ذى أتلانتيك | انتصار التنين .. ما هي نتيجة اندلاع حرب بين الصين والولايات المتحدة؟


٢٩ يوليه ٢٠١٩ - ٠٥:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
 


لو اندلعت حرب بين الولايات المتحدة والصين، فسيكون الصدام بين أقوى جيشين في العالم مريعًا. ومن الممكن جدًّا أن تخسر الولايات المتحدة هذه الحرب.

يثير هذا الأمر قلقًا وسط المسؤولين الدفاعيين الحاليين والسابقين والمحللين العسكريين، الذين قال أحدهم لموقع Breaking Defense في مطلع هذا العام: إنه خلال مباريات حربية تحاكي صراعًا بين القوى العظمى تقاتل فيه الولايات المتحدة ضد الصين وروسيا، "تلقت الولايات المتحدة هزيمة قاسية". 

وفي حديث ألقاه في منتدى "أسبين للأمن" Aspen Security Forum)) الأسبوع الماضي، وصف الأدميرال "فيليب ديفيدسون"، الذي يشرف على القوات العسكرية الامريكية في آسيا، الصين بأنها "أكبر تهديد استراتيجي طويل الأجل على الولايات المتحدة والنظام الدولي القائم على القواعد". تحدث الأدميرال عن التعزيزات العسكرية الصينية في كل المجالات تقريبًا- جوًا وبحرًا وبرًا، وفي المجالين الفضائي والسيبراني- وقال إنه بالرغم من أن قدرات الصين لا تفوق قدرات الولايات المتحدة في المنطقة الآن، غير أنها قد تتفوق على قدرات واشنطن في السنوات الخمس المقبلة، لكن العدد الكبير للسفن والصواريخ والطائرات والسكان، لا يروي القصة بأكملها؛ حيث إن ما يَمنح الصين أفضلية الآن هي الجغرافيا.

لم تنجح استراتيجية إدارة أوباما السيئة المعروفة باسم "التمحور نحو آسيا" في منع تعاظم قوة الصين العسكرية والاقتصادية في المنطقة، إذ بنت الصين جزرًا اصطناعية، وأدمجت نفسها في مشاريع بنى تحتية مهمة، واستثمرت في جيشها. في غضون ذلك، شكّك الرئيس ترامب في إمكانية دفاع الولايات المتحدة عن حلفائها في المحيط الهادئ، مثل اليابان، شاكيًا من التكاليف. (ذكر الأدميرال دفيدسون في منتدى "أسبين" أن "اليابان هي أهم حليف للولايات المتحدة في العالم")

وتبقى الآن عدة تساؤلات: ما السبب الذي قد يدفع الولايات المتحدة لمحاربة الصين؟ ماذا لو غزت الصين تايوان واحتلتها، وهي شريك ديمقراطي للولايات المتحدة ومشترٍ للأسلحة الأمريكية؟ هل تخاطر الولايات المتحدة بالدخول في حرب عالمية ثالثة؟ ماذا لو استولت الصين على جزر "سينكاكو"، التي تعتبرها الولايات المتحدة تابعة لليابان؟ هل يقع هذا ضمن التزامات أمريكا التعاهدية بالدفاع عن حليفتها؟

ولا شك أنه ما من ضامن أن رئيسًا أمريكيًّا، لا سيما ترامب، سيلجأ للحرب في كلتا الحالتين، وتلك بعض السيناريوهات التي درسها منفذو المباريات الحربية في "مؤسسة راند" لمعرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستمنع الصين من الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وليس واضحًا ما إذا كانت أمريكا ستستطيع فعل ذلك.

الأمر اللافت أن سيناريوهات الحرب الأمريكية - الصينية الأكثر ترجيحًا تقع في آسيا- هذا لا يعني أن "الانتصار" الصيني سيؤدي لسيطرة الحزب الشيوعي على واشنطن، لكن يعني أن الولايات المتحدة لن تستطيع طرد الصين من الأراضي التي تزعم اليابان أو تايوان ملكيتها،  وفي محاولة منها لفعل ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تهاجم القوات الصينية من الجو أو البحر. وتكمن المشكلة في أن الصين قضت السنوات العشرين الماضية وهي تستعد لهذا النوع من الصراع، مستفيدة من ملاحظات بشأن طريقة قتال الولايات المتحدة في حرب الخليج في التسعينيات، حيث استثمرت الصين في بناء دفاعات يمكنها إحباط أي هجوم أمريكي بطرية عنيفة. 

والآن تمتلك الصين صواريخ يمكنها إغراق سفن، كما أن لديها صواريخ يمكنها إسقاط طائرات، فضلًا عن أنها تمتلك صواريخ يمكنها نظريًّا الوصول للقواعد الأمريكية الإقليمية في اليابان وغوام، ما يجعل الطائرات ومدارجها عرضة للهجوم. وتقول ورقة بحثية لمؤسسة راند إن "العديد من المراقبين الصينيين يشيرون إلى أن الضربات الصاروخية على القواعد الجوية ستكون جزءًا من الهجمات الافتتاحية للحرب". ووفقًا لمؤسسة راند، فإن إغلاق هذه القواعد، حتى ولو كان لبضعة أيام، قد يكون كافيًا لتغيير مسار الحرب.

يُخبرني "ديفيد أوشمانيك"، وهو كبير باحثين في الشؤون الدولية والدفاعية في مؤسسة راند، أن "الصينيين ليس عليهم هزيمة الولايات المتحدة عسكريًّا بشكل كامل من أجل تحقيق أهدافهم قريبة المدى". ويستكمل "أوشمانيك" حديثه قائلًا إنه "لو كان هدفهم هو السيطرة على تايوان، فهذا  يمكن تحقيقه في فترة زمنية محدودة، في غضون أيام أو أسابيع".

وقد شارك السيد "أوشمانيك" في مباريات مؤسسة راند الحربية التي أظهرت هزيمة الولايات المتحدة. ويتابع "أوشامانيك" قائلا: "هم لن يكتفوا فقط بمهاجمة القواعد الجوية في المنطقة، بل سيهاجمون حاملات الطائرات في البحر أيضًا". ويستطرد بالقول: "سيهاجمون مجسّاتنا في الفضاء، وسيهاجمون وصلات اتصالاتنا التي تمر لحد بعيد عبر الفضاء، وسيعطّلون قواعد البيانات في أنظمة قيادتنا، وسيحاولون قدر استطاعتهم إعاقتنا في كل النواحي"، هم بالطبع سيحاولون، لكن الجدير بالذكر أيضًا أن العديد من هذه القدرات غير مُختبرة، وأن الصين، خلافًا للولايات المتحدة، لا تمتلك خبرة كبيرة في استخدام أسلحتها في القتال. 

غير أن تنامي القدرات الصينية يمثّل تغيرًا كبيرًا مقارنةً بما كان عليه الوضع منذ عشرين عامًا، عندما أرسل الرئيس "بيل كلينتون" حاملات طائرات بالقرب من مضيق تايوان لردع التهديدات الصينية ضد تلك الجزيرة. كانت الصين حينها تطلق صواريخ باتجاه تايوان، لكن مخزونها الصاروخي كان أقل قدرة ودقة بكثير. وفي حديث منفصل في منتدى "أسبين للأمن"، قال "كريس بروز"، المدير السابق للموظفين في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إنه "عندما أرسل الرئيس كلينتون تلك الحاملة، لم يستطع الصينيون حتى إيجادها"، وتابع "بروز": "لقد قضوا 25 عامًا لمعرفة ليس فقط كيفية اكتشاف هذا النوع من الأنظمة، ولكن أيضًا كيفية القضاء عليها بواسطة كميات كبيرة للغاية من الأسلحة الدقيقة".

يقول "بروز" إنه لو نشرت الولايات المتحدة حاملة طائرات بالقرب من المضيق مع وجود احتمال حقيقي لنشوب صراع، "فإنني، مع وضع الأمر بهذه الطريقة، لن أرغب في أن أكون على متن هذه الحاملة". 

في الوقت الراهن، تتصدّى الولايات المتحدة للصين بطريقة مدروسة تبعث من خلالها رسالة امتعاض للصين، لكنها لا تثير رد فعل عدواني من بكين. زادت الولايات المتحدة من وتيرة إرسال سفن بحرية عبر المضيق، بالإضافة إلى تدريباتها العسكرية الهادفة لضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

 وقد أجرت فرنسا وبريطانيا أيضًا تدريبات مماثلة، كما تتنافس الولايات المتحدة مع الصين أو تواجهها خارج المجال العسكري، عبر فرض رسوم جمركية كبيرة على الواردات الصينية سعيًا للتوصل لاتفاق تجاري، وعبر منع شركة "هواوي" الصينية للاتصالات من العمل داخل الولايات المتحدة، بيد أن واشنطن كانت أقل صرامة في الضغط على الصين في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، من بينها اعتقال الصين للإيغور المسلمين في معسكرات جماعية، ودعمها لقمع المتظاهرين في هونغ كونغ. 
 
تعرف الولايات المتحدة الكثير بشأن قدرات الصين، لكن معرفة نواياها هي مسألة أخرى، ويشير "جون ماكلوكلين"، المدير السابق بالإنابة لوكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي آيه"، والذي يُدرِّس الآن في جامعة جونز هوبنيكنز، إلى أن المسؤولين الصينيين قالوا إنهم يهدفون لأن يكونوا قوة عالمية، لكن ما يعنيه هذا حقًّا ليس واضحًا. هل يحاولون بناء حزام دفاعي عازل حول حدودنا؟ تفعل الكثير من الدول هذا الأمر. أم أنهم يُضمرون نيّة أكثر شرًا؟ وقد أخبرني "ماكلوكلين" أنه "عندما أنظر إلى العالم، فإنه يمكنني القول إن هناك دولاً بعينها تُعادينا بوضوح" مثل كوريا الشمالية وإيران. ويستطر قائلاً "أما الصين فلا تزال تمثّل غموضًا هائلاً".

ومنذ قرابة عقد مضى، حذر وزير الدفاع الأمريكي حينها "روبيرت جيتس" من مخاطر اندلاع حرب "مُكلّفة"، وذكر أن أي وزير دفاع ينصح بإرسال قوات برية إلى آسيا (أو الشرق الأوسط أو إفريقيا) ينبغي أن "تُفحص قدراته العقلية". لقد زادت التكاليف المحتملة لهذا الصراع منذ ذلك الوقت، وزاد معها إحجام القائد الأعلى للقوات المسلحة عن التورّط في صراعات خارجية مُكلّفة، وفيما يتعلق بالديمقراطيين الساعين للحلول محل ترامب في البيت الأبيض، فقد ذكر العديد من المرشحين الديمقراطيين لانتخابات 2020 الرئاسية، الصين باعتبارها تهديدًا رئيسيًا للأمن القومي؛ ما يُبرز وجود حالة توافق حزبي حول هذه المسألة في واشنطن. 

وثمة حالة عدم يقين أخرى: المباريات الحربية شيء والحقيقة شيء آخر؛ فالأمور غير الملموسة يمكن أن تؤثر في نتيجة الحرب. يقول "ماكلوكلين": "لم يخض الصينيون حروبًا كثيرة؛ لذا فإن أداءهم الفعلي، إلى حدٍّ ما، لم يُعرف بعد، ونأمل ألا نضطر لمعرفته".   

 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق