الجارديان| كيف يمكن لاستخدام المعلومات كأسلحة أن يغير شكل العالم؟


٢١ أغسطس ٢٠١٩ - ٠١:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس


تستخدم الاتصالات كأسلحة؛ لاستفزاز الجمهور وتضليله والتأثير عليه بالعديد من الطرق الخبيثة. ولم تكن المعلومات المضللة سوى المرحلة الأولى من اتجاه متطور لاستخدام المعلومات لتخريب الديمقراطية، وإرباك الدول المتنافسة، والسيطرة على الرأي العام. وباستخدام البيئات الكبيرة غير المنظمة والمفتوحة التي وعدت بها شركات التكنولوجيا ذات مرة بأنها "ستُمَكِّن" الأشخاص العاديين، انتشرت المعلومات المضللة بسرعة في جميع أنحاء العالم. لقد أصبحت القوة التي قدمتها لنا شركات التكنولوجيا أداة لا تُقدّر بثمن في أيدي شركات الدعاية، التي كانت على حق في اعتقادها بأن عالمًا مضطربًا ومتعولمًا سريعًا أكثر بات عرضة لوحش التضليل المُروِّع من الدعاية المباشرة. ومهما فعلنا – وبغض النظر عن العديد من مبادرات فحص الحقائق التي نجريها – فإن المعلومات المضللة لا تظهر أي علامات على التراجع، ولكنها تتحوَّر فقط.

وفي حين تم تحديد الدول – التي كانت مروِّجة للدعايات الموجهة، مثل روسيا وكوريا الشمالية – على أنها المذنب الرئيس، غير أن قائمة الدول التي تستخدم المعلومات المضللة في تزايد مستمر. ومن الواضح أن الصين تستخدم معلومات مضللة لتصوير المحتجين في هونج كونج بوصفهم وكلاء للقوى الغربية الشنيعة وأعمال الشغب العنيفة؛ ما قد يمهّد الطريق لتدخل أكثر عنفًا لقمع الحركة. كذلك كانت الهند مضيفة لحملات تضليل مستمرة، إما قبل الانتخابات الأخيرة أو أثناء المواجهات الحالية مع باكستان حول كشمير. لقد قامت شركات الضغط والعلاقات العامة الآن بإضفاء الطابع المهني على المعلومات المضللة عبر الإنترنت، كما تشير قضايا شركاء شركة سي تي إف التابعة للسير لينتون كروسبي في المملكة المتحدة ومزارع الأقزام في الفلبين.

وتتمثل المرحلة التالية في استخدام المعلومات كأسلحة في الجهود المتزايدة للتحكم في تدفق المعلومات، وبالتالي التحكم في الرأي العام، وغالبًا ما يستخدم شبح التضليل كذريعة للقيام بذلك بشكل مثير للسخرية. وتصدَّر إغلاق الإنترنت عناوين الأخبار مؤخرًا خلال حظر الهند للاتصالات في كشمير، بيد أنها باتت شائعة بالفعل في إفريقيا، فيما أفادت مجموعة "أكسيس ناو" Access Now أن إغلاق الإنترنت بين عامي 2016 و2018 زاد بنسبة أكثر من الضعف. ووفقًا لبعض التقارير، فإن تطبيق تليجرام الذي يستخدمه المتظاهرون في هونج كونج للتنسيق فيما بينهم، شنت الصين عليه أيضًا هجوم وحجب الخدمة الموزعة (DDoS).

ولا شك أنه يمكن أن تتخذ السيطرة على المعلومات أشكالًا أكثر حميمية أيضًا، مثل التفكك التام، كالمؤتمرات الصحفية للبيت الأبيض التي جعلت حساب "دونالد ترامب" على تويتر هو الناطق الحقيقي بلسان الرئيس الأمريكي، أو محاولة "بوريس جونسون" إنشاء قناة مباشرة للتواصل مع جمهوره عبر الفيسبوك. إن حذف الصحفيين الخبراء المنظمين الخاضعين للمساءلة من المعادلة لا يمكن إلا أن يضر بالمصلحة العامة، كما أن السلطة الرابعة [الصحافة] هي جزء أساسي من أنظمتنا السياسية، فقد أثبتت السلسلة اللامتناهية من خصوصية وسائل التواصل الاجتماعي والفضائح السياسية، أن شركات التكنولوجيا غير قادرة على لعب هذا الدور، بل هي لا تريد فعل ذلك.

وربما تكون المرحلة الثالثة في استخدام المعلومات كأسلحة أسوأ، ونظرًا لأن ممارسات التنقيب الاقتحامية والمتسللة عن البيانات باتت شائعة، فإننا قريبًا لن نتعامل فقط مع المعلومات المضللة أو انقطاع الاتصالات، ولكن مع تلاعب مستتر على نطاق واسع من خلال التحفيز؛ وقد استخدمت الدكتورة "كارين يونج" من كلية الحقوق بجامعة برمنغهام، مصطلح "التنويم الزائد" لتحديد النظم القابلة للتكيف، والمحدثة باستمرار والمنتشرة على أساس خوارزمي، والتي تزود رعاياها – أي نحن – ببيئات مشخصنة للغاية تحدد مجموعة خياراتنا عن طريق إنشاء نظرة مُعدَّة خصيصًا للعالم.

ووفقًا لشركة آي بي إم، يتم إنشاء 2.5 كوانتيليون بايت من البيانات يوميًّا، وأصبحت مجموعات البيانات التي تحتوي على معلومات شخصية أكثر تفصيلًا وتوسعًا. وعلى الرغم من أن التحليل الضروري للحصول على رؤى مفيدة منها يمكن أن يتغلب على القدرات البشرية، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي والنماذج الخوارزمية الخاصة بها يمكن أن تكون أفضل بكثير.

هذا فضلًا عن أنه يمكن للتواصل من خلال فرط التحوّل أن يغيّر تدريجيًّا قيمنا الأخلاقية وقواعدنا وأولوياتنا، كما كانت توصيات يوتيوب وترويجها المزعوم للمحتوى اليميني المتطرف في البرازيل، وهو ما تسبب في تطرف بعض المستخدمين، كشكل من أشكال الدفع، والذي كان عن غير قصد كما زعمت شركة التكنولوجيا. لكن الدفع المتعمد باستخدام النماذج المبنية على تفضيلاتنا ومواطن الضعف الفردية سيصبح أكثر تأثيرًا في المستقبل.

وعلى الرغم من أن فاعلية الدعاية الشخصية، كتلك التي تستخدمها "كامبريدج أناليتيكا" Cambridge Analytica، ربما لا تزال قابلة للنقاش، إلا أنه لا شك أن الدفع على المدى الطويل يمكن أن يكون قويًّا، إن لم يكن لإجراء انتخابات متقاربة، وربما لزيادة اللامبالاة أو إثارة المعارضة وعدم الثقة تجاه مؤسساتنا، كما أن احتمالات التلاعب لا حصر لها.

ومع ذلك، فإن تصنيف استخدام الاتصالات كأسلحة على أنها "حرب معلومات" يمكن أن يصرف انتباهنا عن حقيقة أن أصل المشكلة ليس المعلومات في حد ذاتها؛ بل علينا معالجة حقيقة أن التلاعب بالمعلومات يستخدمه ممثلون سياسيون يستفيدون من الفراغات التنظيمية والقانونية لتغيير ديناميات السلطة، كما يستخدمون تقنية الشركات غير الخاضعة للرقابة لفترة طويلة، حتى أنهم اكتسبوا مناصب سوقية مهيمنة بما فيه الكفاية لدعم أنفسهم خارج التنظيم الحكومي، بينما يبدو أن وسائل الإعلام التقليدية غير قادرة على مقاومة اختطاف أجندة الأخبار من الجهات الفاعلة التي تسعى إلى تضخيم جدول أعمالها عبر التضليل المُغرِض.

وفي خضم هذا الأمر، لا يزال الناس في حيرة من أمرهم، أو يعانون من ضعف بحيث لا يتمكنون من استعادة وكالتنا ومواجهة هذا الهجوم على مساحة معلوماتنا الخاصة وحقوقنا الرقمية. فاستعادة خصوصيتنا هي الخطوة الأولى، وحينها سنحتاج إليها إذا أردنا أن نقاوم فرصة مقاومة استخدام المعلومات كأسلحة تُستخدم لتأديبنا والسيطرة علينا.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية حرب المعلومات أمن المعلومات

اضف تعليق