي في العالم، بداية من مضاعفة عدد الغارات الجوية الأمريكية في الصومال، وصولاً إلى إقامة قاعدة للطائرات المسيّرة في النيجر. وعد ترامب عندما كان مرشحًا بتخفيف حدّة انتشار الأسلحة النووية، لكنه قوّض صفقة نووية ناجحة مع إيران، وفشل في إنهاء البرنامج النووي الكوري الشمالي، ويبدو مصممًا على إثارة صراع تسلح نووي جديد مع روسيا.

ينبغي تحديد الإنفاق الدفاعي عند مستويات مستدامة، وينبغي استخدام الأموال المدخرة لتمويل أشكال أخرى للتعاون الدولي وبرامج محلية مهمة. لقد ظلت ميزانية البنتاغون كبيرة لزمن طويل. وقد حان الوقت لإجراء تدقيق مالي يسمح للكونغرس بتحديد أي برامج في الواقع تفيد الأمن الأمريكي، وأيها يذهب إلى جيوب شركات الدفاع.  

عندما يتعلق الأمر بالحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ينبغي علينا التخلي عن سياسات التبجّح والعداء فيما يخص الدبلوماسية النووية، وإعادة الاستثمار في جهود متعددة الأطراف للحدّ من انتشار الأسلحة النووية تناسب القرن الحادي والعشرين، وتجديد التزام الولايات المتحدة بأن تكون رائدة في الكفاح الهادف لخلق عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

لتحقيق هذه الأهداف، سيكون من الضروري وضع الدبلوماسية بوصفها أولوية قصوى، وإعادة الاستثمار في وزارة الخارجية ووكالات الإنماء، لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تُدار حصرًا من البنتاغون. تنفق الولايات المتحدة واحد بالمائة فقط من ميزانيتها الاتحادية على المعونات الخارجية. يشكّك بعض الأمريكيين الذين يكافحون لتدبير حاجاتهم الأساسية في قيمة الالتزامات والمساهمات الأمريكية في الخارج، ونحن بالتأكيد ينبغي علينا توقع أن يدفع شركاؤنا نصيبهم العادل. لكن الدبلوماسية لا تتعلق فقط بالإحسان، لكنها تتعلق أيضًا بخدمة مصالح الولايات، ومنع تحوّل المشاكل إلى حروب مكلّفة. بالمثل، فإن التحالفات لا تتمحور فقط حول المبادئ، لكنها تقوم أيضًا على مبدأ الأمان في الكثرة العددية. فالعالم مكان كبير ومعقد، ولا يمكن حتى لأقوى دولة أن تحل كل شيء بمفردها. في وقت نواجه فيه قوى معادية للديمقراطية، سنحتاج لحلفائنا إلى جانبنا.

 السياسة الخارجية تبدأ من الداخل  
 قال الرئيس "جون كيندي"، الذي أشغلُ مقعده الآن في مجلس الشيوخ الأمريكي: إنه "لا يمكن لأمة أن يكون موقعها في الخارج أقوى من وضعها في الداخل". ومع مواجهة القوة الأمريكية لتحديات متزايدة في الداخل والخارج، لم يعد بمقدورنا أن نفكر في أجندتنا المحلية بمعزل عن سياستنا الخارجية. إن وجود اقتصاد أقوى وديمقراطية أفضل وشعب موحّد، هو بمثابة المحرّك الذي يدفع الأمة وينشر القوة والقيم الأمريكية في جميع أنحاء العالم.

في كل يوم يمر، هناك سياسات محلية قصيرة النظر تضعف من القوة الوطنية الأمريكية. إن الولايات المتحدة باتت تشهد حالة من التراجع التاريخي، إذ يجري تقليل الاستثمارات في التعليم والبحث العلمي، حتى في ظل توسيع خصومنا المتحملين نطاق هذه الاستثمارات. في وقت تخنق فيه اللامساواة النمو الاقتصادي للبلد، يردّ الكونغرس عبر إقرار تخفيضات ضريبية قدرها 1.5 ترليون دولار لصالح أكثر الأمريكيين ثراءً. إن متوسط الأعمار في الولايات المتحدة يتراجع بالتزامن مع ارتفاع هائل في الوفيات الناتجة عن تناول الجرعات الزائدة، ونظام الرعاية الصحية الأمريكي لا يزال غير مجهّز للرد. يمثل التغيّر المناخي تهديدًا على بقائنا، لكن الحكومة تضعف الضوابط القانونية البيئية، وتدعم الوقود الأحفوري بطلب من متبرعي الحملات الانتخابية الأثرياء. إن فجوة الفرص التعليمية تتزايد، بينما يحرم السياسيون المدارس من الموارد، ويقيّدون جيلاً كاملاً من الطلاب بديون مكبِّلة.

إن الاستثمارات في الداخل تقوّي الاقتصاد، لكنها تخدم أيضًا الأمن الوطني، حيث إن اتباع سياسة صناعية ملائمة للقرن الحادي والعشرين، على سبيل المثال، سينتج وظائف جيدة تحقق الكرامة والاحترام والأجر المناسب للحياة، وسيعزّز من قوة أمريكا الاقتصادية الدولية.

هناك حاجات عديدة للاستثمار: مشاريع بنى تحتية لزيادة الاتصال وتوسيع الفرص في أنحاء الولايات المتحدة. وسياسات في مجال التعليم والتدريب على الوظائف لتخريج عُمال ماهرين، وتشجيع ريادة الأعمال، وتنمية المواهب. وسياسات هجرة لخلق اقتصاد أكثر صلابة وقوة عمل أكثر تنوعًا. وتعليم عالٍ لتجهيز الأجيال المقبلة للمستقبل من دون سحقهم بالديون. ورعاية صحية ميسورة التكلفة وذات جودة عالية لضمان أمن وإنتاجية كل شخص. واقتصاد عادل ومفتوح لرواد الأعمال والشركات من كل الأحجام. ونظام ضريبي تقدّمي يُلزم الأثرياء بدفع نصيبهم العادل. وحكومة ليست للبيع لمن يدفع أكثر.

أما الأساس الذي ترتكز عليه كل هذه الأمور، فهو الحاجة إلى أن نبقى متيقظين ضد المخاطر التي تهدد القواعد والعمليات الديمقراطية الأمريكية. لقد دقّت انتخابات عام 2016 جرس الإنذار، مذكّرة إيانا بأن الديمقراطية ليست آلة معتمدة على نفسها. يجب أن نقاتل من أجل الديمقراطية في كل يوم. وهذا يعني حماية العملية الانتخابية والتوضيح بأنه ستكون هناك نتائج وخيمة ضد أي جهة، داخلية أو خارجية، تتلاعب بها.

إن معاييرنا الديمقراطية تتطلب منا أيضًا تجديد التزامنا بالعدل؛ حيث إن الانقسامات في المجتمع - الظلم العِرقي والاستقطاب السياسي وعدم المساواة الاقتصادية - تضرّ بنا من الداخل؛ ما يجعلنا معرّضين لمزيج سام من الخوف والكراهية. إن خطاب الكراهية يؤجّج الإرهاب المحلي، سواء كان ذلك في شارلستون أو أورلاندو، وشارلتسفيل أو بيتسبرغ. يجب علينا تقوية عزيمتنا لضمان حصول كل أمريكي على فرصة متساوية في المجتمع، وعدالة وحماية متساوية تحت ظل القانون.

ما الذي على المحك؟  
إن الحاجة لتنظيم بيتنا من الداخل ليست أمرًا نظريًا. سواء كان قادتنا يدركون ذلك أم لا، فإنه بعد سنوات من بقائها بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التنافس. لقد باتت الديمقراطية تتصادم مع أيديولوجيات القومية والحكم المتسلط والفساد. الصين الآن في حالة صعود، مستخدمة قوتها الاقتصادية لشق طريقها بالقوة على الساحة العالمية، مقدمة نموذجها المتمثل في تحقيق مكاسب اقتصادية تعطي شرعية للقمع. ولإخفاء حالة التراجع التي تمر بها، تستفز روسيا المجتمع الدولي عبر ممارسة تحرشات انتهازية وهجمات سرية. يستثمر هذان البلدان استثمارًا كبيرًا في جيشهما وفي أدوات أخرى للقوة الوطنية. يأمل البلدان في تشكيل مناطق النفوذ في الصورة التي يرغبان بها، وإعادة تشكيل النظام العالمي ليناسب أولوياتهما. إذا لم نستطع دفع حكومتنا للعمل من أجل كل الأمريكيين، فسينجح هذان البلدان بكل تأكيد.

إن الزعماء الديكتاتورين الذين يديرون هذه البلدان يبقون في السلطة ليست فقط لأنهم يُخضِعون مجتمعاتهم غير الراغبة تحت حكم وحشي، لكنهم يحافظون على سيطرتهم عبر سياسات اقتصادية فاسدة تحابي النخب الثرية التي تبقيهم في السلطة. في الصين، يعزز الرئيس الصيني "شي جين بينغ" سلطته ويتحدث عن "تجديد عظيم"، بينما تصنع الشركات التي تتلقى أوامرها من الدولة مليارديرات من نخب الحزب الشيوعي الصيني. في روسيا، يهاجم الرئيس بوتن حرية التعبير ويؤجّج المشاعر القومية، لكن سلطته الحقيقة تنبع من التشابك الدقيق بين حكومته والشركات الخاضعة لإدارة الدولة والتي يشرف عليها أعضاء القلة المسيطرة.

هناك دول أخرى تعلمت من هذا النهج. فمن المجر حتى تركيا، ومن الفلبين وصولاً إلى البرازيل، تتعاون النخب الثرية لزيادة قوة الدولة، بينما تعمل الدولة لزيادة ثروة الذين يبقون موالين للقائد. هذا التزاوج بين التسلط والرأسمالية الفاسدة يمثل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، لأنه يقوّض المفهوم الأساسي للديمقراطية. كما يساعد الفساد على الانتشار عبر الحدود، ويسمح للقادة المتسلطين بخلق أزمة ثقة عالمية في الديمقراطية.

بالرغم من هذه التهديدات المتزايدة، يبدو الرئيس ترامب مرتاحًا تجاه تصاعد الحكم المتسلط. فهو يداهن "بوتن" على نحو مشين، حتى في ظل الهجمات الروسية على الديمقراطية الأمريكية. كما أن سياساته التجارية تجاه الصين بالكاد توقف بكين عن مواصلة ممارساتها الاقتصادية السيئة.

لقد مرّت الولايات المتحدة بحروب مدمّرة في الماضي، ولا يرغب شخص عاقل في استثارة صراع آخر بين القوى العظمى في المستقبل. في الواقع، فإن الظروف التي يمر بها عالمنا ستتطلب تعاونًا. لكن من الضروري أن نكون صادقين وواضحين بشأن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة. إن حلفاءنا الديمقراطيين يشاركوننا القيم، وينبغي علينا توحيد القوى لحماية، ليس فقط أمننا الجماعي، ولكن قيمنا المشتركة أيضًا. في أوروبا، ينبغي علينا التعاون مع حلفائنا لفرض عقوبات قوية ومحددة على روسيا بسبب محاولاتها لتخريب الانتخابات، وينبغي علينا العمل لمساعدة حلفائنا الأوروبيين لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة. في آسيا، ينبغي علينا تشجيع حلفائنا على تعزيز تعاونهم المتعدد الأطراف، وبناء بدائل لدبلوماسية الصين القسرية .ينبغي علينا أيضًا الرد على جهود الصين لإجبار الشركات الأجنبية على تسليم تقنيات حساسة من أجل وصولها للسوق الصيني، وتجريم سرقة الصين للملكية الفكرية الأمريكية. في جميع أنحاء العالم، ينبغي علينا الترويج بقوة لمبدأ الشفافية وفضح حكومات اللصوص. كما ينبغي علينا دعم الذين يكافحون بشجاعة من أجل قيم الانفتاح والتعددية في موسكو وبكين.  

مرحلة ما بعد ترامب  
لقد كان العالم يتغير قبل تولي ترامب للسلطة، وسيواصل التغير حتى بعد رحيله عنها. عقارب الساعة لن تعود للوراء، لكن يمكننا صياغة العالم الذي ورثناه.

يمكننا أن نتبنّى سياسة خارجية تعمل لصالح الأمريكيين كافة، ليس فقط للنخب الثريّة. يمكننا حماية المصالح الأمريكية أولاً وقبل كل شيء، مع الإدراك بأن هذه المصالح ستتحقق على أفضل وجه عندما نستفيد من دعم حلفائنا وشركائنا. يمكننا إصلاح المؤسسات الدولية لجعلها أكثر مرونة وشمولية، مع الحفاظ على دور الولايات المتحدة القيادي في العالم. يمكننا عمل استثمارات ذكية لردع خصومنا وحماية بلادنا، مع موازنة طموحاتنا مع مواردنا. يمكننا التكيّف مع المطالب والتحديات التكنولوجية للقرن الحادي والعشرين، عبر صياغة سياسات تعكس صورة العالم، ليس كما كان عليه، ولكن بما سيكون عليه. ويمكننا إدراك أن القوة العالمية تُولد هنا في الداخل، عبر إعادة رسملة الاقتصاد الأمريكي، وإعادة الاستثمار في الديمقراطية الأمريكية من جذورها.  

هذا لن يكون سهلاً، لكننا سنثابر. لقد أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت في عام 1941 ما يلي: "إن إرادة الشعب الأمريكي لن تُحبط، سواء عبر تهديدات من أعداء أقوياء في الخارج، أو عبر مجموعات وأفراد أنانيين في الداخل". إن هذه الكلمات لا تزال صالحة اليوم. بالرغم من التهديدات التي تلوح في الأفق، أنا واثقة من أننا قادرون على اتباع سياسة خارجية لصالح كل الأمريكيين- سياسة تحمي، لأجيال مقبلة، حكومة الشعب بواسطة الشعب ولصالح الشعب.  
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق