eurasia future | أفغانستان نموذجاً... كيف تتم صناعة دولة فاشلة؟


٠٤ أبريل ٢٠١٩ - ٠٨:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



بينما كانت أنظار العالم متجهة نحو الصراع الأوكراني الذي اندلع بعد عام 2014 وجذوره التاريخية، اتبعت الصراعات الداخلية الأفغانية وصراعات كابول مع جيرانها النمط ذاته، ويكمن الاختلاف الرئيسي في أن مشاكل أفغانستان مستمرة منذ فترة أطول. ولكي نفهم أوجه التشابه بين الدولتين، وكيف تسببت في اندلاع الصراعات بين الطرفين، يجب على المرء دراسة أوجه التشابه نقطة بنقطة.

دولة متعددة الثقافات تتظاهر بأنها دولة موحّدة عرقيًّا وثقافيًّا
تتكوّن أفغانستان وأوكرانيا حاليًا من مزيج من جماعات ثقافية وعرقية/دينية مميزة معادية لبعضها الآخر في بعض الأحيان.
في أفغانستان، تتكوّن غالبية السكان من عرقية البشتون، بينما تمثل عرقيات الطاجيك والأوزبك والهزاره عنصرًا أساسيًا من المجموعات العرقية-اللغوية في هذا البلد.

يعيش إلى جوار هذه العرقيات الرئيسية، أقليات أصغر حجمًا، من بينها أقلية الإيماك والتركمان والبلوش، بالإضافة إلى عرقيات أخرى أصغر حجمًا.

في أوكرانيا، لا تزال المسألة غير موضوعية إلى حد كبير (نتيجة لميوعة التحديد الذاتي للهوية العرقية-اللغوية) وذلك عندما يتعلق الأمر بتحديد ما إذا كان عدد المنحدرين من أصول روسية يفوق عدد المنحدرين من أصول أوكرانية في البلاد (سيجري بحث هذه المسألة لاحقًا). ويكفي القول إن هذا البلد منقسم جغرافيًا إلى شرق وجنوب، حيث يُعرِّف غالبية الناس هناك أنفسهم بأنهم منحدرون من أصول روسية أو ناطقون باللغة الروسية، أما في الأقاليم الوسطى والغربية خصوصًا، فيُعرِّف السكان أنفسهم بأنهم أوكرانيون من الناحية اللغوية والعرقية. بالمثل، كان هناك مجتمع بولندي كبير في شمال غرب أوكرانيا الحديثة (كانت هذه الأقاليم جزءًا من أوكرانيا بين الحرب العالميتين) وقد جرى تطهير هذا المجتمع عرقيًا إلى حد كبير، أولاً على أيدي النازيين وعملائهم من القوميين الأوكرانيين، قبل أن يُنهي "ستالين" المهمة بعد عام 1945. وفي منطقة الجنوب الغربي، ما تزال تعيش هناك أقليات عرقية مثل الهنغاريين والرومانيين والسلوفاك.

لكن بالرغم من هذه الاختلافات العرقية -اللغوية، كانت هناك محاولة في الدولتين الحديثتين في أفغانستان وأوكرانيا لربط المواطنة بهوية مدنية "أفغانية" و"أوكرانية" مشتركة، بالرغم من عدم وجود هذه الهوية تاريخيًّا وحاضرًا، وتلك أحد جذور الصراع الداخلي الذي أصاب هذين البلدين.

تعريف الهوية الوطنية من منظور سلبي ضيق
 أوكرانيا
قبل القرن العشرين، كان مصطلح "أوكراني" كعرقية متميزة غير معروف لحد كبير. لكن في مطلع القرن العشرين، أصبح من المفيد للقوات الألمانية المحتلة للمناطق الخاضعة سابقًا للإمبراطورية الروسية (وفقًا لاتفاقية بريست - ليتوفسك)، وذلك في خضم الحرب الأهلية الروسية وعقب انتصار البولشفيك لاحقًا في هذه الحرب، اختراع مصطلح "أوكراني" كهوية عرقية متميزة في مقابل هوية إقليمية كانت تُعرف قبل القرن العشرين بـ "الروس الصغار" (وسط الناطقين بالروسية) أو "الروثينيين" (عند معظم الدول الأوروبية، بما في ذلك الإمبراطورية النمساوية -الهنغارية).

