نيويوركر | المُتاجرة بالأعداد.. تاريخ الأفراد المؤثرين من شكسبير إلى إنستجرام


٢٣ أبريل ٢٠١٩ - ٠٧:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في أواخر العام الماضي, حدّدت صحيفة ديلي ميل الطفل "رالفي وابلينجتون" ذو العامين كــ"أصغر مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي" في بريطانيا, يمتلك رالفي 20 ألف متابع على إنستجرام، وهو يعرض أزياء ولوازم الأطفال، ويقوم والداه بتصويره وفقًا للتعليمات التي تصلهم من الشركاء التجاريين وأفراد عائلته الكبيرة يجب أن يحصلوا على موافقة قبل نشر صورهم الخاصة به, خشية أن تضرَّ إحدى الصور علامته التجارية.

ولا شك في أن "رالفي" لطيف، لكن لطافته تلك تُعقّد إحساس عدم الارتياح الذي نشعر به: متى نفكّر في الأشخاص المؤثرين وحرفتهم؟

من ناحية "مؤثر" هي علامة تجارية مبهرة, تصف شخصًا يحوّل المتابعة الإلكترونية إلى نقود عن طريق تأييد منتجات أو خدمات – متحدث مشهور باسم عصر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن ناحية أخرى, يبدو وصف "مؤثر" خبيثًا قليلًا؛ فقد يكون المؤثر الشخصية الشريرة في باتمان, إلى جانب الجوكر. إنها ليست مصادفة أن المصطلح دخل المعجم في نفس اللحظة التي بات فيها تأثير من نوع آخر سلاحًا جيوسياسيًا ذا أبعاد غير مسبوقة.

يمتلك المؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي شبهًا عجيبًا مع المخترق الذي يشكّل الحوار السياسي سرًا؛ فكلاهما يزدهر في عالمنا المتشابك, حيث يكون التأثير الرقمي ذو الحدين، سلعة رائجة وتهديدًا للديمقراطية, وحلمًا تجاريًّا وكابوسًا سياسيًّا.

ويُعد الاتصال هو الأساس للدور المعزز الذي يلعبه التأثير في حياتنا الآن. إن التكنولوجيات الرقمية تُضعف الحدود بين الناس وتخلق نفاذية يعتمد عليها التأثير. والأخير هو تحدٍّ للسيادة, على الصعيدين السياسي والشخصي؛ والاعتراف بأنك تعرضت للتأثير هو بمثابة التخلي عن الفكرة الجذابة بأننا, كأفراد أو مجتمعات, نتمتع بالاكتفاء الذاتي.  

إن الطبيعة المراوغة للتأثير – الصعوبة التي نواجهها عندما نحاول تحديد مصادره أو قياس آثاره – مزعزعة للاستقرار بنفس القدر. يعمل التأثير على أفضل نحو عندما يُستخدم بطريقة غامضة, في الظلام ووراء الكواليس, وذلك له عواقب اجتماعية واضحة على المجتمع المنخرط في بناء اقتصاد تأثير رقمي. وبناءً على الأدلة المتوفرة, يبدو أننا لا نستطيع بناء اقتصاد تأثير دون إشعال ثقافة من الشك والارتياب. يؤثر الخوف من التعرض للتأثير على إحساسنا بالواقع وقدرتنا على الوثوق بأحكامنا بشأن ما هو حقيقي.

إن مخترقي الانتخابات والمؤثرين التجاريين لديهم أهداف مختلفة بشدة, لكن كلاهما يساهم في النزعة الشكاكة غير الحقيقية لزماننا, حيث أصبحت لغة التزييف والخداع أساسية في كيفية تفسيرنا للعالم.

كان التأثير مثيرًا للقلق قبل أن يصبح رقميًا بفترة طويلة. وتُظهر كلمة "تأثير" في ربع مسرحيات شكسبير, حيث تكون حالة التعرض للتأثير غير سعيدة أو محترمة. ودون استثناءات, يمنح شكسبير تقريبًا التأثير صبغة تنجيمية مظلمة؛ ففي مسرحية "الصاع بالصاع"، يجادل فنشينتيو بأنه من الخطأ أن نخشى الموت, حيث إن حياة الإنسان "خاضعة لجميع التأثيرات السماوية" بصورة لا مفر منها، والتي "تصيب" هذا الكوكب كل ساعة. في الوقت نفسه, البشر المؤثرون كثيرًا ما يسخرون من أولئك المعرضين للتأثير.

باروليس, الجندي الذي لا يمكن الاعتماد عليه في مسرحية "العبرة بالخواتيم"، يشجّع الكونت برترام على استغلال منصبه في الديوان, الذي يكتظ, كما يقول باروليس, بأولئك الذين "يأكلون ويتحدثون ويتحركون تحت تأثير النجم الأكثر قبولًا". (اليوم كما نعرف كلمة "نَجم" لا تزال تصف الشخص الذي يمتلك تأثيرًا استثنائيًّا).

ربما يبدو تصوير شكسبير للتأثير عتيقًا, لكنه يمتلك صدى مقلقًا في حقيقة أن التأثير الإلكتروني, بطرق متعددة, لا يوجهه عملاء بشريون. إن الخوارزميات التي تفرض أي فيديوهات يقترحها يوتيوب, أو المحركات المخبأة التي تعطي الأولوية لمنشورات معينة على وسائل التواصل الاجتماعي, هي المكافآت الرقمية لتأثيرات شكسبير "السماوية" البعيدة، ولا شك أن أجنداتها غير معلومة ومتغيرة؛ حتى المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي عُرضة لأهواء الخوارزميات, كما لو أنهم كانوا يخدمون آلهة متقلبة.

في أعمال شكسبير, التعرض للتأثير مرتبط بنوع من الخنوع غير المنطقي. لكن "صورة دوريان جراي" لأوسكار وايلد, التي تعود لعام 1890, تأخذ وجهة نظر مقلقة أكثر. المؤثر المستهتر في الرواية, اللورد هنري, الذي يقنع دوريان بالكثير من "النظريات الممتعة المذهلة السامة والخاطئة"، يعترف أيضًا بأن "كل التأثير غير أخلاقي. ... التأثير على شخص هو منحه روحك. إنه لا يفكّر أفكاره الطبيعية أو يحترق بمشاعره الحقيقية، تصبح فضائله غير حقيقية بالنسبة له. وتكون خطاياه, إذا كانت موجودة, مستعارة". وفي رواية وايلد, التعرض للتأثير هو التعرض للهيمنة، بمعنى أن تختبر خسوفًا للشخصية.

ومن ضمن أمور أخرى, تدعونا "دوريان جراي" للتفكير في كيف يمكن أن يخلق التأثير مناخًا أوسع من الزيف, بينما يزداد انتشارًا. يصف اللورد هنري الشخص الخاضع للتأثير بأنه شخص لم يعد لديه هوية أصلية؛ دوافع هذا الشخص غير حقيقية وغير طبيعية لأنها تنبع من شخص آخر، بيد أن الديناميكية الحميمة التي تنكشف بين المؤثر والمتأثر تعني أن الطرفين أصبحا غير حقيقيين. وربما يحترق الشخص المتأثر بمشاعر شخص آخر, لكن أصالة المؤثر تصبح موضع شك, أيضًا. من الممكن نظريًّا أن يحب متزلج مشهور على يوتيوب نوعًا معينًا من الزلاجات ويروّج لها في نفس الوقت – لكن, عمليًّا, مجرد وجود الحافز المالي يغيّر أي حماسة حقيقية قد تتواجد، وفي هذا الإطار, المؤثرون يؤثرون على أنفسهم.

في 2017, أصدرت لجنة التجارة الفيدرالية مبادئ توجيهية تدعو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي لأن يصبحوا أكثر شفافية حول علاقاتهم التجارية. اقترحت اللجنة, "تجنبوا الإفصاحات الغامضة مثل #شكرا, #تعاون, #راعي, أو #سفير. الوضوح مهم". ومع الأسف, الوضوح يتعارض مع التأثير الذي يتمتع بالقوة لأنه غامض. في المجالين السياسي والتجاري, هذا الغموض له تأثير مثير للقلق؛ نحن نبدأ في طرح أسئلة على أنفسنا مثل: هل كانت تلك القصة التي لمحتها في "آخر الأخبار" من مصدر موثوق؟ هل كانت تلك التوصية بالمنتج مكتوبة من مستهلك حقيقي أم من متحدث مأجور؟ لماذا أريد ذلك الشيء الذي أريده؟ لماذا أؤمن بتلك المعتقدات السياسية التي أؤمن بها؟ هذه الأمور المجهولة, في المقابل, تثير سؤالًا مزعج أكثر: ماذا يعني أن يكون لديك رأي حقيقي ونقي؟ إن معرفة أن التأثير محفّز رئيس للحياة العامة يزيد من استخفافنا بالآخرين وبأنفسنا أيضًا.

مؤخرًا, كانت ظاهرة المؤثر تتحول بطرق مفاجئة. في ديسمبر, نشرت ذي أتلانتك تقريرًا عن الأشخاص الذين يصممون محتوى وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم ليجعلوها تبدو وكأنها برعاية شركات. إنهم ينظمون صورهم لخلق وهم الإشارة للمنتجات, على أمل أن العلاقات المزيفة مع العلامات التجارية ستساعد في بناء المكانة اللازمة لتأمين علاقات حقيقية. تقلد منشوراتهم نغمة الحماسة التعاقدية المميزة للمؤثرين, التي تضخ جوًا من الامتنان المفاجئ في ترويج متفاوض عليه بعناية لمنتج ما. يتحدث مقال ذي أتلانتك عن المؤثرة "سيدني بيو", التي تصف التقاط صورة للقهوة التي اشترتها لتوّها, ثم ترفقها بعنوان تعلن فيه عن حبها لـAlfred Coffee.

في الوقت نفسه, في العام الماضي, بدأت تقارير إخبارية في الظهور عن مخترقين يمنعون المؤثرين من الوصول إلى حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي ويطلبون منهم دفع فدية. فقدت المدونة "كاسي جاليجوس" السيطرة على صفحة إنستجرام خاصتها في هجمة كهذه. عجز إنستجرام عن التدخل, لذلك دفعت أكثر من مائة دولار بقليل للمخترقين, الذين اختفوا بعدها, بصحبة حسابها وحوالي ستين ألف متابع.

تاريخيًّا, كان التأثير يُعد قوة غامضة وغير ملموسة, لكن, بالنسبة إلى مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي, يُعد ملموسًا على نحو مثير للدهشة. إنه يستقر في أرشيف من الصور والفيديوهات والنصوص, التي يرتبط بها المتابعون رقميًا. إن التكنولوجيات التي سهلت الازدهار في التأثير بَلْوَرتْهُ أيضًا, وحوّلته إلى جوهرة رقمية يمكن سرقتها.

وقد باتت فكرة التأثير أكثر صلابة بالنسبة إلى بقيتنا أيضًا؛ فعند تصفح "آخر الأخبار" على صفحاتنا, نكون متأكدين أن أشخاصًا وشركات أقوياء يحاولون التأثير علينا. وردًّا على هذا, ربما نميل إلى تنمية استقلالية شديدة. المشكلة هي أن مقاومة تأثير الآخرين بصدق يمكن أن تتطور إلى نوع من استبدادية النفس. في أعمال شكسبير, الشخصيات غير المحببة, مثل باروليس, هي من تسخر من سرعة تأثر الآخرين. وفي "الملك لير," يقول إدموند, الابن غير الشرعي: إن إلقاء مسئولية السلوك السييء على تأثيرات الكواكب يُعدًّ "حماقة". إنه يؤكد على أن طبيعته شيء لا مفرّ منه: "ينبغي أن أكون من أنا عليه".

وفي تغريدة حديثة, وصف البابا فرانسيس السيدة مريم العذراء بأنها "أول شخصية مؤثرة"، مشجعًا الآخرين على اتباع قدوتها المباركة عن طريق نشر كلمة الرب. وكما تذكّرنا كلمات فرانسيس: لا يجب أن يكون التأثير مرتبطًا بالمصالح التجارية. توجد طرق إيجابية للتأثير على الناس. إن إضفاء الطابع التجاري على التأثير يُعد إفسادًا للعمليات التي يمكننا من خلالها أن نؤثر على بعضنا البعض. وهكذا, فإن التحدي المستمر أمامنا سيكون التفاوض على الزيف والاستخفاف المتأصل لاقتصاد التأثير مع حفظ قدرتنا على أن ننشغل, وربما نتغير للأفضل بأفكار الآخرين الغريبة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق