فورين بوليسي| اليمين المتطرف في ألمانيا يقترب أكثر فأكثر من السلطة


٠٢ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس


من المرجح أن تشيد وسائل الإعلام الدولية بالانتخابات الألمانية المزمع إجراؤها في أول سبتمبر الجاري في مقاطعتَي ساكسونيا وبراندنبورغ باعتبارها انتصارات كبيرة لحزب "البديل من أجل ألمانيا". ومن المتوقع أن يرتفع عدد الأصوات التي سيحصل عليها حزب البديل في ساكسونيا من 9.7% إلى 24%. وفي براندنبورغ، حيث حصل الحزب على 12.2% من الأصوات في عام 2014، تجري حاليًا استطلاعات الرأي حول حصوله على 22%، ومن المتوقع تحقيق مكاسب أقل وضوحًا؛ بيدَ أنها لا تزال كبيرة.

غير أن التغييرات الأكثر عمقًا تنتظر الاتحاد الديمقراطي المسيحي (يسار) بقيادة المستشارة "أنجيلا ميركل". فمن المرجح أن تؤدي انتخابات المقاطعتين إلى توترات طويلة الأمد حول الاتجاه المستقبلي للحزب، ويمكن أن تتجادل الأجنحة المعتدلة والمحافظة داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، التي طالما تعارضت حول المنافس الشعبوي لليمين، في أعقاب اقتراع ساكسونيا وبراندنبورغ. كذلك يمكن أن تُسرع تداعيات خروج ميركل من السياسة الألمانية، وتثير المشاكل لخليفتها المختارة "إنغريت كرامب-كارنباور".

من المهم أن توضع نتائج استطلاعات الرأي التي حصل عليها حزب البديل في السياق المناسب، فقد أجرت المقاطعتان آخر انتخابات عام 2014، عندما كان حزب البديل، الذي تأسس في عام 2013 في أعقاب أزمة اليورو، لا يزال ناشئًا ومحافظًا اقتصاديًّا، وكان يوصف بأنه "حزب أساتذة الجامعات"، يحاول ترسيخ أقدامه. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الحزب من حزب يميني وسطي يركز على القضايا الاقتصادية – وما يعتبره سياسات منطقة اليورو المعيبة التي دفعت بها ميركل – إلى حزب شعبوي يميني متكامل ذي آراء قومية وقضايا اجتماعية ثقافية تحتل صدارة برنامجه.

جاءت أكبر قفزة شعبية للحزب في أوائل عام 2016، وذلك عندما عارضت بقوة سياسات الهجرة التي قامت بها ميركل وخفّفت من حدة خطابها عن كراهية الأجانب. تبع هذا الارتفاع ذروة أزمة اللاجئين الأوروبيين في خريف عام 2015 وما يتصل بها من احتجاجات حركة بيجيدا المعادية للمهاجرين والمناهضة للإسلام. ويمكن أن يُعزى هذا النمو أيضًا إلى الاعتداءات الجنسية على النساء في كولونيا عشية رأس السنة الميلادية 2015، والتي ارتكبها الشباب المهاجرون، والتي تصدرت عناوين الصحف العالمية وهددت بتزايد المواقف العامة المناهضة للاجئين.

ومنذ أوائل عام 2016، بات حزب البديل فاعلًا رئيسيًّا في المقاطعتين وفي ألمانيا الشرقية السابقة بشكل عام. ففي الانتخابات الفيدرالية لعام 2017، فاز الحزب بنسبة 20.2% في براندنبورغ، ليحتل المرتبة الثانية، و27% في ساكسونيا، ليحتل المرتبة الأولى. وتعكس تلك النتائج ما يمكن أن يحدث في انتخابات كلتا المقاطعتين نهاية هذا الأسبوع.

بالنسبة لميركل، فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في تحقيق مكاسب كبيرة لحزب البديل في براندنبورغ وساكسونيا وتورينغن (وهي مقاطعة شرقية أخرى كان أداء البديل فيها جيدًا وسيجرى الاقتراع فيها في 27 أكتوبر). هذه الولايات غير مهمة نسبيًّا عندما يتعلق الأمر بسياسات القوة الفيدرالية في ألمانيا، وكانت قاعدة الاتحاد الديمقراطي المسيحي دائمًا تتركز في المقاطعات الأكثر اكتظاظًا بالسكان، والأشد تأثيرًا اقتصاديًّا في جنوب وغرب ألمانيا.

وحتى الآن، تمسكت المؤسسة السياسية في ألمانيا بالتزامها بنبذ واحتواء البديل؛ فيما يبقى الضغط السياسي من برلين للحفاظ على هذا الموقف قويًّا، كذلك الضغوط من الناخبين والواقع السياسي على مستوى الدولة.

والآن سيكون مصدر قلق ميركل هو استراتيجيات ما بعد الانتخابات التي سيختارها حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على مستوى المقاطعات، والذي سيكوّن برلمانات مجزأة للغاية من دون أغلبية سهلة في كلٍّ من ساكسونيا وبراندنبورغ. وقد رفض زعماء الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ساكسونيا وبراندنبورغ وتورينغن بشكل علني فكرة التحالف مع حزب البديل، ولكن سواء انضم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى ائتلاف مع أحزاب أخرى، أو انتهى به المطاف في المعارضة إلى جانب حزب البديل، فمن المحتمل أن يعمل الحزبان معًا، حتى على الأقل ضمنيًّا.

وعلى عكس الاختلافات الحادة والفروق الشاسعة بين الحزبين على المستوى الفيدرالي، فإن هذا التحالف بين الحزبين على مستوى المقاطعة؛ لأنهما يشتركان في وجهات نظر متشابهة بشأن بعض القضايا. وأحد أوجه التداخل هو سياسة روسيا. "مشائيل كرتشمر"، وزير رئيس ساكسونيا وسياسي بارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، كما أنه مدافع عن التقارب مع روسيا، وهي وجهة نظر مشتركة مع العديد من الناخبين في الشرق. لقد كان لحزب البديل توجهات معادية للولايات المتحدة، وميول نحو روسيا منذ تأسيسه، وهو ما بات أكثر وضوحًا في الأعوام الأخيرة. كما تشارك كرتشمر وجهات النظر مع حزب البديل المحافظ اجتماعيًّا بشأن زواج المثليين وحقوق التبني.

لكن أكبر مجال للتعاون المحتمل بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي يدور حول فكرة "ليتكالتر" الألمانية [الثقافة الأساسية]، وهي فكرة غامضة ومثيرة للجدل تشير إلى القيم والأعراف الألمانية التقليدية في لغة محافظة يجب أن تحكم المجتمع. ويمكن تطبيق هذا المفهوم على الأسئلة المجتمعية ذات الصلة: ما العلاقة بين الاستيعاب والتكامل؟ ما الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومة في ذلك؟ ما هي الثقافة الألمانية؟ وما معنى أن تكون ألمانيًّا؟

ويعاني الحزب الديمقراطي المسيحي على مستوى المقاطعة في ألمانيا الشرقية من الأمرين، فهو يفقد الناخبين المحافظين من على يمينه لصالح حزب البديل المؤسسي، الذي تعلم كيفية لعب اللعبة البرلمانية، وكما أنه يفقد أنصاره من التيار اليساري لصالح حزب الخضر الصاعد، والذي يستعد لمضاعفة أعداد ناخبيه، على الأقل الشهر المقبل، في ساكسونيا وبراندنبورغ (حيث يوجد أيضًا حزب اجتماعي ديمقراطي قوي على مستوى الولاية). ويمكن أن يساعد التعاون مع حزب البديل في استعادة المنشقين المناهضين لميركل على المدى المتوسط، ولكن يبقى التساؤل: هل يمكن تجنب الهجرة الحتمية للناخبين من الوسط؟ بلا شك، قام أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في دريسدن وبوتسدام وإرفورت بتقييم هذا السيناريو خلف الأبواب المغلقة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية اليمين المتطرف في ألمانيا

اضف تعليق