بالنسبة للألمان في مطلع القرن العشرين كما هو الحال مع الاتحاد الأوربي الخاضع لسيطرة ألمانيا في مطلع القرن الحادي والعشرين، كان من المفيد النظر للأوكرانيين بوصفهم متميزين عن أبناء عمومتهم الروس في الشرق، وأبناء عمومتهم البولنديين في الغرب، من أجل استفزاز روسيا من جهة، وعدم تشجيع مفهوم إعادة إحياء بولندا العظمى من جهة أخرى. بالمثل، بالنسبة للبولشفيك في مطلع القرن العشرين، فإن فكرة زوال الإمبراطورية الروسية وحلول "الأخوية الأممية" محلها، كانت تتطلب اعتراف موسكو واختراعها في بعض الأحيان لهويات وطنية جديدة (بدلاً من هويات إقليمية) من أجل تعزيز مفهوم الأخوّة الوطنية البليد الذي قيل إنه حلّ محل الإمبراطورية الموحّدة.
 تلاعب بالكلمات

بعيدًا عن هذا، فإن كلمة "أوكرانيا" ذاتها تعني الأرض الحدودية في اللغات الإقليمية، بينما ظهر مصطلح "أبغان" (وهو المصطلح الذي سبق مصطلح "أفغان" الحديث) للمرة الأولى وسط الفرس الساسانيين للإشارة على نحو مبهم للجماعة العرقية التي يعترف بها الباحثون بوصفها "البشتون". في الحالتين، اكتسب معنى هاتين الكلمتين معاني مختلفة للغاية في أواخر العصر الحديث، وفي الحالتين كان من أجل أسباب مصطنعة إلى حد كبير.

 أفغانستان
بينما يُنظر غالبًا إلى الإمبراطورية الدرّانية في القرن الثامن عشر، وعاصمتها الأولى هي مدينة قندهار الأفغانية المعاصرة، باعتبارها أول دولة أفغانية حديثة، إلا أن أوجه التشابه بين الإمبراطورية الدرّانية ودولة أفغانستان المعاصرة، وكذلك أوجه التشابه بين شبه دولة "هيتمات قوزاق" ودولة أوكرانيا المعاصرة هي سطحية في أفضل الأحوال. في كلتا الحالتين، استمرت هاتان الدولتان البدائيتان لفترة قصيرة نسبيًّا قبل أن يتم ابتلاعهما عمليًّا من جانب دول جارة أكثر قوة وتطورًا، بالتالي لم تكن هاتان الدولتان تمثلان سابقتين مكتملتين لأفغانستان وأوكرانيا اللتين يعرفهما العالم سنة 2018.

لكن بينما أُخضِعت دولة "هيتمات قوزاق" رسميًّا للحماية الروسية نتيجة لمعاهدة "بيرياسلاف" في عام 1654، كان تأسيس إمارة أفغانستان عام 1823 لحد كبير نتيجة لرغبة البريطانيين في إنشاء دولة أفغانية سيّدة في مقابل دولة أفغانية كان يمكن أن تكون جزءًا من روسيا التي واصلت في القرنين الثامن والتاسع عشر التوسُّع جنوبًا في المناطق الفارسية والتركية التقليدية.

بينما حاولت بريطانيا غزو إمارة أفغانستان أثناء معظم فترة وجودها، كان الأمير "دوست محمد خان" أوفر حظًا من قائد دولة "هيتمان قوزاق" "بودان كيملنتسكي" فيما يتعلق بتحريض القوى العظمي القريبة ضد بعضها الآخر. عقد "دوست محمد خان" في البداية تحالفًا مع الإمبراطورية البريطانية المسيطرة على الهند من ناحية الشرق (بما في ذلك كل دولة باكستان المعاصرة)، لكنه بحلول عام 1839 قدّم "محمد خان" مقترحات للإمبراطورية الروسية في الشمال. وقد أسفر هذا عن اندلاع الحرب الأفغانية - الإنجليزية الأولى التي فازت فيها قوات "دوست محمد" في نهاية المطاف. بعد بقائه في الأسر لفترة من الزمن أثناء الحرب، استعاد "دوست محمد خان" السلطة في عام 1845.
أسفر التنافس الإقليمي بين بريطانيا وروسيا للسيطرة على تلك الإمارة الوليدة عن اندلاع حرب أفغانية - إنجليزية ثانية في الفترة بين 1878 و1880. وبينما أُجبرت بريطانيا على الانسحاب من أراضي الإمارة، أفضت معاهدة "جانداماك" اللاحقة لسيطرة بريطانيا على الشؤون الخارجية لتلك الإمارة، ما حوّل تلك الإمارة فعليًّا إلى دولة تابعة لبريطانيا لخدمة أهدافها الجيوسياسية.

عقب اندلاع حرب أفغانية - إنجليزية ثالثة في عام 1919، وقعت إمارة أفغانستان وبريطانيا معاهدة "روالبندي" التي وافق الجانب الأفغاني بموجبها على الاعتراف بـ "خط دوراند" بوصفه الحدود القانونية بين الهند البريطانية وحدود أفغانستان الشرقية.

إن هذه الأحداث هي التي ساعدت في تعريف القومية الأفغانية التي ظهرت في وقت لاحق من القرن العشرين بصورة سلبية. وبسبب أن غالبية البشتون كانوا يعيشون في شرق "خط دوراند" (في باكستان المعاصرة)، لم تكن أفغانستان في الواقع هي "بشتونستان" التي سعى ويسعى العديد من القوميين الأفغان لإقامتها. في المقابل، جرى استبعاد الأقليات غير البشتونية ذات الثقافة واللغة الفارسية أو التركية بصورة واضحة من صفوف الأشخاص الساعين لإقامة "بشتونستان/أفغانستان الكبرى".

بالتالي، وبينما ضمّت الدولة الأفغانية ومازالت تضمّ عددًا كبيرًا من السكان ذوي الأصول الفارسية، إلا أنها لم تكن جزءًا من إيران. وبالمثل، بينما كانت توجد أقلية تركية في هذه الدولة، إلا أنها لم تكن جزءًا من الفضاء العثماني الأوسع نطاقًا. وأخيرًا، وبسبب أن معظم البشتون لم يعيشوا في أفغانستان، لم يتحول هذا البلد إلى "بشتونستان الكبرى".

بالتالي، مثلما أصبحت أوكرانيا تعرّف نفسها بوصفها بلدًا ليس روسيًّا أو بولنديًّا وإنما بلد يتشكّل ثقافيًّا وروحيًّا من هاتين الثقافتين لكنه لا يعترف بهما، كذلك الحال مع أفغانستان التي تتشكّل من ثقافات متعددة، لكن أيًّا من هذه الثقافات لا يحدد بمفرده أفغانستان.
 
التحول من دول وكيلة إلى مناطق حروب دولية  
طالما كانت أفغانستان دولة تابعة لبريطانيا، فلم يكن بمقدورها تهديد السكان الموجودين في الجزء الشرقي للهند البريطانية. وبالمثل، طالما كانت أوكرانيا مجرد جزء من الاتحاد السوفيتي، فإنها لم تكن مكانًا للصراع بين الدول المتنافسة، ناهيك عن كونها مكانًا لصراع داخلي كبير.
لكن في القرن العشرين، عندما أصبح الجزء الغربي للهند البريطانية جمهورية باكستان الإسلامية المستقلة، تغير هذا الهدوء. فبعد انسحاب البريطانيين من جنوب آسيا، أصبحت الدعوات المتجددة في كابول المطالبة بغزو أجزاء من أراضي باكستان وضمّها لـ "بشتونستان/أفغانستان الكبرى" السمة المُميزة لسعي أفغانستان بناء هوية راسخة. وفي انتهاك لشروط "معاهدة روالبندي"، رفضت كل دولة أفغانية منذ العام 1947 فصاعدًا الاعتراف بـ "خط دوراند" بوصفه الحدود الفاصلة بينها وبين باكستان، وذلك على الرغم من أن باكستان ورثت قانونيًّا اتفاقيات العهد البريطاني المتعلقة بالحدود - تمامًا كما هو الحال مع جمهورية الهند.

إن الميول التوسّعية لأنظمة كابول المتعاقبة جعلت هذا البلد مسرحًا للجماعات الإرهابية المدعومة من الهند التي تهدد وحدة باكستان الترابية، بينما اتخذ الاتحاد السوفيتي في عام 1979 قرارًا كارثيًّا بمساعدة نظام كابول الذي، مثل العديد من سابقيه، لم يستطع الوقوف على قدميه.
اليوم، حلّت الولايات المتحدة محل الاتحاد السوفيتي في محاولة الحفاظ على حكومة أفغانية غير قادرة على الوقوف على قدميها، ومثلما كان الحال مع الاتحاد السوفيتي والإمبراطورية البريطانية من قبله، فإن الولايات المتحدة موجودة في أفغانستان ليس بسبب اعتقادها أنه بمقدورها غزو بلد يشتهر بأنه عصيّ على الغزو، ولكن لأن أفغانستان هي موقع مناسب يمكن من خلاله كسب نفوذ جيوسياسي ضد جيرانها الأقوياء، باكستان والصين وإيران وطاجيكستان الموالية لموسكو.
 
وتمامًا مثل أفغانستان، أثبتت أوكرانيا أنها ليست دولة قادرة على حكم نفسها بقدراتها الذاتية. هي يمكنها البقاء فقط بدعم قوة خارجية سواء كانت بولندا أو ألمانيا أو روسيا أو الآن الولايات المتحدة وحليفاتها في الاتحاد الأوربي. لكن المفارقة هي أنه عندما تدخلت بريطانيا أو الاتحاد السوفيتي أو الآن الولايات المتحدة لدعم أو تغيير أنظمة أفغانية معدومة الكفاءة، زادت الأمور سوءًا؛ إذ أصبح هذا البلد مصدرًا أكبر لإثارة الاستفزازات ضد الدول الجارة، بينما تحوّلت الصراعات الطائفية الداخلية عمومًا من سيئ لأسوأ.

بالمثل، بينما حاول نظام "فيكتور يانوكوفيتش" في أوكرانيا إجراء توازن بين علاقاته الدولية عبر محاولته أن يكون دولة وكيلة للولايات المتحدة/الاتحاد الأوربي وروسيا في الوقت ذاته، تمامًا مثلما حاول "دوست محمد خان" فعل ذلك مع بريطانيا وروسيا، إلا أن النظام الأوكراني المدعوم من الولايات المتحدة اليوم أدخل بلده في صراع داخلي دموي، كما أدخله في صراع مع جيرانه.

الدروس المستفادة  
إذا كان العالم قد تعلم شيئًا من التاريخ المعاصر لأفغانستان وأوكرانيا، فهو أنه من الأفضل ترك الدول الفاشلة على الدوام لتفشل بدلاً من محاولة دعم دول لا يستطيع مركزها التماسك بسبب الطائفية، وتتميز علاقاتها مع جيرانها عمومًا بأنها عدائية بفضل رغبتها في تعريف القومية بأنها قوة سلبية ضد الآخرين، بدلاً من أن تكون قوة للانسجام الداخلي.
 
ولأن أوكرانيا وأفغانستان لا يمكنهما سوى تبنّي سياسات مناهضة للآخرين، خشية من أن تصبح انقساماتهما الطائفية الداخلية مكشوفة بصورة خطيرة، لهذا من الأفضل للمجتمع الدولي عدم التضحية باستقرار دول طبيعية نسبيًّا من أجل دعم دولتين كان ينبغي منذ زمن طويل تقسيمهما سلميًّا على أسس ديمقراطية ومنطقية.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق