الصحافة الفرنسية | حرب معسكرات داخل الإدارة الأمريكية.. والهجرة لأوروبا اندماج محفوف بالمخاطر


١٠ سبتمبر ٢٠١٩ - ١٠:٢٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.. لعبة كبيرة محفوفة بالمخاطر

استعرضت جريدة "العالم العربي" الفرنسية تحليلًا للسيد "فريدريك شاريلون" أستاذ العلوم السياسية الفرنسي والذي يقول: "لقد نال التعب في الشرق الأوسط من أمريكا وحلفائها الأوروبيين".

وقال إنه في حين تعج المنطقة بالمآسي والتوترات، من اليمن إلى العراق وسوريا، تهتم الاستراتيجية الأمريكية والتوازنات الدولية بقضيتين فقط؛ الأولى هي، بطبيعة الحال، العلاقة مع إيران، والتي باتت موضوعًا لكل التكهنات وكافة التصعيدات اللفظية، ويمكن أن تصبح المفجّر لجميع السيناريوهات. والثانية هي القضية الفلسطينية، والتي تتمثل خطورتها في الخطاب المليء بالمتأخرات أكثر من الضربات العنيفة.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن لعبة المكر والمرايا قد بدأت بين مختلف الجهات الفاعلة داخل القوة الأمريكية نفسها، وبين مختلف الأطراف الإقليمية، وباتت تؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي. ومن خلال معالجة هاتين المسألتين، لن تخرج السياسة الخارجية، ولا السياسات الخارجية العربية، ولا لعبة القوى الأخرى سالمة.

السياسة الخارجية للولايات المتحدة.. العمل والتراجع

ستحدد نتائج الاستراتيجية التي تتبعها واشنطن حاليًا في إيران وفلسطين - أو عدم وجودها - إلى حد كبير المصداقية الدولية للولايات المتحدة، خارج المنطقة، فيما بعد فترة إدارة ترامب. أولًا لأن الولايات المتحدة تتراجع الآن عما فعلته بالأمس، ولذلك سيكون من المهم معرفة ما إذا كان الضرر سيكون قابلًا للإصلاح في المستقبل أم لا.

إن أمريكا (في عهدي جورج بوش الأب ثم بيل كلينتون) هي التي رعت مفاوضات أوسلو في أوائل التسعينيات، والتي بلغت ذروتها عندما صافح ياسر عرفات إسحاق رابين في عام 1993، ثم ضغطت على الجهات الفاعلة لمتابعة عملية التحرير الوطنية عبر توظيف الدبلوماسيين الأكثر خبرة. والآن أمريكا هي التي تزيل كل إشارة إلى دولة فلسطين، وتعهد بالأمر إلى صهر الرئيس، الذي لا يعرف شيئًا عن المفاوضات الدولية.

ومرة أخرى، أعادت أمريكا (أوباما) إيران إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق بشأن قدراتها النووية في يوليو 2015، لتحريك الماء الراكد بشأن هذا الملف منذ عام 1979. أما أمريكا (ترامب) فهي التي مزقت هذا الاتفاق، وعادت إلى خطاب المواجهة. وأيًّا كان رأي المرء في اتفاق عام 2015، وأيًّا كان رأي المرء في فشل وتأخير عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية التي باتت محتضرة، بيد أن الحوار كان مستمرًا، ولا تزال أمريكا تدّعي أنها تلعب دورًا محايدًا في الحكم، حتى وإن كان قليلون هم مَن يصدّقون ذلك، والآن لم تعد تتظاهر بذلك.

حرب المعسكرات داخل الإدارة الأمريكية

وبإسقاط القناع، فإن إدارة ترامب تأخذ على عاتقها العديد من المخاطر. كالتخلي عن موقفها الرافض للنزول إلى الساحة ورؤية الظهور الحتمي لقوى أخرى تعارض رؤيتها: وبالفعل تمكنت موسكو من سد هذه الفجوة.

وكذلك الخطر المتمثل في وضع حلفائها في موقف صعب عبر تحقيق تقدم نحو التقارب بين الدولة العبرية والملكيات الخليجية وحلفائها، باستخدام أمور غير معلن عنها، ومطالبتهم بالتأييد العلني للتخلي عن القضية الفلسطينية.

وأخيرًا، خطر إشعال النار في المنطقة، إذا ما تحوّلت إحدى الحالتين السابقتين إلى فوضى؛ كأن تشتعل الشرارة في المتفجرات في الخليج، أو تتم انتفاضة جديدة، أو عنف جديد حول القضية الفلسطينية، وسيكون من الصعب على أمريكا إيجاد موطئ قدمٍ لها من جديد.

وفي النهاية، من الواضح الآن أن العديد من الأطراف تتنافس في عملية صناعة القرار الأمريكي التي تعاني من عدم وجود اهتمام حقيقي من الرئيس ترامب بهذه القضايا لإحراز تقدم لها، وقد بدأ بالفعل سباق بين أولئك الذين يرغبون في الحد من التوترات، وأولئك الذين يعتزمون التعجيل بها.

حفل من القوى وغياب الغرب

تطرح الطبيعة التي تخاف من الفراغ - الذي خلفه محور السياسات الخارجية العربية وتيه الاستراتيجية الأمريكية - تساؤلًا حول ما إذا كانت الجهات الفاعلة الأخرى ستدخل الساحة. ويعطي الثلاثي المكون من موسكو وطهران وأنقرة إدارة القضية السورية المعروفة باسم "عملية أستانا"، تحذيرًا من الطريقة التي يمكن أن يدار بها الشرق الأوسط في غياب كل من القوى الغربية والغربية العربية. وبالتالي، فإن من المحتمل ظهور أنماط أخرى غير تلك التي شهدت قيام الولايات المتحدة وحلفائها بإدارة الأزمات في المنطقة.

حتى قبل دخول الصين إلى الساحة، وقبل صحوة الجهات الفاعلة التي كانت تمتلك علاقات متعددة مع الخليج، مثل الهند، وبعد عدة سنوات من العودة الدبلوماسية والعسكرية الروسية (في أعقاب الحرب السورية في 2015)، يثبت الشرق الأوسط أنه اختبار مثير للاهتمام للتركيبات متعددة الأقطاب في المستقبل.

إن حفل القوى القائم الآن في غياب الغرب، والذي يؤكد الاتجاه الذي بدأ بالفعل منذ زمن بعيد، عقب الثورة الإيرانية في عام 1979، والانسحاب الفرنسي الأمريكي من لبنان في أوائل الثمانينيات، والحرب الأمريكية القاسية في العراق عام 2003 هدأ لاحقًا في أفغانستان. وأصاب التعب في الشرق الأوسط كلًا من أمريكا وحلفائها الأوروبيين، وعلاوة على ذلك، لم يعد لديهم الطموح للعب أي دور.

ومن المفترض أن يسمح استمرار الحوار الإيراني الذي بدأ بعد عام 2015، والذي يعد بمثابة خطة سلام جادة ومؤهلة لحل القضية الفلسطينية، للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وشركائها من العرب بأخذ زمام المبادرة مرة أخرى؛ ولكن ربما علينا أن ننتظر إدارة أمريكية أخرى.

آن الأوان للتخفيف من حدة النقاش حول الهجرة والإرهاب

أشارت جريدة "أتلانتيكو" إلى ما أثبتته دراسة أمريكية حديثة نشرتها مجلة "السلوك الاقتصادي والتنظيم"، من عدم وجود صلة بين معدلات الهجرة والإرهاب، لا سيما على مستوى الهجرة الإسلامية، فيما عادت قضية الهجرة للظهور على السطح مرة أخرى مع حادث فيليوربان في فرنسا، والذي تسبب في وفاة شخص طعنًا.. فهل تُعدّ قضية الهجرة هي المشكلة المركزية التي نواجهها عندما نتحدث عن الإرهاب؟ وأليس من الأولى التحدث عن قضية الاندماج؟!

وتعطي الحالة الراهنة في فرنسا، والتطرف الديني الذي يتزايد في سياق تصاعد النزعة الطائفية التي تعد إحدى أهم الأراضي الخصبة الحاضنة له، صورة متناقضة إلى حد ما عن الاندماج، والذي يبدو أنه لم يحقّق هدفه بالكامل، والذي يتمثل في: جعل المواطنين على استعداد للعيش معًا حول عقد اجتماعي قابل للحياة. وإذا كنّا قد ضيعنا القليل حول هذه القضية في السنوات الماضية، فليس من حقنا الآن ارتكاب الأخطاء في مواجهة ضغوط الهجرة.

ولا يمكن النظر لقضية الاندماج بنفس الطريقة التي كانت عليها قبل عشر سنوات، أخذًا في الاعتبار واقع الهجرة الحالية الذي يتسم بالصراعات المسلحة ويهيمن فيها الجانب الديني. وهو الأمر الذي ينطوي على مخاطر جديدة. ليس فقط في ضوء الخطر الإرهابي، ولكن أيضًا في ضوء الأصولية الدينية الموجودة في بلدان المنشأ في بعض الأحيان، ويمكن أن تنتقل غرفة التجهيز للتطرف الديني إلى البلد المضيف إذا لم ينجح الاندماج أو أنه تم بشكل سيء.

لقد أبرز تقرير اللجنة الخاصة المعنية بالإرهاب التابعة للاتحاد الأوروبي مسألة إدماج المهاجرين في تعليقاتها لعام 2018. ويوضح التقرير أن تدفق المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين يمثل مشكلة أمام إدماجهم في المجتمعات الأوروبية ويتطلب استثمارات متزايدة وموجهة للإدماج الاجتماعي والثقافي. ولا تزال السيطرة على تدفقات الهجرة أيضًا مسألة سياسية ذات أولوية بالنسبة للدول وترتبط ارتباطًا وثيقًا بفرص إدماج السكان غير المتجانسين القادمين من أقاليم متباعدة جغرافيًّا وثقافيًّا.

هل تبدو هذه اللحظات الدرامية بالنسبة لكم مواتية للتعامل مع هذه القضايا؟ وإلى أي مدى تؤدي هذه القضايا إلى إحداث انقسام حول المشكلات التي تستحق معالجتها على نحو أفضل؟

يقول دكتور التاريخ "جيلان شيفرييه" إن أجندة وسائل الإعلام مدفوعة إلى حد كبير بالأحداث المهمة في هذا الشأن وهي تؤثر باستمرار، دون إعطاء الفرصة لهذا الموضوع لأن يبرد. ويتمثل الاتجاه السائد اليوم في السعي إلى إحداث تأثير الطنين وممارسة سياسة الصدام على شاشات أجهزة التلفاز، والتي تتماشى بشكل جيد مع الطبيعة الدرامية للهجمات. وهذا وقت يصعب فيه التراجع خطوة إلى الوراء.

وما يثير الانقسام أيضًا هو تلك الرؤية التي عرضتها مجلة العلوم والحياة لقضية الهجرة في عددها لشهر يوليو 2019، حيث تقول إن "المهاجرين هم الذين بنوا الغرب"، وتستخدم هذا المصطلح في تبديل التاريخ والحديث عن أن حركات الشعوب المهاجرة كانت الأصل في فرنسا. وللإشارة، فثمة شكل من أشكال خطاب تأنيب الضمير في هذا الاستعراض الموجه للتاريخ، حيث يبرر استقبال المهاجرين دون قيد والسماح بفعل أي شيء، وذلك على عكس من المتطلبات الصارمة للتكامل. ووفقًا لعالم الاجتماع فرانسوا هيران، فإن "أوروبا لم تكن لتتعافى من حروبها بدون مساعدة المهاجرين". وفي هذا تجاهل للدور البارز الذي لعبته الطبقة العاملة الفرنسية بهذا الصدد، والتي انعكس دورها القوي في الحزب الشيوعي النشط في ذلك الوقت.

هذا السياق المليء بالتوتر والذي يميل إلى تقسيم المواقف بين مؤيدين للهجرة، يدافعون عن الاستقبال غير المشروط باسم واجب الإنسانية، والذي لا يأخذ في الاعتبار أيًّا من القيود الحقيقية التي تفرضها الهجرة، وأولئك الذين يؤيدون رؤية أن أي مهاجر هو إرهابي محتمل، ويلتزمون موقفًا معارضًا يقوم على الهوية بشكل أساسي. وهذا يدفعنا إلى تجنب القضية الأساسية المتمثلة في الاندماج، والمتعلقة بكيفية بناء مجتمع تشير أرقام الهجرة فيه إلى زيادة حادة تتسبب برفع مستوى المخاطر.

خطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط تبدو مستحيلة

سلّطت جريدة "لا كروا" الضوء على الشكوك التي تدور حول جدوى المقترحات الأمريكية بشأن تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وذلك بعد استقالة المبعوث الأمريكي للسلام بالمنطقة السيد جيسون جرينبلات.

وقد تلقت "خطة السلام" التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط ضربة قاسية بعد إعلان المبعوث الأمريكي للسلام بالمنطقة جيسون جرينبلات استقالته. وقال ترامب عبر حسابه على موقع تويتر "بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من العمل في إدارتي، سيغادر جيسون جرينبلات للعمل في القطاع الخاص. لقد كان مخلصًا وصديقًا عظيمًا ومحاميًا رائعًا. وتفانيه لإسرائيل وللبحث عن تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أمر لن يُنسى".

وإلى جانب جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره، كان من المقرر أن يكون جيسون جرينبلات المحور الثاني لاتفاق السلام الذي وعد به دونالد ترامب. وأعلن الرئيس الأمريكي في نهاية شهر أغسطس، أن الخطة، التي تم إعدادها على مدار عامين ونصف العام في أكبر قدر من السرية والتي أُرجئ عرضها مرارًا، لن يتم الكشف عنها قبل الانتخابات التشريعية في إسرائيل، والمقرر إجراؤها في 17 سبتمبر.

الفلسطينيون يرفضون أي تواصل منذ ديسمبر 2017

في الواقع، تعثرت جهود السلام الأمريكية منذ السنة الأولى من ولاية الرئيس ترامب، وذلك بعد اعترافه من جانب واحد بالقدس عاصمة لإسرائيل وإلغائه للتمويل الأمريكي لمنظمات الأمم المتحدة العاملة على مساعدة اللاجئين الفلسطينيين. لذا ومنذ ديسمبر 2017، رفض الفلسطينيون الدخول في أي اتصال رسمي مع الإدارة الأمريكية وأعلنوا رفضهم المسبق للخطة الأمريكية.

ومن هنا، كان الهدف هو إعطاء الفلسطينيين والدول العربية المؤيدة لهم فرص عمل وحياة أفضل، عبر منحهم الحكم المستقل دون إنشاء دولة مستقلة حقيقية. وقد جرى استعراض الشق الاقتصادي من الخطة في البحرين في شهر يونيو الماضي والذي يقضي باستثمار 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، في الأراضي الفلسطينية والبلدان العربية المجاورة.

لقد أثار جيسون جرينبلات، المستشار القانوني السابق لمجموعة ترامب الاستثمارية على مدى عقدين من الزمن، حفيظة الدبلوماسيين الأوروبيين في الأمم المتحدة في شهر يوليو الماضي عندما انتقد بكلمات قاسية "الإجماع الدولي" حول سبل إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث قال: إن "السلام الدائم والشامل لن يتحقق من خلال القانون الدولي أو هذه القرارات المطولة وغير الواضحة" دون أن يذكر صراحة حل الدولتين. ولن يشغل أحد مكان جايسون جرينبلات حقًّا بل سيتقاسم "آفي بيركويتز"، مستشار جاريد كوشنر، وبرايان هوك، الممثل الخاص لوزارة الخارجية لشؤون إيران، مهمة القيام بعمله.

العلمانية ليست سلاحًا يتم تصويبه إلى رأس المؤمنين

وبالحديث عن الجدل الذي أثاره الفيلسوف الفرنسي "هنري بيا رويز" بتصريحاته حول الحق في "الإسلامفوبيا"، نشرت النسخة الفرنسية من موقع صحيفة "هوفينتون بوست" تعليق السيدة فضيلة ميهال، مستشارة حزب الجمهورية للأمام بباريس، ومؤسسة جمعية ماريان التنوع وعضو مرصد العلمانية في باريس على هذه القضية، حيث تقول: "إنني معجبة بالفيلسوف هنري ووضوحه والتزامه بالعلمانية، ومع ذلك، فإن الجدل الذي أثاره في التجمع الصيفي لحزب فرنسا شامخة يشعل الضمائر ويقسم بلدنا بلا داع.

وأضافت أن كلمة الإسلامفوبيا تصطدم بعقول الناس وتتجاوز انتقاد الدين؛ ويتم ترجمتها بالكراهية العميقة للإسلام. فهل يمكن أن نذكر "المسيحفوبيا" أو "اليهودفوبيا" دون أن يتسبب ذلك في إثارة ضجة؟ في الواقع، الجميع فهم ذلك جيدًا، وأدرك أن هنري بيا - رويز بالغ كثيرًا وأراد أن يعبّر عن الحق الراسخ في جمهوريتنا في انتقاد الأديان دون أن يمثل ذلك جريمة طعن في الذات الملكية. ومثله، أعتقد أنه من الممكن، بل والمفيد، تقديم نقد بنّاء لجميع الأديان. فالعلمانية، تلك السلعة الثمينة التي تعزّز تعايشنا معًا، والتي توصّلنا إليها بعد صراعات شديدة دموية وقاتلة للمؤاخاة، سمحت بكشف الصلة بين الروحية والزمنية وفصل الكنيسة عن الدولة. ومع ذلك، ينبغي استخدام كلمات أقل عدوانية حتى لا يبدو النقد موجهًا ضد المؤمنين؛ حيث يعدّ الحق في الاعتقاد أو عدم الاعتقاد مبدأ غير ملموس أسهم في التأسيس للعلمانية في الجمهورية الفرنسية، ويجب ألا تكون العلمانية سلاحًا موجهًا إلى رؤوس المؤمنين.

أما بالنسبة لانتقاد الإسلام، فقالت إن المسلمين أنفسهم هم أول من يتصدون له، وقد أخضع علماء الإسلام المشهورون مثل الدكتور "غالب بن شيخ" أو "رشيد بن زين" أو "كريم إفراك" النصوص للتفسير النقدي ونددوا باستمرار التفاسير التي يقدّمها البعض كالحرفية والرجعية والموجهة؛ لأنها كانت الداعم الأول للإسلام السياسي الذي يقاتلون ضده باستمرار، شأنهم في ذلك شأن غالبية مسلمي فرنسا.

هذا، ويبلغ عدد الفرنسيين من أبناء العقيدة الإسلامية، من أبناء الجيل الرابع اليوم، خمسة ملايين شخص؛ يشاركون بشكل يومي، مثل جميع الفرنسيين، في بناء فرنسا... سلميًّا. ويعيش العديد منهم في أحياء الطبقة العاملة في مدننا ويعرفون مدى تأثير الأحكام المسبقة والنظرات التي تحتقر وتوصم وتهمش. وهم يعرفون كذلك أن هذا يرجع في كثير من الأحيان إلى تمسكهم بالإسلام، ذلك الدين غير معروف إلى حد كبير في فرنسا.  ومنذ أحداث 11 سبتمبر وهجمات عام 2015، لم يتوقف الضغط عليهم عن الازدياد. وباتت الأعين تصبح أثقل، والأمور المغلوطة أقل دقة، والتوتر أكثر وضوحًا. لذلك عندما يقول فيلسوف عظيم مثل هنري بيا رويز إن للمرء الحق في أن يكون إسلاموفوبيا، فإن هذا يعد في نظر مسلمي فرنسا، استفزازًا مفرطًا. وتوحي هذه الحماقة بإعطاء إذن صريح لتبرير هذا الوصم، حرية مطلقة لجميع العنصريين في فرنسا.

فلنحرص إذًا على عدم تأجيج الهويات الشخصية والجماعية للسكان الذين كثيرًا ما يعانون بالفعل من الأسى الشديد. والعلمانية، العزيزة جدًّا على هنري بيا رويز يجب أن تجد من يدافع عنها بقوة، ولكن أيضًا بحكمة... وبلا انفعال. ولأنها ليست راية يتم رفعها من أجل التقسيم، بل درع يحمي ويدافع عن جميع الفرنسيين ضد الظلامية والخضوع، والمسلمون في فرنسا مشمولون بهذا أيضًا.

وثمة نهج علينا اتباعه لإعادة الفخر واحترام الذات لدى الشباب والأجيال الجديدة من المسلمين وذلك عبر إظهار ثقافات الإسلام ومفكريه وفنونه وفلسفاته وشعره وتراثه وحدائقه واكتشافاته العلمية وهندسته المعمارية. ذلك الكبرياء الإيجابي المنفتح، الذي لا يرفض الآخر؛ بل يفتح النوافذ ويمد الجسور لهدم المعادلة القائلة بأن: "الإسلام مرادف للإرهاب".

تحت شعار: "الترفيه للجميع".. ناشطات يسبحن بالبركيني في باريس

من جانبها، أبرزت جريدة "ليبراسيون" الجهود التي تقوم بها بعض الجمعيات الحقوقية في فرنسا من أجل مكافحة التمييز العنصري؛ حيث تسببت حوالي 15 ناشطة نسوية مسلمة فى إغلاق حمام سباحة فى باريس بعد أن قمن بالاستحمام أثناء ارتدائهن البركيني وغيره من ملابس السباحة العارية؛ احتجاجًا على حظر ملابس السباحة الإسلامية المثيرة للجدل.

ودخلت مجموعة النساء إلى حمام سباحة في الدائرة الحادية عشرة، حيث ارتدت خمس نساء مسلمات البركيني، ودعمتهن في ذلك ناشطات نسويات آخريات كن يرتدين ملابس السباحة المكونة من قطعة واحدة أو قطعتين، فضلًا عن دعم أشخاص من المتحولين جنسيًّا ورجال كانوا أعضاء مجموعة أنشئت لتلك المناسبة.

إغلاق حمام السباحة

"سنسبح، سنسبح! حتى لو كان العنصريون لا يريدون ذلك".. قوبلت هتافاتهم النضالية بمظهر مُسلٍّ تارة، وساخط تارة أخرى. غير أن هذه الفعالية أثارت تدخل المنقذين ثم الشرطة دون أي مقاومة. وبعد نحو نصف ساعة، أغلقت الإدارة المسبح وغادرت الناشطات وهن يرفعن لافتة تحمل شعار: "المسبح للجميع، أوقفوا الإسلامفوبيا".

تقول نرجس البالغة من العمر 27 عاما لوكالة الأنباء الفرنسية: "الهدف من هذه الفعالية هو تمكّن النساء المسلمات اللاتي يرتدين الحجاب من الدخول إلى المسبح". وأضافت أنهن "يردن التمتع بالحق في ارتدائه وأن يتمكنّ من قضاء أوقات الترفيه دون أن تنزعجن من اللوائح التمييزية"، فيما نددت بـ"تصاعد الأفكار المعادية للإسلام". وقالت كاميل، الناشطة النسوية التي تبلغ من العمر 18 عامًا، "ليس بسبب ارتدائهن لملابس سباحة تغطي أجسادهن أو الحفاظ على "النظافة والسلامة" يتم حظرهن من دخول المسبح، هذا أمر زائف تمامًا".

ودعت المجموعة في بيان لها إلى "إدخال تغييرات على اللوائح الداخلية المنظمة لأحواض السباحة، وإلى إتاحة الترفيه للجميع". لذا يقول ناشطون إن "أجسادنا تخصنا، ونحن نغطيها أو نكشفها لأسباب تخصنا". وقد أثار حدث مماثل في جرونوبل في منتصف شهر يونيو جدلًا وطنيًّا واسعًا، ورأى رئيس الوزراء "إدوارد فيليب" ضرورة احترام قواعد المسابح العامة، وعدم أخذ "المعتقدات الدينية" ذريعة للخروج عنها.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق