فورين بوليسي| تركيا متعطشة للحرب مع قبرص


٢٧ مايو ٢٠١٩ - ٠٨:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

عندما أعلن بيرات البيرق, وزير المالية التركي وصهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان, يوم 12 مايو أن بلاده سترسل عما قريب سفينة حفر للتنقيب عن موارد الغاز الطبيعي في منطقة يعتبرها الكثيرون تنتمي لقبرص, كان من المغري إسقاط الحادثة على أنها تَأجُّج آخر في النزاعات الإقليمية الممتدة لعقود في شرق المتوسط. إن إشعال التوترات بصفة دورية مع اليونان وقبرص كان دائمًا جزءًا من استراتيجية السياسة الخارجية التركية.

غير أن هذه المرة أخطر بكثير بسبب وجود علامات على أن تركيا ربما تكون مستعدة لتصعيد مواجهتها لتتجاوز مجرد الكلام. جاء إعلان البيرق قبل يوم واحد من إجراء تركيا لمناورة ذئب البحر, أكبر مناورة بحرية سنوية في بحر إيجة وشرق المتوسط. حينها, يوم 15 مايو, كرر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عزم الدولة على شراء منظومة صواريخ إس-400 من روسيا. وطوال هذه الفترة, كانت الطائرات التركية تنتهك المجال الجوي اليوناني بصورة شبه يومية.

كان شراء الإس-400 مصدرًا للتوتر في حد ذاته. تعتقد الولايات المتحدة والناتو أن منظومة الصواريخ, بمجرد توصيلها بشبكة الرادار التركية, ستمنح الأنظمة الروسية إمكانية الوصول إلى بيانات الناتو الحساسة – وربما تجعل من الأسهل, مثلًا, على موسكو أن تكتشف طائرات إف-35 التي كانت تتطلع تركيا لشرائها من الغرب. تزعم تركيا أن هذه المخاوف مُبالغ فيها, لكن هذا لم يمنع واشنطن من تهديد أنقرة بإقصائها من برنامج شراء إف-35 وفرض المزيد من العقوبات.

يمكن رؤية كل هذ كجزء من العلاقة الإشكالية بشكل عام بين تركيا والغرب في أعقاب أحداث احتجاجات منتزه غيزي وتصعيد الحرب في سوريا, عندما بدأ أردوغان تعزيز سلطته في الداخل منذ ست سنوات تقريبًا. لكن الانتخابات المحلية الأخيرة في إسطنبول – التي خسر فيها أردوغان المدينة التي يعتبرها مركز سلطته – روّعت بوضوح الرجل القوي, دافعةً إياه للتجاوز وفرض إعادة انتخابات. ويبدو من  المرجح أن هذا سيكون له نتائج عكسية, حيث تسحب أحزاب المعارضة مرشحيها وتحشد دعمها لمرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو, الذي كان الرابح في الجولة الأولى.

يأتي هذا وسط اقتصاد متراجع, كما هو منعكس في سعر الليرة التركية, وتذمر من أردوغان داخل حزبه. إن الاستقبال البارد الذي حظي به الرئيس عندما زار قبرص الشمالية التابعة لتركيا العام الماضي لم يدعم موقفه في الوطن، وهذه تطورات لم يكن أردوغان مستعدًا لها، حيث ربما يستفيد الأتراك في النهاية من ضعف رئيسهم الاستبدادي المفاجئ، لكن بقدر ما تسير السياسة الدولية, تبدو النتائج أكثر غموضًا بكثير.

يقترح التاريخ أن القادة الذين يخسرون قبضتهم على السلطة لديهم حوافز لتنظيم استعراض للقوة وتوحيد قاعدتهم خلف تهديد أجنبي وشيك، ويمتلك أردوغان كل الأسباب لخلق عداءات مع اليونان – خَصم تركيا التقليدي وحليف قبرص – من أجل تشتيت الانتباه عن مشاكله في الداخل.


وهذا كله لم يأت من فراغ! فلم تسمح تركيا لقبرص أبدًا بالاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي في مياهها دون نوع من المواجهة. من هذا المنطلق, كانت استراتيجية تركيا في بحر إيجة متسقة لعقود كثيرة حتى الآن: مارِسْ الضغط, وقدّم مطالب, وانتظر حدوث أزمة, ثم اجلب الطرف الآخر إلى الطاولة بشروطك. هذا هو بالضبط ما تحاول فعله الآن. كتب ألكسيس باباشيلاس, أحد أبرز الصحفيين اليونانيين, في عموده يوم 15 مايو: "إن ما يحدث أمام أعيننا هو استراتيجية منهجية صممتها تركيا لتثير التساؤلات عن الوضع الراهن في منطقتي بحر إيجة وشرق المتوسط. كل الأدلة تشير إلى ذروة في التوترات الخريف القادم".

ومن الصعب القول ما هي حدود المواجهة الحالية. إن الأوضاع الحالية تؤدي إلى مزيج خطير؛ فقد أبعد أردوغان تركيا بثبات عن المؤسسات الغربية التي تنتمي إليها (الناتو) والمؤسسات التي طمحت أن تكون جزءًا منها (الاتحاد الأوروبي) وقرّبها من روسيا؛ حيث يحاول تصوير نفسه قائدًا إقليميًّا في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه, قبرص واليونان عضوان لهما وضع جيد في الاتحاد الأوروبي. في الواقع, أصبحت اليونان أقرب إلى الولايات المتحدة والناتو أكثر من أي وقت مضى في الأربعة عقود الماضية. لقد عزز رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس علاقات أقوى مع إسرائيل ومصر, شركاء قبرص في مشروعات الغاز الطبيعي.

أوروبا لديها دور مهم لتلعبه في ردع الصراع. فقد أعربت فيديريكا موغريني, مسئولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي, عن "قلق كبير" من خطط تركيا. قالت الأسبوع الماضي: "نحن ندعو تركيا لضبط النفس, واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة والابتعاد عن أي عمل غير قانوني والذي سيرد عليه الاتحاد الأوروبي بطريقة مناسبة وبتضامن كامل مع قبرص"، بينما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شهر يناير: إن فرنسا تدعم حق قبرص في مخزون الغاز قبالة سواحلها, برغم اعتراضات تركيا. غير أن نهج الاتحاد الأوروبي الحالي لحماية حدوده غير مرجح لأن يكون كافيًا لردع أردوغان.

هناك مخاطر جيوسياسية أكبر لأوروبا. في حالة التصعيد, والذي يشمل أي نوع من الصراع العسكري, تردُّد حلفاء قبرص واليونان سيُبطل الخيارات التي اتخذها عضوًا الاتحاد الأوروبي بتوطيد علاقاتهما مع الغرب وسيخلق المزيد من الشك حول فاعلية الناتو.  ولا يلمح أي من هذا بأن الاتحاد الأوروبي تعامل مع تركيا وأردوغان كما كان يمكن, أو أن اليونان وقبرص وإسرائيل لم تتخذ القرارات الخاصة بها التي أثارت التوترات في المنطقة. لكن تلك الحُجج ليست ذات صلة بالوضع الحالي؛ فخريطة الطريق التي يتبعها أردوغان من صُنعه, وكذلك أيضًا بذور مشاكله. وردًا على استفزازاته, يجب أن تسلك أوروبا الآن نهجًا متزنًا وحازمًا, نهجًا لا يترك مجالًا للشك في أن قبرص واليونان لديهما حلفاء بجانبهما. هذا سيساعد في منع التصعيد أكثر من أي محاولة لاسترضاء أردوغان بتقديم تنازلات. 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق