المجلس الروسي|الوعي بالمنطقة.. لماذا تنجح سياسات روسيا في الشرق الأوسط بينما تُخفق الولايات المتحدة؟


٢٥ يوليه ٢٠١٩ - ٠٦:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



 يمكن أن تُعد السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط  أحد أهم الإنجازات التي حققها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في السنوات الأخيرة. بفضل الاستثمارات المادية الصغيرة نسبيًا والحد الأدنى من الخسائر القتالية، فقد تمكنت موسكو من تحويل نفسها من عدد زائد غير الملاحظ على الساحة في الشرق الأوسط إلى إحدى الجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة، والتي من دونها لا يمكن حل أية قضية رئيسة في الأمن الإقليمي اليوم. فالنجاحات الروسية أكثر إثارة للإعجاب إذا ما قورنت نتائج العملية الروسية في سوريا بنتائج تدخل الولايات المتحدة وحلفائها في العراق عام 2003.

وتتطلب الإنجازات الروسية في المنطقة بعض التفسير. حيث يعتقد بعض المراقبين أن انتصارات موسكو مرتبطة بحقيقة أنه بعد تدخل الولايات المتحدة غير الناجح في العراق، أحجمت الولايات المتحدة جوهريًّا عن أي تدخل جديد في المنطقة خلال فترة حكم أوباما، تاركة وراءها فراغ جغرافي سياسي، والذي ملأته روسيا فورًا بأبسط التكاليف.

وهناك تفسير آخر يعود إلى حقيقة أن الكرملين قد تغلب على منافسيه الغربيين بسبب مستوى أعلى من مشورة الخبراء فيما يتعلق بسياسته في الشرق الأوسط. وعلى عكس الاستراتيجيين الأمريكيين، تواصل القيادة الروسية الاعتماد على مجتمع من المستشرقين شديدي الاحترافية ممن يعرفون المنطقة ويفهمونها جيدًا.

أما التفسير الثالث فهو أن ميزة بوتين الرئيسية تمثلت في اتساق واستقرار سياساته في المنطقة، وهي السياسات التي أكسبت روسيا احترامها ليس فقط من شركاء موسكو في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا من خصومها هناك. وعلى النقيض من ذلك، فقدت الدول الغربية، التي غيّرت مواقفها غالبًا عبر تطور الدراما الشرق أوسطية، مصداقيتها إلى حد كبير مع الزعماء والنخب السياسية في المنطقة.

بينما يعزو تفسير آخر نجاحات موسكو إلى أن روسيا – على النقيض من اللاعبين الدوليين الآخرين ذوي النفوذ –  تمكنت من الحفاظ على علاقات بنّاءة مع جميع أطراف نزاع الشرق الأوسط تقريبًا، مع الإسرائيليين والفلسطينيين، والسنة والشيعة، والأتراك والأكراد، ومع إيران والممالك العربية في الخليج العربي. وعلى الأرجح، فخصوصية وضع روسيا في المنطقة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالوضع الهامشي في البداية في الشرق الأوسط (في سياق مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي): فقد كانت روسيا – قبل بداية "الربيع العربي"– على عكس الولايات المتحدة، غير مثقلة بالأُطر الصلبة للعلاقات الوثيقة مع القوى الإقليمية الفردية. لذلك أصبحت موسكو الآن أكثر ملاءمة للعب دور "الوسيط النزيه" في المنطقة من واشنطن.

ومن ثم، ففيما يتعلق بالانخراط الفعلي في شئون الشرق الأوسط، تظل الميزة النسبية لروسيا هشة، وهو أمر واضح بشكل خاص في سوريا، حيث أصبح الحفاظ على التوازن "الداخلي السوري" الكثيف أمرًا صعبًا على بصورة متزايدة. وعلاوة على ذلك، فمع الهزيمة العسكرية لداعش، اختفى عدو مشترك للعديد من اللاعبين على المسرح السوري. كذلك فقد أصبح بشار الأسد قاسيًا ومتصلب الرأي في حواره مع المعارضة السورية، مطالبًا بالاستسلام غير المشروط. أما إيران، بعد أن وطدت أقدامها في الأراضي السورية، أصبحت هي أيضًا أقل ميلًا إلى التسوية مع خصومها. ومن جانبها، تقوم إسرائيل، خوفًا من الوجود الإيراني المتزايد ودعمها لحزب الله، والاعتماد على الدعم غير المشروط من إدارة ترامب، بتوسيع عملياتها الجوية في المجال الجوي السوري. أما تركيا فهي في عجلة من أمرها لتعزيز نجاحاتها وبسط نفوذها في غرب سوريا وشمالها، ما يخلق منطقة عازلة على الحدود السورية التركية. بينما يشعر الأكراد السوريون بالتوتر، وينتظرون خيانة أخرى من حلفائهم وشركائهم التكتيكيين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل موسكو قادرة على الحفاظ على الوضع الراهن في سوريا - وفي المنطقة ككل - على المدى الطويل، حتى لو كان هذا الوضع في مصلحة روسيا؟ 

في وقت كتابة هذا التقرير، قد يبدو لك غير مرجح؛ ليس فقط على المدى الطويل، ولكن حتى على المدى المتوسط، وهذا يعني أنه يجب على موسكو البحث عن حلول لمشاكل الشرق الأوسط التي من شأنها أن تسمح لروسيا بتحويل نجاحاتها العسكرية الحالية إلى نفوذ سياسي أكثر استدامة – حتى لو كانت المنافسة أكثر احتدامًا – في المنطقة.

ويتمثل الموقف الرسمي لموسكو في أن أفضل حل لتحديات الشرق الأوسط هو إنشاء نظام أمن جماعي إقليمي شامل. سيكون مثل هذا النظام بمثابة نسخة شرق أوسطية من عملية هلسنكي الأوروبية في السبعينيات، بدعم نشط من مجلس الأمن الدولي وتشكيل نظير إقليمي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE). ربما يكون هذا النموذج –  رغم أنه غير ممكن في المستقبل المنظور – بمثابة حل للمشاكل الأمنية في المنطقة، ومع ذلك فمن الجدير بالذكر أنه في أوروبا نفسها، لم يمنع هذا النموذج حدوث الأزمة الأوكرانية عام 2014.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق