فورين بوليسي | وصف خاطىء.. لا توجد حرب باردة جديدة حالياً


٠٢ مايو ٢٠١٩ - ٠٤:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



ستيفن والت

يظن الكثير من الأشخاص الأذكياء أن الولايات المتحدة وروسيا تخوضان الآن "حربًا باردة جديدة". بإمكان المرء أن يجد مقالات بشأن هذا الموضوع في صحف مثل بوليتيكو ونيويوركر وذا نايشن، ولو أجريت بحثًا سريعًا على غوغل ستجد موقعًا كاملاً مكرّسًا لهذا الموضوع.

يستخدم سياسيون في كلا البلدين لغة متزايدة القساوة لوصف بعضهم الآخر، وبات الناس في كلا الجانبين مقتنعين أن الطرف الآخر منخرط في مكائد سوداء عديدة ضدهم. هناك حتى علامات على اندلاع سباق تسلح جديد، إذْ تفاخر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بامتلاك بلاده أسلحة نووية جديدة متطورة، فيما تستعد الولايات المتحدة لإطلاق برنامج مكلف لتحديث ترسانتها النووية.

إن الوضع الراهن سيء، بيد أن وصفه بأنه "حرب باردة جديدة" هو مضلل أكثر منه مفيد. ولو قارنا بين الوضعين بإمعان، فسنجد أن ما يحدث اليوم هو مجرد ظل للمنافسة السابقة بين البلدين، ولا شك أن النظر إلى مشاكل اليوم باعتبارها حربًا باردة جديدة، يقلل من الدور الذي لعبته التدخلات البشرية والقرارات السياسية السيئة في وضع الولايات المتحدة وروسيا في المأزق الراهن، ويلهينا عن تحديات أكثر أهمية، ويثنينا عن التفكير بشكل إبداعي بشأن طريقة تجاوز المستوى الحالي من الضغينة.

ولتفسير سبب ذلك، علينا أن نتذكر كيف كان شكل الحرب الباردة الأصلية.
كبداية، كانت الحرب الباردة عبارة عن منافسة ثنائية القطبين بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اللذين كانا إلى حدٍّ بعيد أقوى بلدين في العالم. بالرغم من وجود عوامل أخرى ساهمت في تأجيج منافستهما، كان كل طرف منهما يمثل أكبر تهديد محتمل ضد الطرف الآخر، كما نظر الطرفان بعين الحذر لبعضهما. كما أسهم التوزيع العالمي للقوة بين الدول لحد بعيد في تحديد شكل الحرب الباردة هيكليًّا، وربما كان حدوث نوع من المنافسة أمرًا حتميًا (حتى لو كانت هناك عوامل أخرى أثرت وساعدت في تحديد مدى شدة تلك الحرب).

علاوة على هذا، كان هناك تكافؤ تقريبي بين هاتين القوتين العظميين، غير أن الولايات المتحدة عمومًا كانت في وضع أفضل، حيث كان اقتصادها أكبر مرتين من اقتصاد الاتحاد السوفيتي، وكان حلفاؤها أكثر اقتدارًا وموثوقية من حلفاء الاتحاد السوفيتي. فبينما كانت واشنطن تحتفظ إلى جانبها بحلفاء مثل ألمانيا الغربية والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا وإسرائيل وعدد آخر من الدول القوية، كان الاتحاد السوفيتي متحالفًا مع دول من أمثال جنوب اليمن وكوبا وأنغولا وبعض  الدول التابعة المضطربة في حلف وراسو، كما كانت الصين في بادئ الأمر شريك موسكو الأصغر، لكن هذين العملاقين الشيوعيين وقعا في خلاف بشع فيما بينهما، ما دفع بكين للتحالف ضمنيًّا مع الولايات المتحدة ،وكذلك فعلت مصر، وهي دولة أخرى كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي.

كانت الولايات المتحدة تمتلك قدرات أكبر على استخدام القوة خارج حدودها، وكان لديها قوة جوية وبحرية أكثر تفوقًا، وتكنولوجيا أكثر تطورًا، وتدريب أفضل. غير أن الاتحاد السوفيتي كان لديه جيش كبير مجهّز تجهيزًا جيدًا ومُصمَّم للدخول في حرب هجومية، وكانت قواته متمركزة بالقرب من غرب أوروبا، وعلى مسافة ليست ببعيدة عن الخليج . كما امتلك الجيش السوفيتي في نهاية المطاف ترسانة كبيرة من الأسلحة النوية. إجمالاً، كانت الولايات المتحدة أكثر تفوقًا، لكن هامش تفوقها لم يكن كبيرًا ما يسمح لها بالاسترخاء. لهذا تنافست هاتان القوتان باستمرار للحصول على نفوذ إضافي، وفعلتا كل ما بوسعهما لإضعاف بعضهما البعض من دون التسبب في اندلاع حرب عالمية ثالثة.

في الوقت ذاته، شهدت الحرب الباردة أيضًا منافسة شديدة بين أيديولوجيتين سياسيتين متنافستين: الرأسمالية الليبرالية والماركسية -اللينينية. لقد تميّزت هاتان الأيديولوجيتان ببعدَيهما العالمي، إذ كان أتباعهما يؤمنون أن كل واحدة منهما كانت تمثل نموذجًا لتنظيم المجتمع يمكن تطبيقه في كل مكان في العالم. ارتكزت الرأسمالية الليبرالية على مزاعم تدور حول الحقوق الأساسية التي قيل إن البشر يمتلكونها، فيما استندت الماركسية - اللينينية إلى القوانين "العلمية" للتطور الاقتصادي والاجتماعي التي من المفترض أن ماركس وأتباعه اكتشفوها. ولأن كل أيديولوجية كانت تَعتبر نفسها صحيحة عالميًّا، شعر أتباع كل أيديولوجية بأنهم ملزمون بمحاولة نشرها في كل مكان. الأسوأ من هذا، ونظرًا للادعاءات العالمية لكل طرف منهما، كان مجرد وجود فريق ما يمثّل تحديًا أساسيًا لمصداقية الطرف الآخر. بالتالي، ولأسباب أيديولوجية وسياسية معًا، لم يكن القول المأثور "عِش ودع غيرك يعيش" خيارًا جديًّا على الإطلاق.

أخيرًا،  فإن الحرب الباردة كانت منافسة عالمية جرى خوضها في كل قارة بالعالم. لقد ساهمت المنافسة بين موسكو وواشنطن في صياغة جدول أعمال السياسة العالمية من عِقد الأربعينيات فصاعدًا، وكانت لها تداعيات بعيدة الأثر (وسلبية في أحيان كثيرة) في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

كانت تلك هي الحرب الباردة الحقيقية، ودعونا لا ننسى أنه تخللها عدد من الأزمات النووية الشديدة، وسباق تسلح، راكم فيه كل طرف عشرات آلاف القنابل الهيدروجينية القوية، وحروب بالوكالة مات فيها ملايين. وبالرغم من أن تطورات اليوم مؤسفة، وربما تكون خطيرة، غير أنها أمرٌ مختلفٌ تمامًا.

أولاً: وهو الأكثر وضوحًا، العالم اليوم ليس ثنائي القطب. فهو إما أنه ما يزال أحادي القطب أو أنه نظام متعدد الأقطاب مختلّ للغاية، لا تزال الولايات المتحدة في صدارته وتسير خلفها القوى الرئيسية الأخرى. ولو عادت الثنائية القطبية في نهاية المطاف، كما يعتقد كثيرون، فإن الصين وليس روسيا، هي التي ستكون القطب الآخر. وفي انقلاب مذهل للوضع السائد أثناء الحرب الباردة، باتت روسيا اليوم هي شريك الصين الأصغر، وستكون أضعف كثيرًا من جيرانها الآسيويين لعقود مقبلة. (من المرجح أن تتخلف روسيا كثيرًا عن الهند أيضًا، لكن هذه قصة أخرى).

ثانيًا: كان هناك تكافؤ تقريبي محدد أثناء الحرب الباردة، لكن الولايات المتحدة اليوم أقوى بكثير في كل الأبعاد المهمة. يبلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 20 تريليون دولار، بينما يبلغ اقتصاد روسيا أقل من 2 تريليون دولار. كما أن أمريكا أكثر تطورًا تكنولوجيًّا وأكثر إبداعًا، بينما تعتمد ثروة روسيا في معظمها على صادرات الطاقة التي من المرجح أن تتراجع قيمتها مع ابتعاد البشرية تدريجيًّا عن الوقود الأحفوري. في غضون هذا، من الصعب أن تجد شخصًا يوفّر مالاً من أجل شراء أحدث هاتف ذكي روسي، كما أن الشعب الأمريكي أكثر شبابًا نسبيًّا وما زال يشهد زيادة، بينما يشيخ الشعب الروسي بسرعة، ومن المتوقع أن تنخفض أعداده بصورة حادة في العقود المقبلة. وبالمقارنة مع زمن الحرب الباردة، فإن المنافسة اليوم بين الولايات المتحدة وروسيا هي مثل المنافسة بين "غودزيلا" و"بابمبي".

ثالثًا: لا توجد منافسة أيديولوجية جديّة اليوم. ربما تكون صورة أمريكا الليبرالية قد تشوهت مؤخرًا، لكن جاذبية روسيا الأيديولوجية خارج حدودها ضئيلة. لقد أَسَرَتْ الأيديولوجية الماركسية - اللينينية مخيلة وولاء ملايين التابعين حول العالم، لكن "البوتينية" لا تحظى بإعجاب سوى وسط حفنة من الأوليغارش أو المستبدين المحتملين. ربما يكون دونالد ترامب هو الشخص الوحيد في أمريكا الذي يؤمن حقًّا بأن حكم الرجل القوي أفضل من الديمقراطية، لكنه لن يكون رئيسًا للأبد مهما كانت رغبته في تحقيق ذلك.

رابعًا: كانت الحرب الباردة الحقيقية عبارة عن منافسة عالمية، بينما تُعد القضايا الجيوسياسية التي تفرّق بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم محصورة في مناطق قريبة من حدود روسيا، مثل أوكرانيا، أو في جزء صغير من الشرق الأوسط. وبالرغم من كل الهراء الذي يُقال بشأن "النزعة التحريفية" لبوتين، بيد أن دور روسيا في معظم هذه الصراعات هو سلبي في الأساس ودفاعي ومُفسد، وربما تكون موسكو قادرة على منع أوكرانيا من التوجه نحو الغرب أو الانضمام لحلف الناتو، وربما تستطيع الإبقاء على بشار الأسد في السلطة فيما تبقى من سوريا، لكن بوتين، مثله مثل بوش الابن، يكتشف تدريجيًّا أنه من الصعب السيطرة على الوكلاء، وأن التورُّط في المستنقعات أسهل من الخروج منها.

أظهرت روسيا قدرة محدودة على تحقيق أهداف إيجابية على الساحة العالمية، أو في الجمع بين الدول من أجل التعاون فيما بينها لتحقيق منفعة متبادلة. بالمقارنة مع أحلام القادة السوفييت السامية الخاصة بإشعال ثورة عالمية، يبدو "جدول الأعمال العالمي" لبوتين مثل "فودكا" مخفّفة بالماء.

لكن مهلاً: ماذا بشأن محاولات روسيا الخبيثة للتلاعب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، وزرع الخلافات والانقسامات عبر الحسابات الآلية ومتصيدي الإنترنت وحسابات الفيسبوك المزيفة والإيميلات المقرصنة وأفعالها الأخرى السيئة؟ نحن لا نزال لا نعرف المدى الكامل للتدخل الروسي ا، لكن الأمريكيين لديهم كل الأسباب التي تجعلهم يغضبون من هذا الأمر، وينبغي لهم مطالبة إدارة ترامب باتخاذ إجراءات فعّالة للحدّ من هذا السلوك أو ردعه مستقبلاً. في الوقت ذاته، ينبغي التخفيف من حدّة هذا الغضب الأخلاقي قليلاً والاعتراف بأن واشنطن تدخّلت مرارًا وتكرارًا في سياسات دول أخرى، واستخدمت وسائل سرية وعلنية للتخلص من حكومات لم تعجبنا. بحسب معلوماتنا، لم يمت أي أمريكي بسبب التدخل الروسي، لكن هناك مئات الآلاف من العراقيين فقدوا حياتهم بسبب جهودنا حسنة النية "لتحريرهم".
وهناك أمر يحمل نفس القدر من الأهمية، وهو أن أنشطة روسيا المختلفة لم تكن لتحدث لولا سماح الأمريكيين بإفساد مؤسساتهم الديمقراطية بشكل خطير قبل تورُّط موسكو بزمن كبير. أنا لست سعيدًا بما فعله بوتين أو مجموعة "فانسي بير" للقرصنة أو الوكلاء الروس الآخرون، غير أن كمية الهراء التي حشاها "نيوت غينغريتش" وقناة "فوكس نيوز" وموقع "بريت بارت" و "درودج ريبورت" في أدمغة الأمريكيين تفوق بكثير ما فعله أتباع موسكو.

علاوة على هذا، لا ينبغي لنا أن نتفاجأ مطلقًا من أن شخصًا مثل بوتين - الممتعض للغاية من التجاوزات الأمريكية المتكررة ضد المصالح الحيوية الروسية - رأى هذه الفرصة واغتنمها. لو قمنا بمراجعة سريعة للتاريخ الأمريكي، سنجد أن الأمر لا يتطلب سوى القليل من التدخل الأجنبي حتى يُصاب الأمريكيون بحالة فزع شديدة. هل تذكرون "المكارثية" و"مداهمات بالمر" أو "عقيدة الواحد بالمائة"؟ لا عجب أن بوتين اعتبرنا هدفًا مُغريًا. لكن ما أقصده هو أننا نحن في الغالب من فعلنا هذا بأنفسنا.

وأخيرًا، إن النظر إلى الصراع الراهن بين الولايات المتحدة وروسيا باعتباره حربًا باردة جديدة، يؤدي لتضخيم أهمية هذا الصراع، ويصرف اهتمامنا بعيدًا عن التحدي الأكثر خطورة القادم من الصين الصاعدة. الأسوأ من ذلك، أن هذا التفكير يشجّعنا على اتخاذ خطوات ضارة للغاية بمصالحنا. عوضًا عن السعي لدقّ إسفين بين موسكو وبكين (وفقًا لما تمليه علينا القواعد الأساسية للسياسة الواقعية)، تلمح عقلية "الحرب الباردة الجديدة" إلى أن المنافسة الأمريكية - الروسية مفرطة التحديد، كما تقلل هذه العقلية من إمكانية بحثنا عن طرق لحل خلافاتنا بمرور الزمن. الأسوأ من هذا أن هذه العقلية ستجعلنا نعود للنُهج الصدامية التي استخدمناها أثناء الحرب الباردة الحقيقية؛ ما سيدفع بكين وموسكو للتقرّب من بعضهما البعض.

وهذا لا يعني إنكار أن العلاقات الأمريكية -الروسية في حالة سيئة، ومن الصعب أيضًا تخيُّل أن يحاول شخص مفضوح مثل ترامب فعل الكثير لإصلاح هذه العلاقات. لكن بدلاً من تبنّي خطابات وصور الحرب الباردة، من الأفضل لنا التفكير جديًّا بشأن الأخطاء والحماقات التي أوصلت الولايات المتحدة وروسيا للمأزق الراهن، والبحث عن طرق جديدة مُبتكرة لتصحيح هذه الأخطاء، وتتمثل الخطوة الأولى في التخلص من وصْف بليد يمكنه فقط أن يُعيقَ الطريق.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق