لوموند الفرنسية| هل يمكن تقنين الإسلاموفوبيا أم سيكون جدالاً هيستيريًّا؟


١٥ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٤:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


في حوار صحفي أجراه الصحفي بجريدة لوموند الدينية، "جيريمي أندريه" ، مع "فيليب ديريبارن"، مدير البحوث بالمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا والمتخصص في الثقافات الوطنية، يجيب الأخير عن كافة التساؤلات حول الموضوعات الإشكالية المتعلقة بالإسلام، ويفكك كافة اتهامات الإسلاموفوبيا الموجهة للغرب.

يعد كتاب "كراهية الإسلام: التسمم الأيديولوجي" نصًّا نظريًّا وليس عملًا نقديًّا؛ ومع ذلك، فإن مؤيدي مفهوم الإسلاموفوبيا ينظرون إليه على أنه هجوم صريح.

ومنذ فترة طويلة، تستخدم العديد من المؤسسات الشهيرة، من الأمم المتحدة إلى اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان في فرنسا، هذا المصطلح في عملها؛ وهكذا تمكن مصطلح "الإسلاموفوبيا" من فرض نفسه لوصف التمييز والعنف اللذين يتعرض لهما المسلمون في الغرب بصورة منتظمة. وبالرغم من ذلك، يظل ذلك المصطلح مثيرًا للجدل. ففي الآونة الأخيرة، قاد الانتقاد الذي وجهه الفيلسوف "هنري بيا رويز" لـ"الإسلاموفوبيا" الحركة السياسية إلى حافة الانهيار، كما سبق وأن حُذف مصطلح "الإسلاموفوبيا" بالفعل من مشروع قانون بفرنسا في الربيع الماضي.

ومنذ الفتوى ضد "سلمان رشدي" والحالات الأولى من ارتداء الحجاب في المدرسة، لم تكن ثلاثة عقود كافية لنفاد هذا النقاش الذي يمكن وصفه في كثير من الأحيان بالهيستيري! بل على العكس، ومع كل أزمة جديدة، تندد جماعة من المحررين والمثقفين بما يسمونه "التلاعب الأيديولوجي"؛ لأن وضع العنصرية ضد الإسلام وانتقاده في سلة واحدة من شأنه أن يؤدي إلى تحييد أي معارضة لصعود التيار الإسلاموي. أما بالنسبة للمعسكر المعارض، فإن الانزعاج من الأصولية أو التنديد بارتداء الحجاب يعدّ من "الإسلاموفوبيا"، وهو شكل غير منطقي من أشكال رفض الآخر، وليس رد فعل عقلانيًّا على المضوعات الإشكالية في الدين.

فكيف يمكننا إذًا تفسير كيف أن المسلمين على يقين من أنهم يتعرضون للتمييز بشكل يومي إذا كانوا يعيشون في محيط من الإسلامفوبيا؟ لذا يشكّك السيد "فيليب ديريبارن" في الحقيقتين المضللتين المرتبطتين بهذا التصور الجماعي. وبالنظر عن كثب إلى الأرقام، نجد أن المسلمين لا يتعرضون في الواقع للتمييز لمجرد انتمائهم إلى الإسلام، بل بسبب مجموعة من العوامل المساعدة؛ لا سيما وأن كراهية المسلمين ليست واسعة الانتشار كما يروج الناشطون. وما من شك في أن هذه الحجج الاجتماعية والإحصائية ينبغي أن تصبح أقوى الأسلحة النظرية لمنتقدي الخطاب حول الإسلاموفوبيا.

لوموند: لماذا تدحض مفهوم الإسلاموفوبيا؟

ديريبارن: يشير هذا المصطلح إلى رفض مغلف بالكراهية من العالم الغربي للإسلام. لكن معطيات العلوم الاجتماعية تتناقض مع نظرة العداء واسع النطاق تجاه المسلمين لكونهم مسلمين. وفي الواقع، ترحب المجتمعات الغربية بالإسلام كدين. وإذا كنّا نرفض بعض الجوانب ذات الصبغة السياسية والاجتماعية في الإسلام، فذلك لأنها تتعارض مع قيمنا. ويعد تعريف مصطلح الإسلامفوبيا، باعتباره رد فعل عشوائي ضد المسلمين والإسلام، تعريفًا خاطئًا وفتّاكًا.

لوموند: هل هذا ما دفعك لتأليف كتابك؟

ديريبارن: تهمني مسألة شروط اندماج المسلمين في الغرب لأكثر من سبب: باعتباري باحثًا ومواطنًا. وبطبيعة الحال، كنت على دراية بالمناقشات السياسية حول هذا الملف، لكن انطلاقتي كانت بهدف اكتشاف الدراسات المتعلقة به. وما أثار دهشتي بشكل خاص هي تقارير اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان، التي تختلف استنتاجاتها - أن المسلمين ضحايا للإسلامفوبيا واسعة النطاق - عن معطياتها التي تُظهر النقيض.

لوموند: لماذا تتسبب دراسات اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان في إثارة الجدل؟

ديريبارن: لا تعد أعمال اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان هي الوحيدة في هذا الصدد، ولكنها الأكثر سخافة! حتى أن البيانات ذاتها التي تستند إليها تُظهر التنوع الكبير في ردود الفعل تجاه الرموز الدالة على الإسلام. ومع ذلك نجدهم يشيرون إلى أن هناك رفضًا عالميًّا للإسلام في حد ذاته. وبالرغم من تردد الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات بشأن الإسلام بسبب وضع المرأة في البلدان الإسلامية، تؤكد الدراسة أن السبب في ذلك هو إصابتهم بـ "الإسلاموفوبيا".. يا له من تحريف لا يصدّق لعدة أسباب! ويتم استبعاد كافة التساؤلات التي تشكّك في الجوانب الإشكالية بالإسلام. وفي الوقت نفسه، لا يشير التقرير على الإطلاق إلى قبول الممارسات الإسلامية الروحية البحتة التي لا تتعارض مع القيم الغربية، كصيام رمضان على سبيل المثال. أنا لا أعرف مؤلفي هذا العمل، ولكن عندما تقرأه تتساءل عما إذا كانوا فاقدي الوعي، أو ما إذا كانوا نشطاء يقومون بتلاعب وقح!

لوموند: ينتقد الجدليون والصحفيون هذا المفهوم منذ وقت طويل، ولكن عددًا قليلًا من الباحثين أو الأكاديميين يشاركونهم في ذلك؛ إذا كانت الإسلاموفوبيا مجرد خدعة، فلماذا أنت أول عالم اجتماع يدحض ذلك المصطلح من وجهة نظر معارفية؟

ديريبارن: أنا أيضًا أتساءل. فعلم الاجتماع يعمل على تفكيك المفاهيم العامة. وفي رأيي، إن ثمة تأثير للترهيب في المقام الأول؛ فوفقًا لما أظهرته ندوة عقدتها مؤخرًا لجنة الجمهورية العلمانية، قام ناشطون في مجال الإسلاموفوبيا وتيار مناوءة الاستعمار بعمل هائل للتجنيد في الجامعة. ويمكن وصف دحض الإسلاموفوبيا سريعًا بأنه عرض من أعراض الإسلامفوبيا! وبذلك كان على من يرغبون في المقاومة أن يقبلوا ببعض التهميش في الأوساط الأكاديمية. ويكفي فقط أن ننظر إلى الطريقة التي عوملت بها أستاذة علم السكان السيدة "ميشيل تربلات". أما بالنسبة لي، فإن ما يتعلق بالإسلام ليس مجالاً بحثيًّا، حيث أتمتع بوضع قوي باعتباري خبيرًا في تنوع الثقافات ولقاءاتها، ما يسمح لي بدراسة العلاقة بين الإسلام والغرب. وفضلًا عن ذلك، يُعد هذا الموضوع أقل حساسية بالنسبة لجيلي، الذي لم يشهد التجنيد الذي تحدثت عنه.

لوموند: ألا يعاني المسلمون من تمييز جلي عند التقدم للحصول على وظيفة أو عند البحث عن سكن؟

ديريبارن: ليس هذا ما تشير إليه الدراسات التي تبين أنه لا يوجد تمييز ضد المسلمين في هذا الأمر، وعلينا أن نتذكر أن اختبارات السيرة الذاتية المجهولة التي أجراها مكتب العمل الفرنسي في فترة الألفينات أظهرت عكس ذلك. وباستخدام السير الذاتية مجهولة الهوية، حصل الأشخاص ذوو الأسماء المسلمة على مقابلات أقل من تلك التي حصل عليها من أظهروا أسماءهم! وهذا يعني أن أرباب العمل يميلون إلى تكوين نظرة إيجابية تجاه المسلمين ويتغاضون عن بعض أوجه القصور في وضعهم المهني، كالافتقار إلى الخبرة السابقة، ومشاكل تعلُّم اللغة الفرنسية، معللين ذلك بأن أصولهم غير فرنسية.

لوموند: ولكن ألا يكون التمييز ضد المسلمين برفض بعض الجوانب الخاصة بالإسلام، مثل "الشرف" في العلاقات بين الجنسين، والحجاب؟

ديريبارن: هذا هو موقف تجمع مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا. غير أن الحجاب يعدّ شيئًا ملتبسًا: هل هو علامة دينية أم رمز لنظام اجتماعي وسياسي؟ قد يجادل البعض بأنه لا يمكن الفصل بين العلوم الاجتماعية والدينية في الإسلام. ولكن هذا أمر ليس صحيحًا؛ لأنه إذا ما نظرنا للعالم الإسلامي كله، فسنلاحظ وحدة في العبادات الدينية كالحج والصلاة وصوم رمضان... وعلى النقيض، نلاحظ أيضًا تباينًا غير عادي في الممارسات الاجتماعية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هي إذًا القواسم المشتركة بين النساء الأفغانيات اللاتي يرتدين البرقع وهؤلاء اللاتي يخرجن عاريات الصدور على ضفاف نهر النيجر؟ وكذلك الأمر في القرآن الكريم، الذي حين يتحدث عن أمر ديني بحت، نجده يساوي بين الرجال والنساء. ولكن بمجرد أن يتحدث عن العلاقات الاجتماعية، نجد أنه يولي المرأة مكانة محددة أكثر تقييدًا. وأرى أن سبب العلاقة غير المتكافئة مع المرأة يعود لنظام اجتماعي أكثر منه ديني. وللمجتمعات الغربية عدد من القيم الواضحة، بما في ذلك المساواة بين الجنسين، كما أن عداءها لأولئك الذين يرفضون هذه القيم ليس تمييزيًّا. وعلاوة على ذلك، فإن أحد الأسس لإدماج مجموعة ما في المجتمع هو قبول ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا بـ "تبادل النساء"؛ أي توافق كل مجموعة على تزويج نسائها خارج مجموعتها في نفس الوقت الذي تحصل فيه على نساء المجموعات الأخرى. أما الإسلام فيحظر على المرأة المسلمة الزواج من غير مسلم، والالتزام بزي إسلامي؛ ما يعد دلالة على أخذ هذا الحظر على محمل الجد، وبالتالي الرغبة في البقاء منفصلًا.

لوموند: لماذا يجب على المسلمين الاندماج لدرجة اكتساب الثقافة؟

ديريبارن: لقد كان الموقف الفرنسي من الهجرة، والذي نشأ عنه تأسيس الإسلام، محكومًا في السابق باتفاق ضمني، لم تكسره موجات هجرة سابقة، وكانت المواطنة تتم على أساس من الحرية بحيث يتم استيعاب الأفراد. وقد تسبب كسر هذا الاتفاق بجعل السياسيين، مثل الرئيس "إيمانويل ماكرون"، ينتقدون الإسلام السياسي باعتباره يريد "الانفصال".

لوموند: وعندما تتعرض امرأة محجبة للاعتداء أو يُمزّق حجابها.. ألا يعدّ ذلك من الإسلاموفوبيا؟

ديريبارن: أنا لا أوافق تمامًا على هذه الأنواع من التصرفات. وإذا كان المرء يعارض الحجاب، فيجب عليه التعبير عن ذلك إما بالمناقشة أو بالقانون. أنا لا أنكر أن عملاً ما يمكن أن يتم وصفه من الإسلاموفوبيا، ولا أن هناك من لديه كراهية عشوائية لكل ما يتعلق بالإسلام، ولكن تلك الحالات نادرة للغاية، ولا تعكس كراهية المجتمع بشكل عام للإسلام. حتى أن التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا لا يسجل سوى عشرات الحالات في العام الواحد.

لوموند: ألم يتم تسجيل حالات قتل إسلاموفوبيا، خاصة بعد عام 2015؟

ديريبارن: لا، على حد علمي.

لوموند: ألا تعكس هجمات كرايستشيرش على مسجدَين والتي أودت بحياة 51 شخصًا، الإسلاموفوبيا الفتاكة؟

ديريبارن: الواقع أن هذه الأعمال تندرج تحت مسمى "الإسلاموفوبيا"؛ فأهدافها هي المساجد، وبالتالي من الواضح أنها تستهدف الدين الإسلامي وليس المسلمين كمجتمع منشق. وقد كون الشخص الذي ارتكب هذه الأعمال صورة جنونية عن الإسلام وقال إنه سيمثّل تهديدًا حيويًّا على المجتمع الغربي. لكنه مجرد عمل منفرد، وليس هناك ما يشير إلى أن هذا العمل، كما قال أحد الوزراء السابقين، يؤشر على أننا نعيش مناخًا عامًا من "الإسلاموفوبيا".

لوموند: أليس من المحتمل أن يؤدي حظر كلمة الإسلاموفوبيا، كما طالب أحد المقترحات، إلى تعزيز إيمان بعض المسلمين بأن مجتمعهم يُعامل معاملة عنصرية، لا سيما من جانب باليهود الذين يحظون باعتراف تام بحربهم ضد معاداة السامية؟

ديريبارن: أنا لست مؤيدًا بأي حال من الأحوال لفرض رقابة على مصطلح الإسلاموفوبيا.. ولكن من واجبي كباحث أن أفكك هذا المصطلح الأيديولوجي البحت.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الحجاب الإسلاموفوبيا

التعليقات

  1. الثورى1 ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٢:٣٢ م

    بل سيكون هناك تقنين وستكون تلك القوانين المتعلقه بالاحكام والحاكميه الالهيه الساميه مدونه بالامم المتحده امميا ودوليا وواضحه للجميع ويبقى امر الدساتير و القوانين تلك التى يجب كما يشترط الاسلام وكا ماسبقه من اغديان سماويه بالكتب السماويه المنزله بانه لااشكال بالقوانين التى يصدرها الشعب المهم ان لاتتصادم تلك القوانين الوضعيه مع المقدس اى مع تلك الاحكام والحاكميه الالهيه الساميه ومن ضمنها القوانين الدوليه فالاسلام اول من يعطى حق الشعب بالتقنين على ان لايتجاوز المشرع الاحكام الالهيه الساميه كما فعل الطاغيه رئيس تونس الهالك الباجى السبسى باعلانه بالمواريث للذكر مثل حظ الانثى وليس الانثيين كما امر الرب جل جلاله

اضف تعليق