فورين بوليسي | خبرة التطرف.. لماذا كان أسامة بن لادن أبعد نظراً من أبو بكر البغدادي؟


٢٤ فبراير ٢٠١٩ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



منذ أكثر من أربعة أعوام مضت، وفي يونيو 2014، أعلن "أبو بكر البغدادي" الخلافة في العراق وسوريا، مُنصِّبًا نفسه خليفة عليها. حيث سيطرت جماعته، التي أعاد تسميتها "الدولة الإسلامية" احتفاءً بهذه المناسبة المهمة، على أراضٍ تضاهي مساحة بريطانيا ويقطنها عشرة ملايين نسمة، ما يجعل إنجازات القاعدة وبقية الجماعات الجهادية الأخرى تبدو وكأنها لا شىء أمامها.

ومع استرقاق تنظيم داعش النساء لأغراض جنسية، ورعايته لهجمات إرهابية، وتصويره عمليات قطع رؤوس الرهائن، والترويج بلا هوادة لقضيته على وسائل التواصل الاجتماعي، أفزع ذلك التنظيم العالم وسيطر على مخيلته. في الولايات المتحدة تصاعد الخوف من الإرهاب، ما وفّر زخمًا لحملة دونالد ترمب الرئاسية. لكن هذا كان في الماضي، أما اليوم، فقد انتهت الخلافة، وذلك مع سيطرة القوات الكردية المدعومة أمريكيًا على آخر معاقلها.

هناك الكثير من الدروس التي ينبغي تعلمها من النجاح الأوّلي لتنظيم داعش، وسقوطه السريع.
إن السيطرة على الأراضي تعدّ ميزة وكارثة في الوقت ذاته للجماعات الجهادية. فمن جانب، كانت الخلافة بمثابة أنشودة جاذبة للراغبين في الانضمام للجهاد، ما ساعد في جذب عشرات آلاف المتطوعين من العالم العربي وأوروبا ووسط آسيا. لقد ساعدت الخلافة التنظيم على فرض ضرائب على الأراضي التي استخدمها المزارعون والمحاصيل التي زرعوها وباعوها، وساعدته على استغلال مخزونات النفط الخاضعة لسيطرته، وعلى تجنيد الشباب للقتال، كما تمكّن التنظيم عبر هذه الموارد من بناء جيش أقوى، ومن جني ملايين الدولارات كل شهر.

في ذروة قوته، ربما جنى تنظيم داعش ضرائب قدرها 800 مليون دولا سنويًا. ونظرًا لتوفر ملاذ آمن لهم داخل حدود الخلافة، كان بإمكان عملاء التنظيم التخطيط لعمليات إرهابية، مثل هجمات باريس عام 2015 التي قتلت 150 شخصًا، وتدريب مجندين آخرين وإلهامهم لتنفيذ هجمات في بلدانهم الأصلية. والأهم من كل هذا ربما، حققت الخلافة الهدف الأساسي لوجود الجهاديين: حُكم السكان عبر قوانين الشريعة الإسلامية.

إن أحد أسباب نجاح الخلافة في بدايتها، يكمن في أنها كانت في قلب العالم العربي، في وقت استحوذت فيه الحرب الأهلية السورية على اهتمام العالم، خلافًا للمعاقل الجهادية الأخرى الهامشية مثل الصومال واليمن والقوقاز. والأهم من ذلك، أن الجهاديين في سوريا تمتعوا بدرجة عالية من حرية الحركة في السنوات الأولى للصراع.

في بلدان أخرى، كلما كسب الجهاديون زخمًا على المستوى المحلي عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها لدعم الحكومات المحلية ضدهم. في العراق والصومال واليمن وبلدان أخرى، استغل الجهاديون الحروب الأهلية، لكن دعم الولايات المتحدة لتلك الحكومات، متمثلاً في ضربات الطائرات المسيّرة وإجراءات أخرى، ساعد في دحرهم واحتوائهم وتعطيل خططهم. لقد أدّت فرنسا دورًا مماثلاً عقب سيطرة الجهاديين على مالي في الأعوام 2012 و2013.

في سوريا، مع ذلك، كانت الطبيعة الإبادوية والعدائية لنظام بشار الأسد، تعني أن واشنطن لن تسارع لإنقاذه كما فعلت مع دول أخرى.
في الواقع، في السنوات الأولى للحرب، بدت احتمالية قصف الولايات المتحدة للنظام أكبر من قصف الجهاديين، كما تحدث الرئيس الأمريكي حينها "باراك أوباما" هو وحلفاؤه صراحة عن الإطاحة بالأسد. لقد قررت الولايات المتحدة التدخل فقط حينما بدأ تنظيم داعش في ارتكاب مجازر ضد اليزيديين، والزحف على بغداد.

وعندما حصل التدخل، كان ذلك كارثة على تنظيم داعش، ما أظهر مخاطر السيطرة على الأرض. حاول التنظيم الدفاع عن الخلافة، وقد قُتل عشرات الآلاف من مقاتليه في سبيل ذلك مع العديد من مخططيه وخبراء الدعاية التابعين له، وكان مقاتلو التنظيم أقوياء وعنيدين، ما منع انهيار الخلافة. لكن مساحتها تقلّصت باستمرار، وهو ما أثبت أنه حتى الجماعات الجهادية ذات الموارد الجيّدة لا يمكنها مضاهاة القوة العسكررية لأمريكا وحلفائها.

إن جاذبية تنظيم داعش لم تتلاشَ بعد، لكن الشيء الذي تلاشى بالفعل هو أن التنظيم لن يكون قادرًا بعد الآن على التفاخر بإقامة دولة تُطبّق شرع الله. إن أعضاء داعش الغربيين من أمثال البريطانية "شميمة بيغوم" والأمريكية "هدى مثنى"، اللتين تركتا بلديهما للعيش في الخلافة، وطالبتا بشنّ هجمات في الغرب، أصبحتا الآن تتوسلان للعودة للوطن.

لقد أدرك تنظيم القاعدة، رفيق تنظيم داعش في الجهاد لكنه عدوه اللدود، منذ زمن طويل هذا الأمر. إذ لطالما رأى "أسامة بن دلادن" أن الخلافة هي الهدف النهائي، لكنه كان يدرك أن إعلانها قبل أوانها، وقبل تحصينها تحصينًا جيدًا، سيجعلها ببساطة هدفًا سهلاً للغضب الأمريكي.

لقد كان خليفة "بن لادن"، أيمن الظواهري، أيضا حذرًا، لكنه كان ظاهريًا أكثر تعاطفًا، وذلك نظرًا للشعبية التي تحظى بها فكرة الخلافة وسط الأفراد المحتمل تجنيدهم، وفي العام 2019، بدا وكأن حذر "بن لادن" كان في محله.

ومما أثار دهشة العديد من الأشخاص الذين أفزعهم قطع داعش للرؤوس وحكمها القاسي، هو تمتع خلافة التنظيم بشعبية وسط السكان الذين خضعوا لسيطرتها. وكما هو الحال مع حركة الشباب في الصومال، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، وطالبان في أفغانستان، فضلاً عن جماعات أخرى، فإن تلك الشعبية لم تنبع من أيديولوجية هذه الجماعات، لكن من قدرتها على أداء الوظائف الأساسية لأي حكومة: حفظ النظام والقانون، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية.

في أطروحته التي تحمل بشكل ملائم مسمّى "إدارة التوحش"، دعا  الجهادي "أبو بكر ناجي" لاستخدام العنف الإرهابي لخلق مناطق فوضى في البلد المستهدف. بعدها تسيطر الجماعات الجهادية على الوضع وتكسب ثقة السكان المُنهكين عبر فرض النظام والقانون، وقد اتبع تنظيم داعش هذه الخطة، وكما زعم أحد رجال الشرطة التابعين لداعش: "كنا نعرف أنه لو نجحنا في تحقيق العدالة فسنكسب قلوب الناس".

اعترف سكان مدن مثل الموصل- أي الأشخاص الذين لم يهربوا عند وصول داعش- أن حكم داعش الصارم حسّن الخدمات مثل: توفير الكهرباء ومكافحة الجرائم. فالمهندسون الحكوميون الذين كانوا غالبًا يتقاضون أجورهم ولكن يعملون في وظائف أخرى في عهد الحكومة العراقية، أدركوا أن الذهاب لأعمالهم هو الخيار الأكثر أمانًا لهم في ظل حكم الدولة الإسلامية. لقد كسب تنظيم داعش تأييد جزء من السكان عبر هذا الأداء، وكانت لديه قدرة أفضل على تحصيل الموارد نتيجة لذلك. ومع تلاشي ذكريات الناس بخصوص وحشية تنظيم داعش، ومع استنئاف القادة المحليين الفاسدين وغير الأكفاء لحكمهم، سيتذكر بعض السوريين بشوق الزمن الذي كانت لا تنقطع فيه الكهرباء.

بالنسبة للولايات المتحدة، كانت هذه المشاكل المتعلقة بالحكم مصدر إزعاج لجهودها الرامية لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وخارجه. فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، استخدمت واشنطن آلة قتل هائلة وفعّالة تمكّنت بانتظام من تدمير صفوف الجماعات الإرهابية، لكن الولايات المتحدة واجهت مهمة أصعب بكثير فيما يخص الإجراءات التي يجب فعلها عقب هذه الضربات العسكرية. إذ أنشأ زعماء الحرب المتوحشون والأنظمة الفاسدة مناطق فوضى، ولم تجد الولايات المتحدة حكومة بديلة قوية ذات جودة عالية باستطاعتها حفظ النظام من دون تدخل الولايات المتحدة. في أفغانستان والعراق، وربما الآن في سوريا، تتسبب السلطات المحلية الضعيفة الفاسدة في عودة ظهور الجماعات المسلحة عقب هزيمتها.

مع ذلك، فإن جهود مكافحة الإرهاب تظل أمرًا مجديًا. ومن منظور الجماعات الإرهابية، تعدّ الصراعات أمرًا صعبًا للغاية، يتطلب موارد واهتمامًا متواصلين. إن تنظيم داعش وفروعه في ليبيا وسيناء المصرية وبلدان أخرى، مثل نظرائهم في القاعدة في أماكن أخرى، يقاتلون بصورة رئيسية حكومات أو زعاء حرب محليين، ولا يقاتلون الولايات المتحدة. وهذا الوضع قد يكون مزعجًا للحلفاء المحليين، لكن التركيز على الإرهاب الدولي يصبح أكثر صعوبة في هذه الحالات، كما أنه من غير المرجح أن تنجح هذه الصراعات المحلية المملة في جذب اهتمام المتطوعين الأجانب المتحملين.

تكافح إدارة ترمب، تمامًا مثل إدارة أوباما قبلها، مع كيفية الموازنة بين اليقظة والشعور بنشوة النصر. يُفرط ترمب، كعادته، في التعبير عن نشوة النصر، متفاخرًا بهزيمة تنظيم داعش؛ ما أثار جزع وكالات مكافحة الإرهاب، التي ترغب في البقاء في سوريا لمواصلة الضغط على داعش.

من الملائم وصف تفاخر ترمب بأنه سابق لأوانه، لكن من المهم أيضًا الاعتراف بأن تنظيم داعش تلقى ضربة مؤلمة، وبأن هزيمة الخلافة تمثل نقطة تحول محتملة. لقد توقف تدفق المقاتلين الأجانب، كما أن خسارة الأراضي تصعّب من مهمة داعش في تنظيم هجمات إرهابية دولية. إن الظروف غير العادية التي سمحت للخلافة بالازدهار لوقت قصير، ربما لن تتكرر قريبًا، ومن غير المحتمل أن تعود الحياة إلى تنظيم داعش بالحجم ذاته الذي كانت عليه، أو أن تظهر جبهة أخرى تحظى بالجاذبية ذاتها التي حظيت بها سوريا.

كل هذا بالطبع لا يعني نهاية الإرهاب الجهادي؛ حيث إن الجاذبية التي تتمتع بها أيديولوجية داعش والقاعدة لا تزال قوية، وستسعى أعداد صغيرة من أتباع هذا التنظيم في الغرب لشنّ هجمات، غير أن التهديد اليوم بات أقل خطرًا مما كان عليه في عام 2014، وينبغي على صنّاع القرار إدراك أن تحقيق انتصار جزئي على داعش ربما يكون أفضل ما سيحصلون عليه.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق