الجارديان | لماذا يجب على أفريقيا عدم التسرع في اعتماد الثورة الصناعية الرابعة؟


١٧ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠١:٥٣ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
المصدر - الجارديان 

لقد جرى الاحتفاء بالثورة الصناعية الرابعة كلحظة تحولية، لحظة ستجلب الدقة اللوغاريتمية إلى القرارات التي نتخذها وستجعل كل جوانب حياتنا آلية التشغيل، من إشعال الضوء إلى التنبؤ بنوع الطعام الذي نرغب في تناوله.

لكن وسط كل الضجة المحيطة بالثورة الصناعية الرابعة وتكنولوجياتها الرقمية المدمرة، هناك ارتباك وخطر محتمل. في حين أن التكنولوجيا تُطرح بمعدل هائل، غير أن دعم البنية التحتية ووسائل الحماية يبدو وأنهم متأخرون، تاركين الجنوب العالمي مستهدَفًا على نحو خاص.

لقد أوضحت جنوب أفريقيا، التي استضافت مؤخرًا المنتدى الاقتصادي العالمي حول أفريقيا، أنها تعلق آمالها على الإمكانات الاقتصادية للثورة الصناعية الرابعة. الرئيس، سيريل رامافوزا، أخبر قادة الأعمال في كيب تاون أن الدولة مستعدة لقبول العصر الجديد كحل للقضايا المُلحة، مثل عدم المساواة والبطالة التي تؤثر حاليًا على ربع السكان ممن هم في سن العمل.

نيجيريا، وغانا، وموريشيوس وكينيا يقودون المسيرة أيضًا، باستخدام أحدث تكنولوجيا في المعاملات التجارية، والتعليم في المدارس والجامعات، وإحباط الإرهاب.
لكن رغم جاذبية ادعاء المنتدى الاقتصادي العالمي بأن الثورة الصناعية الرابعة قد تخلق 3 ملايين فرصة عمل في أفريقيا بحلول 2025، تأتي حماسة الرقمنة بمخاطر محتملة، وهي تمثل نقاط ضعف تجعل القارة معرضة للتلاعب بالبيانات والهجمات السيبرانية، حتى قبل أن تصبح الثورة الآلية التشغيل بالكامل مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي واقعًا يوميًّا.

ولا شك أن أوجه الضعف هذه لها عواقب واسعة النطاق، ليس فقط على البنوك والصناعة في الاقتصادات الناشئة؛ بل أيضًا على الخصوصية الشخصية والمسائل المتعلقة بالأمن البشري.
في شهر يوليو، تعرض مزوّد كهرباء رئيسي في جوهانسبرج لهجوم بفيروس الفدية (رانسوموير)، قاطعًا الكهرباء عن الملايين، وفي الشهر الماضي ذكر تقرير مسرّب لمجلس الأمن اسم جنوب أفريقيا ضمن عدد من البلدان المستهدفة من مخترقي شمال كوريين ممن اخترقوا تبادلات للعملة المشفرة (Cryptocurrency).

وبحلول 2022 من المتوقع أن يصبح هناك نصف مليون مستخدم جديد للإنترنت في أفريقيا جنوب الصحراء، منضمين إلى 211 مليون مستخدم، الكثير منهم متصلون عبر الهواتف المحمولة. لقد غيرت التكنولوجيا الحياة بصورة هائلة، حيث منحت عمال المزارع إمكانية الوصول إلى أسواق جديدة وأنقذت الأرواح عبر التطبيب عن بُعد.

غير أن دولًا كثيرة ذات المؤسسات الضعيفة نسبيًا لحماية أسس الديمقراطية في أفريقيا، تخاطر بأن تصبح حقل تجارب لإساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة وانتهاكات الخصوصية. عندما تصدرت فضيحة كامبريدج أناليتيكا عناوين الأخبار، ظهر أن بيانات 60 ألف مستخدم إنترنت جنوب أفريقي قد تعرضت للاختراق، كما أن كينيا كانت مختبرًا لعمليات الشركة، حيث اعترف شخص مطلع أنهم أداروا "كل عناصر" الحملات الرئاسية لـ2013 و2017.

وفي ظل انتشار البوتات (الحسابات الآلية) على تويتر على أجهزة التابلت، والكمبيوتر المحمول والهواتف، تبدو فرصة السيطرة على الروايات الخاصة بكل شيء من الانتخابات أو العنف الموجه ضد الأجانب في جنوب أفريقيا لا نهائية. ودون بناء قدرة على المواجهة لاستباق هذه المناطق الرقمية المحجوبة، تخاطر الثورة التكنولوجية بتقويض الديمقراطيات، وسرقة البنية التحتية – في عدد متزايد من الحالات – وإثارة رد حقيقي على تهديدات افتراضية، وهذا يحدث بالفعل في أماكن أخرى، مثلما حدث في وقت سابق من هذا العام عندما شنت القوات الإسرائيلية ضربات جوية على ما زعمت أنها منشأة تابعة لحماس تقوم بتنفيذ هجمات سيبرانية. تخيل إذا شنّت كينيا ردًّا عسكريًّا مماثلًا على تهديد سيبراني مشتبه به من الصومال، أو حتى اليمن؟ إن الانعكاسات الجيوسياسية لهذا العصر الجديد تجعلنا نتوقف للتفكير. 

ولا شك أن وضع عدم الانحياز التقليدي لدول مثل جنوب أفريقيا لا يعطيها الحماية، وربما لا يكون لديها أعداء "واضحون"، لكن بنيتها التحتية التكنولوجية ومكانتها كمركز للأعمال تجعلها وكيلًا جذابًا للجهات الفاعلة من الدول وغيرها.

وبالإضافة إلى ما سبق، تشهد أفريقيا ظهور عصابات إجرامية سيبرانية متاحة للاستخدام عالميًّا، ويمكن تأجير "معرفتهم" لانتزاع الفدية أو توفير أداة أخرى في ترسانة الجماعات الإرهابية مثل الشباب وبوكو حرام. لقد ورد أن تنظيم الدولة الإسلامية يصقل مهاراته السيبرانية. تقول بعض الشخصيات رفيعة المستوى من هيئة الادّعاء الوطنية في جنوب أفريقيا إنهم على علم بـ12 شبكة إجرامية على الأقل متاحة للتأجير داخل الدولة.

كما تحتاج الدول الأفريقية لتجهيز نفسها على نحو أفضل لبناء قدرة سيبرانية على المواجهة ولكي تصبح جزءًا من الحملة العالمية لتحديد طرق لحراسة المجال السيبراني العالمي بفاعلية أكبر؛ من أجل تخفيف آثار اختراق البيانات على مواطنيها. وحتى يومنا هذا، أقل من نصف الدول الأفريقية خصّصت فرق استجابة لحالات الطوارئ المتعلقة بالكمبيوتر. إن أحد أكبر التحديات هو التأكد من أن الشركات والحكومات لن ترتدع عن مشاركة المعلومات حول اختراق البيانات بسبب مخاوف من تعرض سُمعتها للخطر، حيث تقع 570 هجمة سيبرانية في جنوب أفريقيا كل ثانية، بحسب التقديرات. وفي قارة بها 1.2 مليار نسمة، وحيث سيصبح مئات الملايين من المواطنين على الإنترنت خلال الثلاث سنوات المقبلة؛ فإن حجم الخطر المستقبلي من إساءة الاستخدام يبدو واضحًا.

لقد سنّت دول، مثل جنوب أفريقيا، تشريعًا لحماية الخصوصية العامة من إساءة استخدام البيانات بقانون حماية المعلومات الشخصية (2013)، على الرغم من أنه غير مرجح لأن يتم تطبيقه حتى 2022 لأسباب تقنية. ولا يزال مشروع قانون الجرائم السيبرانية والأمن السيبراني، الذي يفرض عقوبات أشد وينص على إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة، يحتاج للمصادقة من البرلمان، وفي حين تتوسع التكنولوجيا بشكل كبير، يبدو المجتمع البشري وكأنه متأخر كثيرًا.

وعلى الصعيد الدولي، لدى كل من كينيا وموريشيوس وجنوب أفريقيا تمثيل في فريق الخبراء الحكوميين المعني بقضايا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التابع للأمم المتحدة، الذي تأسس لتحديد "الأعراف" السيبرانية، أو قواعد سلوك الدول المتفق عليها، لدعم قانون حقوق الإنسان الدولي، أما على الصعيد الإقليمي، فقد حصلت اتفاقية الاتحاد الأفريقي للأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية على تصديق خمسة أعضاء فقط من أصل 55 عضوًا.   

إن لدى الطبيعة التحولية للثورة الرقمية الإمكانية لكسر الحدود التعسفية لأفريقيا التي رُسمت بطريقة عشوائية خلال العصر الاستعماري، وكذلك أيضًا الإمكانية لنشر السلطة بعيدًا عن الحكومات إلى المواطنين؛ غير أنها تجعل من الصعب أيضًا مساءلة أولئك الذين يسيئون استخدام التكنولوجيا.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات ترجمات رؤية

اضف تعليق