فورين أفيرز | هدم الأعمدة.. كيف تخسر الولايات المتحدة مكانتها في منافسة القوى العظمى؟


٠٦ يوليه ٢٠١٩ - ٠٩:١١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



ذكر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن "الولايات المتحدة تواجه وضعًا في العالم يتناقض مباشرة مع الافتراضات التي بُنيت عليها سياساتنا الخارجية"، مضيفًا: "عوضًا عن وجود وحدة وسط القوى العظمى... بات هناك انقسام كامل". واختتم وزير الخارجية حديثه قائلاً: إن الروس كانوا "يفعلون كل ما بوسعهم لتحقيق انهيار كامل". أما الرئيس فدعا لتحرك أحادي الجانب للتصدّي لخصوم الولايات المتحدة. وقال الرئيس أمام الكونغرس: "لو تقاعسنا في زعامتنا... فإننا سنخاطر بالتأكيد برفاهية هذه الأمة".

 لقد صدرت الكلمات السابقة في العام 1947 من جانب "تشيب بوهلين" الخبير في شؤون روسيا، و"جورج سي مارشال" وزير الخارجية، والرئيس "هاري ترومان". لكن هذه الكلمات يجري ترديدها اليوم من جانب إدارة أمريكية جديدة، ما يُنذر بعهد آخر من منافسة القوى العظمى، التي يتدافع فيها الخصوم لكسب النفوذ العالمي. وزعمت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب أنه "بعد أن جرى رفض فكرة المنافسة بين القوى العظمى بوصفها تعود للقرن الماضي، عادت هذه المنافسة من جديد". مع ذلك، فإن استراتيجيتيّ ترومان وترامب مختلفتان كثيرًا. 

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية منذ 71 سنة مضت، ومع انطلاق منافسة جديدة وخطيرة بين القوى العظمى، شعر صُنّاع القرار في الولايات المتحدة بأن هناك حاجة للتدخل في الخارج لحماية أمن الولايات المتحدة وازدهارها. وكان المحور الأساسي لاستراتيجيتهم يتمثل في خلق حلفاء أقوياء ومستقلين وديمقراطيين في غرب أوروبا وآسيا، يكونون قادرين على مقاومة التهديدات والإغراءات الاستبدادية. وبذلك تستطيع الولايات المتحدة حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية من دون الحاجة للاعتماد على جيشها.

 لقد تواصلت تلك الرؤية أثناء الحرب الباردة وما بعدها، في ظل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية - حتى الإدارة الحالية. تخوض إدارة ترامب الآن حربًا مع نفسها حيال معنى شعار الرئيس "أمريكا أولاً" واتساق هذا الشعار مع تلك الرؤية، وستحدد نتيجة هذه الحرب ما إذا كان النظام الليبرالي الذي نشأ بعد الحرب سيبقى، أم سيحل محلة صراع مرتكز على فلسفة توماس هوبز- وهو صراع تكون فيه الولايات المتحدة هي الأولى وسط أطراف متوحشة تتساوى في سعيها لتحقيق مصلحتها الذاتية. المفارقة المأساوية هي أنه في الوقت الذي تعلن فيه الإدارة عن انطلاق عصر جديد من منافسة القوى العظمى، نراها تهدد بالتخلص ونبذ الأدوات التي ساعدت الولايات المتحدة على الانتصار في آخر صراع للقوى العظمى.

شخصيات واقعية صارمة
 بعد مرور بضع سنوات على انتهاء الحرب العالمية الثانية، أنشأت الولايات المتحدة المؤسسات الرئيسية التي ما تزال تحدد النظام العالمي اليوم - وهو نظام لطالما عاد بالخير والسلام على مصالح الولايات المتحدة. إن منظمة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وحلف الأطلسي والمنظمات التي سبق منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي، كلها أُنشئت في الفترة بين 1945 و1949.

 لكن الرئيس ترامب يعتقد أن هذه المؤسسات تمثّل تهديدًا على سيادة الولايات المتحدة. يعتقد ترامب أن منظمة التجارة العالمية "كارثة... وسنعيد التفاوض بشأنها أو ننسحب منها" فيما يعتبر أن نظيرتها الإقليمية "اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية" (نافتا) "هي أسوأ اتفاقية على الإطلاق". أما فيما يتعلق بحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، المنبثقين عن مشروع مارشال، فقد أوضح ترامب أنه يعتبرهما في أفضل الأحوال مؤسستَين قد عفا عليهما الزمن، وفي أسوأ الحالات خطأين تاريخيين. يزعم ترامب أن الاتحاد الأوروبي "أُنشِئ، جزئيًا، لهزيمة الولايات المتحدة في التجارة...أنا حقيقة لا أهتم إذا انهار الاتحاد أو بقي موحّدًا". يعتقد ترامب أن باستطاعته تقليل العجز التجاري - الذي كان تاريخيًّا مرتبطًا بالنمو الأمريكي المرتفع - عبر إعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية بصورة ثنائية مع الشركاء الأصغر حجمًا.

 أما أعضاء الإدارة الذين ضغطوا من أجل الحفاظ على النظام الدولي الراهن، مثل وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني غاري كوهن، فقد وصفهما الخصوم والأصدقاء على حد سواء بأنهما "مؤيدان للنزعة الدولية". غير أن مؤسسي النظام - مثل مارشال وخليفيه وزير الخارجية "دين أكيسون" ونائب وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية "ويل كلايتون"- فقد كانا شخصيتين واقعيتين صارمتين. مارشال نفسه كان العقل العسكري المدبّر العظيم للحرب العالمية الثانية. لم يضحِّ هؤلاء الرجال بثروات أمريكا وسيادتها لخدمة مصالح أجنبية، لكنهم شاركوا في مهمة طموحة لتأسيس نظام بقيادة الولايات المتحدة يرتكز على التفوق الأخلاقي للحكومة الديمقراطية والتبادل الاقتصادي الحر. 

ثمن السلام
كانت خطة مارشال هي استراتيجية ترومان لاستكمال انسحاب ثلاثة ملايين جندي من أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية من دون السماح لأي قوة أوروبية بالهيمنة على منطقة أوراسيا. ويكمن في صميم تلك الخطة إنشاء كونفدرالية أوروبية غربية، مدعومة بمساعدة أمريكية هائلة. 

كان ذلك التدخل هو أول وأهم عنصر في الاستراتيجية الكبرى الجديدة التي تبنّاها مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية "جورج كينان" والهادفة لـ "احتواء" الاتحاد السوفيتي عبر دعم الرأسمالية الديمقراطية غرب الستار الحديدي. لولا تلك المساعدات لواجهت فرنسا وإيطاليا تحديدًا أعمال عنف عمّالية واضطرابات سياسية مدعومة من الشيوعيين. حذرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي أُنشئت حديثًا عام 1947 من "احتمال وقوع انهيار اقتصادي في غرب أوروبا، وما يترتب على ذلك من وصول الشيوعيين للسلطة".

 من أجل حماية مصالح الولايات المتحدة الحيوية واستمرارية وصولها إلى أهم الأسواق الصناعية في العالم، ومن أجل منع الهيمنة السوفيتية على الممرات البحرية الحيوية ما قد يهدد أمن الولايات المتحدة، جعلت الولايات المتحدة من إنشاء حلفاء مستقلين وأقوياء الهدف الرئيسي في سياستها الخارجية. إن الاستراتيجية البديلة المتمثلة في إرسال ملايين الجنود مرة أخرى إلى أوروبا كانت ستكلف الولايات المتحدة أثمانًا باهظة، اقتصاديًا وسياسيًا. رأى ترومان أن الحكمة تقتضي "إنفاق عشرين أو ثلاثين مليار دولار" على مدار أربع سنوات "للحفاظ على السلام" عوضًا عن إنفاق أضعاف ذلك المبلغ سنويًا في حرب أخرى. في النهاية، بلغت فاتورة المساعدة 13.2 مليار دولار فقط (135 مليار دولار اليوم). لقد كانت أموالاً حسن إنفاقها. 

غير أن أهم عنصر في خطة مارشال لم يكن المال، بل الاندماج الأوروبي. خلافًا لرواية ترامب التاريخية، فإن المخطّط الأولي للاتحاد الاقتصادي الأوروبي جاء من وزارة الخارجية الأمريكية (السيد ويل كلايتون تحديدًا)، وليس من أوروبيين يسعون لاستغلال الولايات المتحدة في التجارة. كان هناك هدفان من وراء الترويج لفكرة الاندماج الأوروبي: ضمان عدم إهدار المساعدات عبر تكرار الأنشطة الاقتصادية (مثل إنتاج الصلب) في دول أوروبا، ومساعدة ألمانيا الغربية على الاكتفاء ذاتيًّا بأسرع وقت ممكن عبر تعزيز التجارة مع جيرانها. 

حقّقت تلك الخطة نجاحًا ساحقًا. فهي لم تُسفر فقط عن عصر ذهبي للنمو الاقتصادي للولايات المتحدة والمستفيدين منها، لكنها أسفرت أيضًا عن نشأة تعاون أطلسي دائم. كتب عضو مجلس الشيوخ "هينري كابوت لودج" بصورة استشرافية عام 1948 أن "المساعدات التي نقدمها الآن وفي السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة ستجعل لنا على المدى الطويل أصدقاءً أقوياء في الخارج". بحلول عام 1989، وبعد أربعين عامًا على تأسيس حلف الناتو وإصرار "أكيسون" على ضرورة امتلاك واشنطن لحلفاء، وليس نظراء أطلسيين محايدين، كانت تحالفات الولايات المتحدة صامدة كما هي، بينما انهارت تحالفات موسكو. 

ميزة امتلاك حلفاء 
كان وزير الدفاع السابق "ماتيس" سيشعر بالانسجام لو كان عضوًا في إدارة يوجد بها أمثال الوزيرين مارشال وأكيسون. فقد عارض ماتيس باستمرار دعوات ترامب لتخفيض الميزانية الدبلوماسية. وحذر ماتيس ذات مرة "إذا لم يتم تمويل وزارة الخارجية بشكل كامل، فإنني سأكون مضطرًا لشراء المزيد من الذخائر". إن رأي ماتيس ينسجم تمامًا مع آراء مؤسسي النظام الدولي منذ سبعين عامًا مضت. أخبر "كينث رويال"، وزير الدفاع في عهد ترومان، الكونغرس أنه سيحتاج لـ 160 ألف جندي و2.25 مليار دولار إضافية لتعزيز الميزانية العسكرية (تعادل 26 مليار دولار في الوقت الراهن) - ما يمثل زيادة قدرها 20 بالمائة - في حال فشل الكونغرس في الموافقة على مساعدات مارشال لأوروبا.

إن استراتيجية الأمن القومي الجديدة للبيت الأبيض بعنوان: "أمريكا أولاً" هي عبارة عن مزيج غير مريح من آراء مارشال وأكيسون وترومان، والرؤية التي روّج لها ترامب أثناء الحملة الانتخابية. فمن جهة، تتضمن تلك الاستراتيجية إشارات عديدة لأهمية التحالفات، وتشيد بالنجاحات التي حققتها دبلوماسية القرن العشرين، من بينها وضع خطة مارشال. لكن من جهة أخرى، تذكر هذه الاستراتيجية أن "وضع مصالح أمريكا أولاً هو واجب على الحكومة، وهو أساس للزعامة الأمريكية". وأعربت الاستراتيجية عن أسفها لاستغلال الآخرين لـ "المؤسسات الدولية التي ساعدنا في بنائها". وبينما تفتقر هذه الوثيقة الاستراتيجية للتفاصيل، فإنها تعكس حالة انفصام في السلطة التنفيذية تحتاج لمعالجة. 

لقد تأسّس النظام العالمي السائد اليوم على تفاهم مفاده أن امتلاك حلفاء - بعكس امتلاك مستعمرات أو دول تابعة - يعني بالضرورة الدخول باستمرار في تسويات مع أطراف أخرى ذات سيادة. يجب على الولايات المتحدة أن تقرّر الآن ما إذا كانت هذه التسويات مجدية للحفاظ على هذا النظام، أم ينبغي عليها بدلاً من ذلك التصارع مع الصين وروسيا لكسب تعاطف مؤقت من الدول والتكتلات الأخرى. 




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق