فورين أفيرز | لماذا تنهار محاولات تريزا ماي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟


٠٦ أبريل ٢٠١٩

ترجمة - بسام عباس



أملت رئيسة الوزراء البريطانية " تيريزا ماي" تمرير خطتها في المرة الثالثة، بعد أن فشلت مرتين في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاقية الخروج مع الاتحاد الأوروبي، ولذا فقد كانت تستعد لمحاولة جديدة الأسبوع الماضي، حتى منعها رئيس مجلس العموم والمجلس الأوروبي. وقد أعلن رئيس المجلس أن الحكومة البريطانية يمكن ألا تضع الاقتراح ذاته أمام البرلمان مرتين في نفس الدورة التشريعية؛ حيث رفض المجلس تعديل اتفاق الخروج؛ ما جعل قرار رئيس المجلس أمرًا لا مفر منه، وقرر في وقت لاحق وبشكل غير متوقع شروطًا حازمة على مطلب ماي للتمديد، وقد طلبت تمديد فترة قصيرة على أن تختتم قبل 30 يونيو 

ويُعدّ منصب "ماي" في رئاسة الوزراء معلقًا بخيط رفيع؛ فقد انهارت استراتيجيتها الثلاثية المكونة من الابتزاز والرشوة والخيانة. أما في عملية الابتزاز فقد استخدمت عامل نفاد الوقت لإجبار أعضاء البرلمان أن يختاروا بين اتفاقها أو لا اتفاق. ومع ذلك، فقد غير المجلس الأوروبي تلك اللعبة، فمع موافقة المجلس على التمديد، ينبغي على مجلس العموم أن يصدق على اتفاق الخروج الموجود في موعد أقصاه 12 أبريل، وإذا لم يكن كذلك، فعلى المملكة المتحدة أن تختار بين الخروج دون اتفاق أو إلغاء طلب الخروج من الاتحاد الأوروبي أو قبول تمديد أطول للمفاوضات. والإمكانية الأخيرة لها تبعات مؤلمة: فسيكون على المملكة المتحدة المشاركة في انتخابات "البرلمان الأوروبي" المقرر عقدها في مايو. وهذه الانتخابات ستقرب حتمًا استفتاءً جديدًا على البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه.

وقد حاولت "ماي"، على رأس عملية الابتزاز، تقديم الرشاوى لكسب تأييد من الحزب الاتحادي الديموقراطي الشمال أيرلندي، الذي تعتمد عليها حكومتها في الأغلبية البرلمانية، وقد بدأت المناقشات حول زيادة النفقات المخصصة لأيرلندا الشمالية مستقبلاً، كما أعلن الوزراء المحافظون في وقت سابق عن خطط لإنشاء بنية تحتية ستستفيد منها المقاطعات الإنجليزية التي صوتت لصالح الخروج، وليس تلك التي يمثلها حزب العمال المعارض، بيد أن الحزب الديمقراطي الوحدوي قال إنه لن يوافق، على الأقل في هذه المناسبة، ولا يبدو أن هناك ما يكفي من "نواب حزب العمال" المؤيدين للخروج حتى تتمكن ماي من التعامل معه.

وشملت محاولات رئيسة الوزراء منذ خسارتها التصويت الأولى على الاتفاق في يناير أيضًا خيانة دعائية معلنة. حيث قالت إنها سعت إلى إلغاء أو التراجع أو غيرها من المعاني المبهمة للوعود التي قدمتها المملكة المتحدة لدول الاتحاد الأوروبي الـ 27، لا سيما إلى أيرلندا، في مشروع اتفاق الخروج. ويُعرف البروتوكول الذي قاد ماي لهذا المخرج على نطاق واسع باسم "المصد الأيرلندي"، وبات لعنة على الحزب الوحدوي الديمقراطي ومؤيدي الخروج المتشددين.

في لعبة البيسبول، يمنع المصد الكرة من أن تصيب أحد المتفرجين الجالسين خلف ماسك الكرات ويصد الكرات لتقع داخل ميدان اللعب، وهذا التشبيه ليس صحيحًا تمامًا في القضية المطروحة. و"المصد" في البروتوكول يعدّ أفضل بوليصة تأمين، حيث يقلّل من الأضرار الجانبية لاتفاق "الجمعة العظيمة" لعام 1998، والمترسخ في معاهدة عام 1999 بين حكومتي لندن ودبلن، والذي يقر بأن يتعامل مواطنو أيرلندا الشمالية نفس المعاملة والحقوق كمواطني جمهورية أيرلندا، والعكس بالعكس، بما في ذلك ما أقره اتفاق الجمعة العظيمة، وقانون الاتحاد الأوروبي، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد أقر اتفاق الجمعة العظيمة التعاون بين أيرلندا الشمالية والجمهورية – والالتحاق ببرامج الاتحاد الأوروبي الإقليمية وعملية السلام. ويحمي "المصد" هذا الهدف وهذه المشاريع، بما في ذلك 12 وظيفة يشرف عليها المجلس الوزاري الشمالي الجنوبي، ووفقًا لموظفي الخدمة المدنية، هناك ما يزيد على 140 من الأنشطة الاقتصادية المتميزة ذات الصلة، وهي تضم الاتفاقيات الزراعية والغذائية التي مهّدت لعمليات توريد متكاملة عبر الحدود الحالية، بالإضافة إلى سوق الكهرباء الوحيدة في الجزيرة.

كما أن المصد وعد بألا تقام مشاريع بنية تحتية مادية جديدة على الحدود في الجزيرة، بين أيرلندا الشمالية والجمهورية، سواء كان ذلك لتحصيل الجمارك أو حواجز تنظيمية لمراقبة البضائع والمواطنين ذهابًا وعودةً عبر ما سيصبح حدود المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، تلك الحدود التي فرضها البرلمان البريطاني في عام 1920 من جانب واحد.

هنا تكمن مشكلة مؤيدي البريكسيت؛ فجميع ما ينص عليه "المصد" سيصبح في حيز التنفيذ بعد فترة انتقالية قصيرة إذا لم تقدم المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي اتفاقية جديدة للتجارة. ومثل هذه النتيجة تبدو مرجحة، نظرًا للفترة الطويلة التي تأخذها الاتفاقات التجارية للتفاوض، ومدى صعوبة التوصل إلى مشروع تسوية الخروج؛ ما يجعل الأمور أكثر صعوبة، فأي صفقة تجارية في المستقبل ستكون على الأرجح "اتفاقًا مختلطًا"، بمعنى أنه سيتضمن عناصر غير التجارية؛ ما يعني أن كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي سيكون لها حق استخدام الفيتو على تصديقها. وعندما يكون "المصد" حيز التنفيذ، سوف تضطر المملكة المتحدة بأكملها إلى البقاء داخل الاتحاد الجمركي الأوروبي، ولن تكون قادرة على تحقيق اتفاقات تجارية ضخمة جديدة مع دول ثالثة حتى تبرم معاهدة جديدة مع الاتحاد الأوروبي. ولذلك يتخوف مؤيدو البريكسيت من أن تكون المملكة المتحدة محاصرة باتفاق "المصد".

ومع ذلك، فالفخ هو من صنع ماي نفسها، وبالعودة إلى عام 2017، صاغ الاتحاد الأوروبي ومفاوضو "ماي" بروتوكولاً يسمح لأيرلندا الشمالية بالبقاء داخل الاتحاد الجمركي الأوروبي وضمن الأحكام التنظيمية للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي بعد المرحلة الانتقالية، بينما ستكون بريطانيا العظمى حرة في الخروج من الاتحاد الجمركي ومن السوق الموحدة. وبعبارة أخرى، ستكون هناك حدود اقتصادية، ليست عبر جزيرة أيرلندا فقط، ولكن عبر البحر الأيرلندي، تدير الموانئ في بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية.

كان ذلك حلاً وسطًا لائقًا؛ فمن المسلّم به أن ايرلندا الشمالية كانت مختلفة، فهو الإقليم الضخم الوحيد الذي سيكون فيه حدود برية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحمي "اتفاق الجمعة العظيمة"، وتحترم حقيقة أن أيرلندا الشمالية صوتت على البقاء في الاتحاد الأوروبي في عام 2016 (بهامش 56 إلى 44 %). كما أنها تمنع عرقلة عملية السلام الأيرلندية التي تشهد استقرارًا ملحوظًا.

وفي غضون ساعات قليلة على إصدار البروتوكول، أشار الحزب الديمقراطي الوحدوي – الذي دعم أقلية حكومة ماي نظرًا لإجراء انتخابات مبكرة في يونيو عام 2017 التي تركت حزب المحافظين دون الأغلبية – إلى أن ذلك غير مقبول. أما النقابيون البريطانيون، الذين أخفقت "ماي" في التشاور معهم، فيخشون من أن تضعف الحدود المزمع ترسيمها في البحر الأيرلندي من وحدة المملكة المتحدة، حيث أصر الحزب الوحدوي الديمقراطي على أن تعامل أيرلندا الشمالية نفس معاملة بريطانيا العظمى.

وانهارت "ماي"؛ فقد خلق قرارها – الذي وضع المملكة المتحدة بأكملها في المصد– مأزقها الحالي. وهذا هو سبب وتوقيت مخاوف "النواب المحافظين"، من وقوع المملكة المتحدة في المصد والتحول إلى متلقي أوامر بدلاً من صانع قرارات مشترك، وأصبح هاجس كيفية القضاء على المصد أو خرقه. وإحدى سبل تجنب المصد هي الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، لكن ذلك سيكون مكلفًا للغاية، كما أن أغلبية المحافظين يعارضون هذه النتيجة، وسبيل آخر هو إقناع مؤيدي البريكسيت المتشددين والحزب الديمقراطي الوحدوي بأن تلغي المملكة المتحدة من جانب واحد اتفاق "المصد".

وسعيًا لتحقيق مثل هذه المهمة، أرسلت "ماي" كبير مستشاريها المدعي العام، جيفري كوكس، إلى بروكسل منذ أسبوعين للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول المستند الذي سيعطي لندن الحرية في التنصل من التزاماته، غير أن كوكس فشل واعترف بأن النص الذي عاد به لا يستبعد إمكانية أن تظل المملكة المتحدة محاصرة في المصد، وأدت نزاهته وصدقه إلى هزيمة ثانية ساحقة لـ "ماي".

منذ ذلك الحين أصبح الجو ملبدًا بالمقترحات التي تسعى لمساعدة "ماي" و"كوكس"؛ ما يوحي بأن المملكة المتحدة ربما تستطيع استخدام "اتفاقية فيينا" لعام 1970 لخرق المعاهدة التي من المزمع توقيعها مع الاتحاد الأوروبي. بيد أن النقاد لاحظوا أن "اتفاقية فيينا" تسمح بإنهاء المعاهدة من جانب واحد في حالة وجود تغيير غير متوقع في الظروف. ولكن حتى الآن، تركزت جميع المناقشات حول المصد حول الظروف المنظورة، والتي لا يمكن أن تكون مبررًا لخرق معاهدة جديدة.

سواء نجحت ماي، أو خليفتها، في تمرير الاتفاق أم لم، فهناك مصد آخر يظهر الآن، وهذا المصد في الولايات المتحدة، ورغم ذلك يبدو أن مؤيدي البريكسيت وأصدقاءهم لم يلاحظوه. فالأمريكيون من أصل أيرلندي لعبوا أدوارًا رئيسة في صنع وتنفيذ "اتفاق الجمعة العظيمة". والرئيس الأمريكي "بيل كلينتون" والسيناتور "جورج ميتشل" عن ولاية "مين" هم أشهر هؤلاء، ولكن هناك العديد ممن أسهموا في ذلك، ومنهم أعضاء الكونجرس: "ريتشارد نيل"، (ديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس والرئيس المشارك لتجمع أصدقاء أيرلندا)، و"بيتر كينج"، (عن الحزب الجمهوري في نيويورك). ويرأس "ريتشارد نيل" أيضًا لجنة الطرق والنقل المختصة بالتعريفات الجمركية.

ويضم تجمع "أصدقاء أيرلندا" العديد من أعضاء مجلس الشيوخ – من ضمنهم "كريس مورفي" من ولاية كونيكتيكت عن الحزب الديمقراطي، و"تشاك شومر" من نيويورك، و"شيرود براون" من ولاية أوهايو، و"تيم كاين" من فرجينيا، و"بوب كيسي" من ولاية بنسلفانيا – والعشرات من أعضاء مجلس النواب.

ويتحرك جيل جديد من الأمريكيين الأيرلنديين المنظمين جيدًا داخل التجمع لحماية الإنجازات التي حققها أسلافهم، ويقودهم السيناتور مورفي عضو مجلس الشيوخ، وعضو الكونجرس "بريندان بويل"، (عن الحزب الديمقراطي في ولاية بنسلفانيا)، وهو أيضًا عضو في لجنة الطرق والنقل، ويركز هذا التجمع على حماية "اتفاق الجمعة العظيمة"، ومنع إقامة حدود ثابتة في أيرلندا مهما كلف الأمر، وستكون لهم الكلمة الفصل في أي اتفاق تجاري جديد بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وإذا تخلت لندن عن المصد الأيرلندي أو خرجت من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، فإنه من المرجح أن يكون استقبالها باردًا في الكونجرس، حيث ستصر "أمريكا الأيرلندية" المنظمة على الحفاظ على– أو استعادة – المصد الأيرلندي إذا ما أرادت واشنطن الموافقة على التعامل التجاري مع لندن.

وقد أعلن مورفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية، بعدم وجود "أي فرصة" لاتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إذا أعيدت الحدود الصلبة. وأضاف: "إننا أصدقاء بريطانيا– إنه رباط لا ينفصم– ولكننا لن ننتهك حرمة اتفاق الجمعة العظيمة وعليهم [أعضاء مجلس العموم] أن يعرفوا ذلك". ولذا فعلى مؤيدي البريكسيت أن يكونوا أكثر حكمة ليتذكروا ما حدث في التسعينيات، وفي المرة الأخيرة كان على الولايات المتحدة أن تختار بين علاقتها الخاصة بالمملكة المتحدة وعلاقاتها بأيرلندا، وعندها انتصرت "أمريكا الايرلندية" بحسم. ومن ثم فإن مؤيدي البريكسيت إذا ما أرادوا التخلص من "مصد"، سيجدوا أنفسهم محاصرين في مصد آخر.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق