فورين بوليسي| إرث الإمبراطورية .. كيف مهد الاستعمار البريطاني الطريق لصراعات المستقبل في كشمير وهونج كونج؟


١٥ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٥:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



مر على الإمبراطورية البريطانية زمنٌ لم تكن الشمس تغرب عنها أبدًا. وقد ولَّى هذا الزمن ولم يعد، غير أن إرث الإمبريالية الملعون لا يزال راسخًا في آسيا، حيث تتقاسمه على ما يبدو أزمتان كبيرتان، في هونج كونج وكشمير.

تشهد هونج كونج أسبوعها العاشر من المظاهرات، حيث يطالب مئات الآلاف من المتظاهرين من جميع فئات المجتمع بالمزيد من الحريات الديمقراطية في مدينتهم، ولكن الشرطة ردَّت بوحشية، فيما وصفت بكين الاحتجاجات بأنها "إرهاب".

وعلى بعد 2500 ميل تقريبًا، في جامو وكشمير، ألغت الحكومة الهندية فجأة الوضع الخاص للمنطقة، والذي كان محميًّا من قِبل في الدستور الهندي. وقد فرضت نيودلهي حظرًا على الاتصالات والإنترنت في جامو وكشمير، ولا يُعرف الكثير مما يحدث هناك. لكن يوم السبت، أصدرت "بي بي سي" شريط فيديو يظهر فيه الغاز المسيل للدموع والذخيرة المستخدمة ضد المتظاهرين بعد صلاة الجمعة في سريناجار، أكبر مدينة في المنطقة. بينما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المستشفيات أُخليت من العاملين، ومُنع السكان المحليو ن الذين تعرضوا للضرب لتجرؤهم على الخروج لشراء الحليب؛ ووصف أحد الأطباء الوضع بأنه "جحيم حي". فيما احتفل المسلمون في جميع أنحاء العالم بعيد الأضحى يوم الاثنين، وذكرت قناة (إن دي تي في) أن المساجد في سريناجار قد أغلقت، وأن الدولة بأكملها تخضع لحظر التجول، مع وضع بعض السياسيين البارزين تحت إقامة جبرية.

وتكافح كلٌّ من كشمير وهونج كونج من أجل رغباتهما ضد الحكومات المركزية العدائية والاستبدادية. فكلتاهما يفترض أنهما مستقلتان إلا أنهما جزء من القوى الإمبريالية الأوسع التي يحكمها رجال وطنيون أقوياء أصبح مفهوم الهوية الإقليمية لديهم لعنة. وفي كلتا الحالتين، مهّد الاستعمار البريطاني الطريق للصراعات القادمة.

على عكس هونج كونج، انتقلت الهند من كونها مستعمرة إلى دولة مستقلة. لكن 40% من الهند قبل الاستقلال، بما في ذلك كشمير، كانت تُحكم على أنها "ولايات أميرية"، وهو تنظيم غير دقيق تولَّى من خلاله حاكم محلي السلطة، مع مستويات متفاوتة من تدخل الحاكم البريطاني. وما دامت هذه الولايات لم تتحدَ مباشرة الحكم الإمبراطوري، فقد تركوا إلى حد كبير لسلطاتهم الخاصة.

ولكن كجزء من الهند الموحدة والمستقلة، لا سيما في ظل النزعة القومية لدى رئيس الوزراء "ناريندرا مودي"، أعطت الحكومة المركزية الأولوية للتجانس الثقافي. ويمكن أيضًا رؤية أوجه الشبه في هذا في هونج كونج، حيث سعت حكومة بكين تدريجيًّا لإحلال اللغة الكانتونية المحلية والنص التقليدي مع التركيز على الماندرين والحروف المبسطة.

هذا التركيز على التجانس الثقافي هو اختلاف واضح عن أيام الإمبراطورية. لكن "جون ويلسون"، مؤلف كتاب "الهند المستعمرة: الحاكم البريطاني وفوضى الإمبراطورية"، يشير إلى أنه بينما يختلف المشروع الحاكم في الهند الآن عن الأيديولوجية الخاضعة للحكم البريطاني، فإن أدوات القوة التي يستخدمها مودي مألوفة: "الاحتلال العسكري" والقيود المفروضة على حرية التعبير، هذه الأدوات التي استخدمتها الهند التي تشبه الإمبراطورية في أوقات مختلفة".

من الناحية الدستورية، كان من المفترض أن تكون هناك بعض الاستمرارية بين إدارة هونج كونج وكشمير في الانتقال من الحقبة الاستعمارية إلى عصر ما بعد الاستعمار. تم الاعتراف بكلتا المنطقتين على أنهما متميزتان عن الدول التي أصبحا جزءًا منها ومنحهما حماية خاصة على هذا الأساس. في هونج كونج، كان من المفترض أن يضمن إطار "دولة واحدة ونظامان" طريقة حياة سكان هونج كونج حتى عام 2047.

في جامو وكشمير، كانت هذه الحماية أكثر قوة، المنصوص عليها في الدستور الهندي. تنص المادة 370 على أن تدير كشمير شئونها الداخلية، باستثناء السياسة الخارجية والدفاع والاتصالات، كما تحظر المادة 35A على الغرباء شراء الأراضي. و"بموجب المادة 370، يمكن القول إن كشمير تتمتع باستقلالية أكبر من أي جزء من الهند. لقد منحت كشمير مزيدًا من الحكم الذاتي على شئونها على أساس إقليمي". لكن هذه المواد ألغيت الأسبوع الماضي بسبب محاولة مودي الوفاء بوعده الانتخابي بإنهاء وضع كشمير الخاص، الذي قال إنه أعاق اندماجه مع بقية الهند.

أما في هونج كونج، فلم تقم بكين بإلغاء مبدأ "بلد واحد نظامان مختلفان" بشكل صريح، لكن الأحداث الأخيرة أوضحت أن اندماج هونج كونج السريع في الصين يمثل أولوية للحزب الشيوعي الصيني. فلم يعد الترتيب الفسيفسائي الذي ميز الإمبراطورية البريطانية في آسيا مقبولاً لدى القادة الذين ورثوا الغنائم الإمبراطورية، فقد أصبح الهدف الآن هو السيطرة الكاملة.

وعلى عكس ما حدث في كشمير، لم يكن هناك إراقة للدماء في عملية التسليم في هونج كونج، لكن المفارقة المتمثلة في تحرير المدينة من سنوات من الإمبريالية البريطانية فقط لتسليمها إلى زعيم آخر بعيد وغير قابل للمساءلة كانت واضحة للعديدين. وقد استذكر "كريس باتن"، آخر حاكم لهونج كونج، زيارته لإحدى مؤسسات الأمراض العقلية قبل فترة وجيزة من عملية التسليم. سأله أحد المرضى: "أنت تخبرنا دائمًا أن بريطانيا هي أقدم ديمقراطية في العالم. فهل يمكنك أن تشرح لي لماذا تقوم بتسليم هونج كونج لآخر أكبر نظام شمولي دون أن تسأل الشعب في هونج كونج عن رأيهم؟" وقال باتن إنه كان "أعقل سؤال في هونج كونج".

واليوم، تتضح تداعيات الإدارة البريطانية الإمبريالية وتكشف نفسها؛ نظرًا لأن الهند غالبًا ما يتم الترحيب بها باعتبارها نجاحًا ديمقراطيًا كبيرًا في آسيا، فقد يأمل المرء في أن تكون معاملة مجموعات الأقليات مختلفة عن الصين، التي لا تسمح حكومتها بآراء معارضة. لكن الأحداث الأخيرة في كشمير تُشبه بشكل لافت السياسات الصينية التي تسعى إلى تجانس المناطق المتمتعة بالحكم الذاتي مع الصورة التي حددتها بكين للصين.

وقال "ديبيش أناند"، الأستاذ في جامعة ويستمنستر في لندن، الذي كتب عن خطة الهند لإدماج كشمير في الدولة الهندوسية: "بينما كان من المألوف مقارنة الهند الديمقراطية بالصين الاستبدادية، فإن الحقيقة هي أنه عندما يتعلق الأمر باحتلال وحكم الأراضي والشعوب التي تنازعت في علاقاتها معهما، تبنّت الدولتان تدابير من بينها الوعد بالحكم الذاتي، وحقيقة التذويب، وقمع الحقوق، ورفض تقرير المصير، وغياب الحكم التوافقي... وبالإضافة إلى سياسة "فرق تسد"، اتبعت "الإمبراطورية البريطانية" سياسة "فرق وانسحب". مما ترك وراءها ترتيبات غير مقبولة من المحتمل أن تتحول لاحقًا إلى صراعات.

ليس خطأ بريطانيا وحدها أن اثنتين من مستعمراتها السابقة متورطتان في معارك حول هويتهما. لقد عانت كشمير من عقود من القتال الطائفي، وكان من المفترض أن تضمن شروط تسليم هونج كونج حقوق المنطقة حتى عام 2047. كما أنه من غير الواضح كيف يمكن لبريطانيا أن تساعد بشكل مباشر في تحسين هذه الحالات اليوم؛ تصوّر الصين بشكل روتيني أية معارضة في عالمها كدليل على التدخل الأجنبي. وبالمثل، أصرت الهند دائمًا على أن كشمير يجب أن تكون قضية داخلية.

لكن يمكن لبريطانيا أن تقوم بالمزيد للاعتراف بمساهمتها في ظلم ملايين الأشخاص الذين لم يكن لهم رأي في حكومتهم. ومن الصعب على الأشخاص السابقين زيارة البلد الذي قرر مستقبلهم: تمتلك باكستان أحد أعلى معدلات الرفض في العالم للمواطنين الذين يتقدمون بطلبات للحصول على تأشيرات دخول المملكة المتحدة، حيث يتم رفض أكثر من 6 من كل 10 طلبات. ولم يتطرق وزير الخارجية البريطاني الجديد حتى الآن إلى أي من الأمرين، باستثناء تأكيد دعم بريطانيا لمبدأ "بلد واحد نظامان مختلفان" المختل بوضوح في هونج كونج، كما شكر الهند على "قراءتها الواضحة" للوضع في كشمير. وليس من المستغرب أن بريطانيا – حيث يغذي الحنين إلى الماضي بعض المشاعر وراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – تحجم عن مواجهة إرث الإمبراطورية الفوضوي. وفي إطار الانقسام والخلاف الدائر حول المعنى الحقيقي لتقرير المصير والديمقراطية، تجدر الإشارة إلى أن إرث المملكة المتحدة في أجزاء أخرى من العالم باتت أكثر ضبابية.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق