لوموند| هل تنهي حقبة إنكار المتاحف الفرنسية للفن الجزائري؟


١٨ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٤:٥٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما



تتضاعف المعارض المخصصة لحقبة التاريخ الاستعماري الفرنسي فيما يعدّ علامة على أن الزمن قد بدأ في إحداث أثره على هذه الحقبة الذي لا يزال الجدل بشأنها قابلًا للاشتعال.

وعندما تولت "فرانسواز كوهين" إدارة فرع معهد العالم العربي في مدينة توركوان في عام 2018، لم يكن لديها شك في أن هذه المؤسسة، التي تكافح من أجل ترسيخ نفسها في إقليم (الشتي) بشمال فرنسا، عليها أن تخاطب المجتمع الجزائري المحلي المهم للغاية؛ حيث تقول: "هكذا ولدت فكرة إقامة معرض "تصوير الجزائر" الذي تم تنظيمه مؤخرًا في 13 يوليو"، ولم يكن تنظيم هذا المعرض يهدف إلى رسم تاريخ الجزائر من خلال التصوير الفوتوغرافي، بل كان الهدف هو استدعاء وجهات نظر مختلفة حول هذا البلد.

وبمحض المصادفة الزمنية اقترح متحف "لابيسين دو لا روبيه" قبل بضعة أشهر إقامة معرض "ربيع جزائري" بالرجوع إلى أعمال الرسام المستشرق "جوستاف جيوميه"، بعنوان: "الجزائر بعدسة جوستاف جيوميه"، والتي تقدم شهادة موثوقة لبدايات حقبة الاستعمار، بالإضافة إلى عرض صور الأمير عبدالقادر، الشخصية الأسطورية لمقاومة الاستعمار في القرن التاسع عشر.

ومع أن هذا التزامن بين هذه الفعالية التي ينظمها الشمال الفرنسي، والتي تم تقريرها قبل فترة طويلة من اندلاع المظاهرات المناهضة لبوتفليقة في فبراير الماضي كان من قبيل الصدفة، إلا أنه يُعد علامة على الاهتمام المتزايد من قبل المتاحف الفرنسية بالتاريخ الاستعماري لفرنسا في الجزائر، وذلك بعد أربعين عامًا من الإنكار والصمت.

على أصابع يد واحدة

يعود هذا الاعتراف إلى عام 2003 عندما احتفلت فرنسا بعام الجزائر، وفي عام 2004، حين تعاون ثلاثون مؤرخًا فرنسيًّا وجزائريًّا في تأليف كتاب: "نهاية فقدان الذاكرة"، قام المؤرخ "بنيامين ستورا" والكاتب "لوران جيرفيرو" بتنظيم معرض "تصوير الحرب الجزائرية" في فندق دو سولي في باريس. وعلى الرغم من وجود صور لم تُعرض من قبل، كانت أوجه القصور عديدة، لا سيما على مستوى الحياة اليومية لشعوب البلاكفوت، أو فيما يخص الانقسامات العنيفة داخل القومية الجزائرية.

وفي عام 2012 حدثت نقطة تحول بشأن الجزائر في الحقبة من عام 1830 وحتى 1962 في متحف الجيش، بفندق ليز انفاليد، حيث تم عرض الوجود العسكري الفرنسي في الجزائر بشكل غير إيجابي، وتم التحدث كذلك عن الغزو والاستقلال، ولم يتم التنصل من أي فظائع ارتُكبت من كلا الجانبين. ويقول المقدم كريستوف برتراند، القائم على المعرض: "لم يكن مقبولًا عدم الحديث عن عنف أعمال الجيش الفرنسي". وشهد معرض "صُنع في الجزائر" الذي نُظم عام 2016 في مرسيليا، حدثًا مهمًّا آخر حين تم استخدام خرائط تدل على الغزو الفرنسي للجزائر.

تم هذا الاستدراك مع ظهور فنانين جزائريين في فرنسا في حقبة الألفينيات، أمثال "عادل عبد الصمد" و"زينب سديرا" و"قادر عطية". وحتى ذلك الحين، كانت أعمال الفنانين الجزائريين تُعد على أصابع اليد الواحدة؛ حيث اشترى متحف الفن الحديث في مدينة باريس لوحتين لعبدالله بن عنتور في عامي 1964 و 1969 ولا شيء تقريبا بعد ذلك. والشيء نفسه ينطبق على مركز بومبيدو، الذي لم يحصل إلا على عملين فقط من اثنين من الفنانين الجزائريين، هما حميد تيبوشي وسليم لو كواجيه، في الثمانينات. وتوضح "أليس بلانل"، الخبيرة في الشتات الفني الجزائري، أن هذا التعتيم يظل أكثر جمالية من السياسة، حيث تقول إن "فناني الخمسينيات والستينيات كانوا مهتمين بالفن غير الرسمي وكانوا يعملون في شكل من أشكال الرسم الذي بدا راديكاليًّا بالنسبة لهم، غير أن الفرنسيين لم يكونوا يريدون ذلك الفن". واليوم، لم يعد عالم الفن يتردد في تناول قضايا ما بعد الاستعمار التي أثارها الشتات الفني الجزائري في السابق.

دون إسكات الغضب

هل أحدث الزمن تأثيره؟ ربما. ففي متحف الجيش، حل محل القادة العسكريين الذين خاضوا الحرب آخرون لم يعيشوها إلا بالوكالة. وقد أفسح شهود العيان المتقدمون في السن المجال أمام المؤرخين الشباب الذين ليس لديهم أي حسابات لتسويتها أو انحياز أيديولوجي للدفاع عنه؛ حيث يعترف بنيامين ستورا أن "الباحثبن الشباب لا يكترثون بالماضي. فهم لم يولدوا في الجزائر، وليس لهم أية صلة جسدية بها". وتضيف هيلين أورين، مديرة متحف تاريخ الهجرة قائلة: "يمكنهم رواية الأحداث بشكل أكثر هدوءًا وأن يخففوا من شحن المشاعر دون إسكات العضب".

وبالرغم من هذه التطورات، لا تزال الذاكرة حاضرة ولا يزال هذا الموضوع قابلًا للاشتعال، لدرجة أن فيليب سورل، عمدة مونبلييه، قام بمجرد انتخابه في عام 2014، بدفن مشروع متحف تاريخ فرنسا والجزائر على الفور. هل قام بذلك خشية أن تقوم مجموعات شعوب البلاكفوت والمجتمع الجزائري الذين تجذروا في المدينة بإطلاق النار؟ ربما. ولنزع الألغام عن هذا الموضوع، اقترحت فلورانس هودويسيز، أمينة متحف التاريخ الفرنسي الجزائري، تنظيم معارض مؤقتة بدلًا من إقامة معارض دائمة عالية المخاطر لكن دون جدوى، حيث تم إنشاء مركز موكو للفن المعاصر بدلًا من ذلك، وتم ضم مجموعة من 1100 قطعة إلى متحف موسيم الذي اختار عدم وضعهم في الخزانات.

وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، كان المتحف الفينيقي يعمل على جعل هذه المجموعة تتحدث في جلسات تسمى "صوت الأشياء"، حيث تستقبل المعروضات 100 مستمع في كل مرة. وتعلق فلورنس هودويسيز على هذا الأمر قائلة: "هذه لحظات مؤثرة جدًا من تبادل العاطفة، وتعد شكلًا من أشكال الترويح عن النفس حيث تعد تعبيرًا عن الكلمة في مكان مهذب، ألا وهو المتحف، حيث يحترم الناس بعضهم البعض ويتحدثون فيما بينهم دون تمزيق أنفسهم ويضطفي المعرض السكينة على النقاش". ويقول جان فرانسوا شوجنيه، مدير متحف موسيم: "يعيدنا هذا المعرض إلى الواقع؛ بحيث لا يمكننا أن نتحدث بأي هراء في حضرته".

كل كلمة تحرق

ونادرة مثل هذه الأشياء التي تحوز على توافق الجميع؛ لا سيما وأن "التاريخ الاستعماري المصور غير متكافئ، بسبب أن الجزائريين لم ينتجوا صورًا بقدر ما أنتج المستوطنون". ففي معرض توركوينج لم يشارك سوى مصور جزائري واحد هو الرائد محمد كواتشي، غير أن المتحف ناشد المواطنين للإدلاء بشهادات تساعد على إبراز الصور التي تحتفظ بها الأسر الجزائرية الراسخة منذ فترة طويلة في الشمال؛ بهدف بثها في فيلم وثائقي خلال المعرض. ولبى هذه المناشدة  15 شخصًا فقط.

وتقول فرانسواز كوهين :"لم يكن من السهل بناء الثقة معهم وجعلهم يتحدثون خارج دائرة الأسرة". فالجروح لا تزال حية في كل مكان. ويتملك المهاجرين الجزائريين، والبلاكفوت، والشيبانيين، والحركيين شعور بالخيانة والهجر. أما فيما يتعلق القانون، فدائمًا ما كانت صياغة النصوص التوضيحية المعلقة في المعارض المخصصة للجزائر محفوفة بالمخاطر، حيث تقول فلورانس هودويسيز: إن "كل كلمة تحرق". ومن الضروري دائمًا مراعاة الصحة والعدالة، والنظر بعين الجمهور بحيث يتمكن الجميع من قراءة النصوص بأريحية مع تجنب المبالغة في التعديل".

ولم يكن من السهل إشراك المؤرخين الجزائريين في هذه المشاريع الثنائية، حيث يقول كريستوف برتراند: "أردنا الاعتماد على المؤرخين الجزائريين في عام 2012، لكن الأمر كان معقدًا لأسباب سياسية". ولم يتم إقامة معرض "صنع في الجزائر" في الجزائر. وعلى الرغم من بطء عمل الذاكرة على كلا الجانبين، إلا أن النفوس لا تزال غير صافية. لذا يرى بنيامين ستورا، "ضرورة أن نواصل العمل، العلم بأن تسوية هذه القضية المعقدة لن يتم من خلال معرض رئيسي واحد فقط، ولكن من خلال تنظيم العديد من الفعاليات".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق