المركز الفرنسي لمكافحة الإرهاب| أنشطة الاستخبارات للتنظيمات الإرهابية.. داعش نموذجًا


٠١ أغسطس ٢٠١٩ - ٠١:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية

المصدر: المركز الفرنسي للبحوث ومكافحة الإرهاب والتطرف

كتب - إسلام إبراهيم حسين
باحث ماجستير بالعلاقات السياسية الدولية - متخصص بالدراسات الأمنية والمستقبلية

لم تعد التنظيمات الإرهابية تتطور من النواحي العقائدية والأيديولوجية فقط، بل أصبح الأمر يرتبط أكثر بالنواحي الهيكلية والتكتيكية، فلا يزال تنظيم داعش الإرهابي يمتلك عددا من نقاط القوة، محاولاً العودة من جديد للمساحات التي كان يشغلها قبل هزيمته بسوريا والعراق، من خلال أذرعه الإعلامية النشطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الشبكة الدولية، ومن خلال أنشطته الاستخباراتية؛ تأسيسا على امتلاكه جهازا استخباراتيا متخصصا؛ وعلى ذلك سنتناول في هذه الدراسة الأنشطة الاستخباراتية لداعش على مرحلتين هما: النشأة والتطور من حيث الأهداف وطريقة عمل الجهاز الاستخباراتي الداعشي وقادته، ثم الانتقال إلى مرحلة داعش ما بعد الهزيمة ومدى اعتماده على عناصره الاستخباراتية بالوقت الراهن.

أولا: النشأة والتطور:

على الصعيد الأمني، يشغّل تنظيم داعش جهاز استخبارات لا مثيل له بين التنظيمات الإرهابية في العالم، حيث ينفّذ مجموعة متنوعة من العمليات، بشكل مماثل لأجهزة الاستخبارات التابعة للدول حول العالم، ومن الملاحظ أن تنظيم داعش قد عَمِلَ على تنفيذ مخططاته من خلال استغلال الثغرات الأمنية، وإخفاقات الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية - الأمنية والشُرطية؛ مما وضعها أمام تحدٍ كبير، فكان لِزامًا على المتصدين لـداعش أن يحاولوا الوقوف على حقيقة جهاز داعش الاستخباراتي وطبيعته وتوقيت إنشاء هذا الجهاز، ومن يقف وراءه من القيادات؛ نتيجة غموض طبيعة هذا الجهاز للغاية، التي ظلَّت محض تصورات، حتى سارعت أجهزة الاستخبارات العالمية، لا سيما الأوروبية؛ للبحث عن طبيعية هذا الجهاز، عبر أجهزتها السِرية، ومن خلال استجواب المقاتلين العائدين أو الفارين من صفوف داعش أو المنشقين عنه، خصوصا الذين تقلدوا مناصب رفيعة داخل هذا التنظيم، وهم كُثُر؛ من أجل جمع المعلومات والدلائل والقرائن حول هذا التنظيم الإرهابي ومُناصريه، وعناصره الذين تمكنوا من التسلل إلى التراب الأوروبي، وإحباط العمليات الإرهابية قبل وقوعها.

وقد حرصت أجهزة الاستخبارات الفرنسية بشكل خاص على تقصي حقيقة جهاز داعش الاستخباراتي؛ نظرا لتعرّض دولتها للنصيب الأكبر من هجمات داعش على القارة الأوروبية، وهو ما تجلى في  كتاب "جواسيس الرعب" للصحفي الفرنسي المتخصص في الجماعات الإرهابية "ماتيو سوك"، والذي قام بتجميع ثمرة عمله في هذا الكتاب بعدما أطلع على ملفات قضايا العائدين من داعش أو ذات الصلة خلال الأعوام الأخيرة، والوثائق التي نُشِرَت في هذا الصدد، ومن خلال إجراء مقابلات مع قضاة وخبراء ورجال شرطة وعملاء للمخابرات.

1- الاسم والقادة:

يعد جهاز الاستخبارات لدى داعش، هو أحد الوحدات السرية التي تُشكِّل الهيكل التنظيمي لتنظيم الدولة، وكان نواة هذا الجهاز هم المؤسسون الفعليون من قادة التنظيم، كما أشارت شهادات الفارين من داعش إلى أنّ اسم جهاز الاستخبارات السِري لداعش هو "أمنيّات" " L'Amniyat"، وأن هذا الجهاز هو الذي خطط من مدينة الرِقة، معقل التنظيم في سوريا، لجزء كبير من الهجمات الإرهابية التي ضربت القارة الأوروبية، لا سيما في فرنسا وبلجيكا، ورغم أنه من الصعب تحديد الشخص الذي يقف وراء إدارة هذا الجهاز، لكن هناك شخصيتان تفرضان نفسهما وهما: "عبد الحميد أباعود" الملقب بـ "أبي عمر"، الذي كان العقل المدبر لهجمات باريس وبروكسل.

من المنطقي جدًا أن يكون تنظيم داعش قد وضع منذ نشأته نواة لجهاز استخباراتي سِري وفعّال، إذ يعود تاريخ إنشاء هذا الجهاز إلى أغسطس 2014، أي بعد أشهر قليلة من إعلان الخلافة على لسان "أبو بكر البغدادي"، وكانت فكرة إنشاء هذا الجهاز من قِبَلِ "عبدالناصر بن يوسف"، وهو جزائري الأصل نشأ في فرنسا، وكان قائدًا لـكتيبة من مقاتلي داعش في سوريا، وكان من بين أفرادها "عبد الحميد أباعود"، ثم ذهبت قيادة هذا الجهاز الاستخباراتي إلى البلجيكي "أسامة العطار"، الذي وُصِفَ فيما بعد بأحد الرُعاة الرئيسيين لهجمات باريس الدامية، التي وقعت في 13 نوفمبر عام 2015.

يعد داعش أكثر التنظيمات اعتمادًا على الأمن والاستخبارات حتى وصف بشراسته الاستخبارية، وتميزه عن غيره من الجماعات والتنظيمات المقابلة له، من ناحية امتلاكه جهازًا استخباراتيًّا قويًّا ذا خبرات أمنيّة وتجربة طويلة حصل عليها من ضبّاط المخابرات والاستخبارات الذين عملوا في صفوفه، إذ يمكن القول بأن قوّته تكمن في الخبرة الأمنية الكبيرة التي يمتلكها عناصر التنظيم، الذين كانوا في الماضي ضباط استخبارات في النظام العراقي، وتعود نشأة التنظيم في جزءٍ كبيرٍ منها إلى جهود "حِجي بكر"، الذي يعد المؤسس الرئيسي لهذا الجهاز، وهو الشخص الذي أصر على ضرورة إنشاء جهاز استخباراتي لفرض السيطرة على المزيد من الأراضي، وهو العضو السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية لصدام حسين، والعقيد السابق في مخابرات القوات الجوية العراقية في عهد صدام العقيد سمير عبد محمد الخليفاوي الملقب بـ"حِجي بكر"، وقد انضم عام 2004 إلى التنظيم، وساعد بفعالية في وضع أبي بكر البغدادي على رأس الهرم، وقد رحل بكر إلى سوريا في عام 2012 حيث كان مسؤولًا عن تولي السلطة في الأماكن التي سيطر عليها التنظيم حتى قتل هناك خلال تبادل لإطلاق النيران عام 2014.

لم يكن بكر هو العسكري السابق وحده في قيادة التنظيم بل كان معه عددٌ كبيرٌ من ضباط المخابرات العسكرية السابقين من ذوي الرتب العالية ممن يقبعون فوق رأس القيادات في التنظيم وضباط من الحرس الجمهوري المنحل وقادة في الجيش العراقي، من بين هؤلاء: وليد جاسم، المعروف باسم "أبو أحمد العلواني"، الذي كان نقيبًا في المخابرات في عهد صدام، وفاضل الحيالي، المعروف باسم "أبو مسلم التركماني" ويعتقد البعض أنه كان نائبًا لأبي بكر البغدادي إلى أن قُتل في ضربة جوية عام 2015، ومن بين هؤلاء "إياد حامد الجميلي"، الذي كان ضابطًا كبيرًا في جهاز المخابرات السابق في عهد صدام، وهو من أهالي الفلوجة، وهو الملقب باسم "أبو يحيى"، وقد استندت إليه مهمة وزارة الحرب في التنظيم، وكان الجميلي هو المنسق العام للولايات في العراق حسب خارطة داعش، وكان المشرف على الملفات الأمنية والتحقيقات، وهو من باشر الإعدامات التي ارتكبها التنظيم، وكان يعرف في التنظيم على أنه وزير الحرب، وقد قتل في ضربة جوية استهدفت مقر قادة داعش في بلدة القائم غربي الأنبار بناء على معلومات استخباراتية في أول أبريل عام 2017.

الأهداف

بداية جاءت فِكرة إنشاء جهاز "أمنيات" مع ميلاد التنظيم لخدمة أهداف محددة؛ هي حرص مؤسّسي التنظيم على حمايته من الاختراق، وتجنب تسلل العملاء، سواءً من قِبَلِ جواسيس أجهزة الاستخبارات الأجنبية وسط المقاتلين في سوريا، أو جواسيس التنظيمات الإرهابية التي تنشط في المنطقة التي نشأ بها، أو من قِبَلِ الحكومة التي كانت تفرض سيطرتها على تلك المنطقة، وإحكام السيطرة لمنع تسريب أيَّ معلومات عن التنظيم؛ وكان لِزامًا على هذا الجهاز التوسّع والتمدد  ليُلبي احتياجات نمو وتطوّر التنظيم عموما؛ للعمل على مجموعة من الأهداف الرئيسية المتمثلة في: وضع قواعد منظِّمة له، وفرز النشطاء والعسكريين الذين يسعون للانضمام إلى صفوفه، والعمل على استطلاع البيئة الخِصبة الحاضنة له لجذب مؤيدين محليين، وتوفير الموارد المالية اللازمة لعملياته، والعمل على نشر فِكره وأيديولوجيته على المستوى الدولي؛ لجذب مؤيدين من مختلف الجنسيات، واكتساب طابع مختلف عن التنظيمات المتطرفة الأخرى، والتخطيط لهجمات إرهابية مُنظمة ومُوجَّهة لإرهاب الدول والمؤسسات الدولية .

 ليس ذلك فحسب بل إن أحد الأهداف الأساسية للجهاز الاستخباراتي الداعشي هي متابعة وتحديد المعارضين؛ من أجل تصفيتهم الفورية ومن أجل منع اختراق الجواسيس لصفوف التنظيم، كما يستهدف بشكل أساسي رؤساء القبائل الذين تعاونوا في الماضي مع الحكومة، ورجال الدين المعارضين لتطرّف التنظيم وكل شخص يشتبه في أنّه نقل معلومات أمنية لجهات حكومية، وتعتمد داعش عمليات التصفية هذه منذ سنوات، وقد تزايدت مؤخرا بسبب العمليات العسكرية المكثّفة للتحالف العالمي ضدها.

3- طريقة عمل الجهاز داخليا:

من خلال الكشف عن مئات الصفحات من الوثائق، يتضح أن تنظيم داعش قد تبنى خططًا تقنية محكمة ونظامًا بالغ التعقيد، اعتمد بشكل واسع على عمليات التجسس والمراقبة، من خلال اتباع تصميمات تعود إلى «حجي بكر»، الذي يعد العقل الاستراتيجي لداعش، إذ وضع استراتيجية التنظيم في السيطرة على أجزاء من سوريا، وقد تضمنت الخطط التخفي بالعمل تحت مظلة «مكتب للدعوة الإسلامية»؛ عبر إرسال جواسيس متنكرين في هيئة دعاة إسلاميين في البلدات والقرى في شمال سوريا؛ من أجل معرفة ميزان القوى ونقاط الضعف في الأماكن المعنية، وفي الخطوة التالية تأتي العمليات المسلحة من خلال وحدات وخلايا نائمة أنشئت خصيصًا للمواجهة المحتملة مبكرًا.

كما كانت الخطة تقضي منذ البداية بعمل أجهزة المخابرات بشكل متوازٍ مع بعضها البعض حتى على مستوى المحافظات، إذ يترأس قسم المخابرات العامة أميرًا للأمن يشرف بدوره على نوابه في المقاطعات المختلفة، ويتلقى هؤلاء النواب تقارير من رؤساء الخلايا الجاسوسية ومدراء المعلومات الاستخباراتية لكل مقاطعة، كما يتلقى نائب الأمير تقارير أيضًا من أفراد الخلايا التجسسية على المستوى المحلي، فالهدف كان أن يراقب الجميع بعضهم. ويترأس أمير المقاطعة كذلك مدربي القضاة الشرعيين لتقصي المعلومات بينما يتولى الأمير المحلي مهمة الإشراف على قسم منفصل «لضباط الأمن».

بشكل عام وأساسي، تقوم استخبارات التنظيمات على مكافحة التجسس والاختراق، وقد بدأ داعش بعمليات متقدمة لمكافحة التجسس التي تم عن طريقها اعتقال الجواسيس وإعدامهم، وكانت قوة الأمن الداخلي هي المسؤول الرئيسي عن حملة استئصال المخترقين والكشف عنهم، وهي تتشكل من الأعضاء الأكثر خبرةً والأكثر التزامًا في التنظيم، وغالبًا ما تكون عملية اختيار هؤلاء صعبة، فعلى سبيل المثال، كان ضم المسلحين من مجموعة إلى مجموعة أخرى أمرًا عاديًّا، ولكن لا يتم اختيار قوات الأمن الداخلي إلا من الأشخاص الذين لم يسبق لهم أن قاتلوا في صفوف جماعة أخرى حرصًا وتأكيدًا على الولاءات.

وكان لأفراد الأمن الداخلي حرية كبيرة في التنقل على خلاف غيرهم من المقاتلين، وبما أن داعش تتخوف كثيرًا من عمليات التسلل إلى صفوفها، كانت تستخدم عناصر استخبارية سرية للمراقبة وجمع المعلومات بشكل مستمر، وبالنسبة للمقاتلين الأجانب كانت تبدأ هذه المراقبة حتى قبل وصولهم إلى مناطق في سوريا والعراق، وكذلك أي شخص كان يتهم بالتجسس كان يتم إرساله إلى سجن الأمن داخلي، كما كان يعدم معظم الذين ثبت تورطهم في أعمال التجسس لصالح جهات أخرى.

إنّ مفهوم الأمن الداخلي كان مستقراً في أذهان تنظيم القاعدة منذ تأسيسه، وعلى نفس المنوال، أعلن ما سمي تنظيم دولة العراق الإسلامية عام 2007 تشكيل تشكيل وزارة للأمن العام من بين وزارته، وصولا إلى أن أسّس تنظيم داعش عدداً من الدواوين من بينها ما يعرف بـديوان أو ادارة الأمن العام، كجزء من إعلانه للخلافة المزعومة عام 2014، والتي تعد أكثر مراحل الحكم الجهادي تطوراً منذ نشأة التنظيمات الإرهابية، وقسّم التنظيم أماكن سيطرته إلى ولايات مكانية، وكل ولاية يرأسها محافظ أو والٍ، فضلا عن وجود فرع يطلق عليه "الأمن الوقائي"، يناط به تجنيد أي شخص تجد فيه الدولة/التنظيم إمكانيات تحصل منه على المعلومات، وكذلك مكافحة التجسس بكشف أي عميل تم تجنيده من قبل أي من الأجهزة الاستخباراتية، وهذه التهمة قد تودي بحياة أي من عناصر الدولة مهما كان انتماؤه التنظيمي وولاؤه للخليفة.
أما ديوان إدارة الاستخبارات بالوحدة الإدارية، فيوكل إليه الاتصال التنظيمي بأمير المركز، وتعيين وظيفة المسؤول عن الوحدة الإدارية بإدارة الاستخبارات، ومراقبة جميع الشعب التابعة لإدارة الاستخبارات، والهدف العام هو إدارة مجموعات الاستخبارات والحصول على المعلومات المطلوبة من أي من الأشخاص في حالة طلب ذلك، وكانت مهام "ديوان إدارة الاستخبارات"، وفق الوثائق، هي جمع وتحليل المعلومات، وتقديمها إلى صناع القرار في التنظيم ودراسة الظواهر السلبية التي تشكل خطرًا على أمن "الدولة"، وإحالتها إلى الأمراء ولجان الفتوى والتعامل معها، واصطياد شبكات التجسس واستخدام جميع الوسائل المتاحة للكشف عنها، وتُعدّ شعبة المعلومات والمحفوظات التابعة للوحدة الإدارية، من الشعب المهمة التي يعتمد عليها التنظيم الإرهابي في إدارة استخباراته، بالاتصال التنظيمي بكل العناصر المتواجدة في العالم، ومع تقلص المساحات ونقص الولايات، حذف زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي حذف الكثير من المناصب، بعد أن كان هناك أربعة عشر ديوانًا في تنظيمه، أبقى على ثلاثة دواوين فقط، وهي ديوان الجند أو الديوان العسكري، وديوان الأمن والاستخبارات والمعلومات، وديوان الإدارة والمالية .

4 - وحدة استخبارات للهجمات الخارجية:

من واقع الهجمات الإرهابية على القارة الأوروبية نُجزم أنه من الطبيعي أن يضم جهاز "أمنيّات"، وِحدة مخصصة للتخطيط للهجمات خارج الأراضي الواقعة خارج سيطرة التنظيم، فمن خلال معلومات حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» من أجهزة الاستخبارات الأمريكية والفرنسية والبلجيكية والنمساوية والألمانية، قالت الصحيفة في مايو 2017 أن المعلومات المؤكدة التي في حوزة هذه الأجهزة تؤكد قيام تنظيم داعش بتأسيس جهاز مخابرات خاص به يعمل على جمع المعلومات والاستهداف والتجنيد للعناصر في أوروبا وآسيا، وأن فرع العمليات الخارجية لجهاز الاستخبارات التابع لداعش شكل وزرع مئات من الخلايا النائمة في آسيا وأوروبا، وهي الخلايا التي استيقظ العالم على وقع تفجيراتها في مناطق شتى من العالم، وتستخدم هذه الوحدة عناصر تأثروا بأفكار التنظيم ودخلوا في ايديولوجيته لتتحول مهمتهم التواصل مع الأشخاص في الدول المستهدفة وإيصال الرسائل بما فيها ما يتضمن أوامر بشن الهجمات .

تهتم هذه الوِحدة بتدريب وإرسال انتحاريين فُرادى أو جماعات إلى جميع أنحاء العالم، لا سيما أوروبا، لتنفيذ هجمات إرهابية، أو لتجنيد أعضاء جُدد، أو لجمع المعلومات أو المواد التي يستخدمها التنظيم في عملياته الإرهابية، كما كشفت لنا هذه الهجمات الإرهابية أيضًا أكثر الخطط الإستراتيجية التي اعتمدت عليها "وِحدة الهجمات الخارجية" في تنفيذ هجماتها الإرهابية، والتي تتمثل في "الخلايا العنقودية" المرتبطة بالتنظيم، والتي تعمل كل خلية منها بمعزل عن الأخرى لإعاقة رصدها، أو في "الذئاب المنفردة" والذين يتم تجنيدهم من خلال دعوات فردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي للأشخاص الذين تبدو عليهم علامات الاستعداد للتضحية بأنفسهم، أو من خلال التجنيد الذاتي للذئاب الذين يخشون وسائل التواصل؛ خوفًا من أن تكون مراقبة من قِبَلِ الأجهزة الأمنية، كما تتمثل الخطط الاستراتيجية في تجنيد أصحاب السوابق الإجرامية ممن ليسوا على دِراية بالإسلام .

وعادة ما يتم اعتماد معيار الولاء ومعيار الموطن الجغرافي ومعيار الإجادة اللغوية كمحددات لمن يتم تجنيدهم في خلايا التنظيم النائمة في الخارج التي كانت قد بدأت في التحرك على الساحتين الأوروبية والآسيوية بدءًا من عام 2014، وبينت عدة عمليات أن نقاط العمل القوية لتلك الخلايا تقع في ألمانيا وأستراليا وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا ولبنان وتونس وبنجلاديش وماليزيا وإندونيسيا، فضلًا عن بلدان الشرق الأوسط، وأن 30 عميلًا من أعضاء تلك الخلايا قد نفذوا وحدهم 10 هجمات كبرى حول العالم خلال عامين وبعضهم تلقى تدريبات على شن الهجمات في معسكرات تتبع التنظيم في سوريا والعراق .

ثانيا: داعش بعد الهزيمة:

لا شك أنّ جزءًا أساسيًّا من سرّ نجاح استراتيجية داعش هو امتلاكه شبكة من العملاء المتواجدين بين السكان المحليين، والتي أتاحت لـه الفرصة لإنشاء خلايا نائمة على مدى سنوات في المدن المختلفة في العراق، وقد حملت تلك الخلايا وظائف استخباراتية ووفّرت للتنظيم معلومات عمّا يحدث في المدن، وهؤلاء الأشخاص منخرطون في المجتمع ويعملون بأعمال اعتيادية من أجل عدم إثارة الشكوك، ولكنهم في الواقع يجمعون الكثير من المعلومات، بل ويعد الهدف الرئيسي من تلك الخلايا النائمة هو محاولة اختراق قواعد البيانات الاستخباراتية التابعة للشرطة المحلية، وجمع مواد عن عناصر الشرطة وعن نقاط التفتيش الأمني ونقل تلك المعلومات إلى قيادة داعش، تمهيدا لغزو محتمل لتلك المدن من قبل عناصر التنظيم، بالإضافة إلى ذلك، يحاول عناصر المخابرات هؤلاء تحديد وتجنيد المؤيدين الجدد ونشر رؤية الدولة الإسلامية بشكل سرّي، وهم يستطيعون أيضا توفير حماية في منازلهم للعناصر المسلّحة لداعش في أوقات مداهمة المدينة. ويعمل جزء من تلك العناصر الاستخباراتية في أجهزة الحكومة والأمن العراقية، ومن هنا تنبع قوّتهم الكبيرة، كما أن قوائم التجنيد الخاصة بالتنظيم لم تكن مُقتصرة على الفقراء أو القادمين من مناطق نائية، بل إن تدقيق تلك القوائم أشار إلى أنه ضم أعدادًا كبيرة جدًا من المتعلمين، من بينهم محامون ومهندسون وضباط شرطة وجيش وفنيون ومهندسو حاسوب ومهنيون وخبراء تكنولوجيا ومعلومات.

ففي مارس الماضي، في أعقاب هزيمة داعش، كشفت وثائق عثرت عليها صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية شرقي سوريا عن تحضيرات داعش؛ لتسليح وتمويل متشددين وخلايا نائمة في أوروبا، بقيادة "أبو طاهر الطاجيكي" وأن لديه خطة لمساعدة أعضاء داعش في أوروبا على شن هجمات، وتجنيد أفراد من الخارج إلى سوريا، وأن هناك  أفرادًا يريدون العمل في مناطق بعيدة عن العراق وسوريا، وينتظرون التواصل معهم من أجل تنفيذ عمليات داخل أوروبا، بالإضافة إلى طلب الإذن لإنشاء مكتب للعلاقات الخارجية لإدارة عمليات داعش في أوروبا وغيرها من المناطق.

وبعد نحو 3 سنوات ونصف من المواجهات، أعلن العراق تحرير كامل أراضيه من قبضة تنظيم داعش الإرهابي في ديسمبر عام 2017، بعدما احتل نحو ثلث البلاد معلنًا إقامة خلافته المزعومة، ولكن حتى وقتنا الراهن، تواصل القوات الأمنية العراقية عمليات التفتيش والتطهير وملاحقة فلول داعش في أنحاء البلاد؛ لضمان عدم عودة ظهور التنظيم وعناصره الفارين مجدداً، وقد شهد شهر يونيو الماضي في العراق حدوث عدة تفجيرات إرهابية وهجمات مسلحة ضد قوات عسكرية مسلحة من عناصر الجيش العراقي، خاصة بالعاصمة بغداد، في إطار عمليات الكر والفر التي تقوم بها الأجهزة الأمنية العراقية مع مقاتلي داعش؛ ما يدل على أن داعش قد حصل على الإمدادات اللوجستية والمادية، لمواصلة الهجمات في مناطق مختلفة من البلاد، وبات تنظيم داعش ينشط في ثلاث محافظات بشكل واضح وهي نينوى وكركوك وديالى فضلا عن أطراف في محافظة الأنبار، وباتت عملياته تتوزع بين الهجمات المسلحة أو زرع العبوات أو حرق المحاصيل الزراعية، خصوصا أن هذا يؤشر لعودة مسلحين من التنظيم.


تؤكد السلطات العراقية بين الحين والآخر أن الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش لا تزال ناشطة في مختلف أنحاء العراق، بينما يشن داعش بين فترة وأخرى هجمات في المناطق، التي فقد السيطرة عليها خلال عمليات القضاء عليه، وفي المقابل تحاول السلطات الأمنية بالعراق تفكيك واختراق تلك الخلايا النائمة التابعة لداعش، وفي يوم 18 يونيو الماضي، أعلنت مديرية الاستخبارات العسكرية العراقية عن إلقاء القبض على عناصر خلية نائمة داعشية، في مركز الرمادي بمحافظة الأنبار، غربي العاصمة بغداد، وإحباط عملية ارهابية كانت تخطط لشنها، وفي يوم 26 يونيو الماضي، أعلنت الأجهزة الأمنية العراقية إلقاء القبض على أحد قادة تنظيم داعش الإرهابي، والذي عمل مسؤول استخبارات داعش في محافظة كركوك، شمالي العراق، ونوهت خلية الإعلام الأمني، إلى أن القوات ضبطت بحوزته، مجموعة من الأسلحة والوثائق المهمة.

ومؤخراً، نشر معهد دراسات الحرب بالولايات المتحدة تقريراً يحذر فيه من عودة مدمرة لداعش، الذي يعيد تجميع صفوفه في العراق منذ هزيمته في سوريا هذا العام، ووفقًا للتقرير؛ رغم القضاء على داعش رسميًا في سوريا، لكن قادته وجنوده ينتشرون الآن في جميع أنحاء الشرق الأوسط، كما يملك داعش شبكة تمويل عالمية بالمليارات، تمول انتقالها إلى التسلح وما زال يحتفظ بأسلحة قوية، فضلا عن أن داعش ما زال يحتفظ بالعديد من الخلايا النائمة، تحت تصرفه، كما تشير الدراسة إلى أن داعش يسيطر الآن على مساحات شاسعة من الأراضي الريفية في العراق واستبدل القادة المحليين بممثليهم الذين يجمعون الضرائب لتمويل حربها، كما قام داعش بشكل منهجي بالتخلص من قادة القرى والمدنيين الذين تعاونوا مع قوات مناهضة لداعش، وأعاد فرض الضرائب على السكان المحليين في مناطق الدعم؛ مما أدى إلى نزوح المدنيين والسيطرة بحكم الواقع على جيوب صغيرة من التضاريس في العراق؛ مما يسمح له بأن يبقى تهديدًا، وأن تعود إلى الظهور قريباً مع عواقب وخيمة؛ ستنتج موجات جديدة من الهجمات في أوروبا وتضفي الشرعية بشكل خطير على رواية داعش عن النصر الطويل الأجل الذي لا مفر منه .

الخاتمة:
لقد سعى داعش منذ نشأته أن يأخذ شكل دولة ذات مؤسسات، فليس من المستغرب أن يمتلك داعش مثله مثل أي دولة، بيروقراطية مؤسسية للحفاظ على الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرته، وعلى ذلك باشر داعش العمل الأمني والاستخباراتي بشكل مؤسسي، ومن المؤكد أن جهازه الاستخباراتي قد أُتيحت له كل الإمكانات وكان له عملاءٌ في كل مكان واستمر - ولا يزال يستمر - هؤلاء العملاء في عملهم ولعبوا دورًا حيويًّا في جميع العمليات التي شنها داعش، وحتى بعد هزيمته أصبح أكثر اعتمادا على الخلايا النائمة التابعة له، مع تحذيرات من مخاطر عودة أجيال جديدة من التنظيم، ويمكن القول بأن الهجمات الأخيرة من الخلايا النائمة لداعش في العراق وسوريا، قد تمهد الطريق لانتزاع أراض في المستقبل، وسط مؤشرات بامكانية إعادة هيكلة داعش لنفسه بشكل خطير، قد يحول التنظيم للتركيز على حرب العصابات الهجينة أكثر من كونه كيانًا واضحًا، باعتماده شبه الكامل على استخبارات الخلايا النائمة.





للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق